محللان سياسيان: فنزويلا تحتاج إلى انتخابات جديدة الآن
واشنطن "د. ب. أ": تستطيع الولايات المتحدة أن تلعب دورا حاسما في تحويل حركة تشافيز الحالية في فنزويلا من حكم استبدادي إلى فصيل سياسي ضمن إطار ديمقراطي، وذلك وفقا للدكتور هومر هاركينز، من هيئة تدريس كلية الحرب بدولة الإمارات العربية المتحدة والدكتور روبرت بوريل وهو باحث أول زميل في معهد الأمن العالمي والأمن القومي بجامعة جنوب فلوريدا. و
قال هاركينز وبوريل في تحليل نشرته مجلة ناشونال انتريست الأمريكية، إن فنزويلا تصدرت في يناير الماضي عناوين الأخبار العالمية بعد العملية الأمريكية الجريئة ضد الرئيس نيكولاس مادورو، وأسفرت عن اعتقاله ونقله إلى نيويورك للمثول للمحاكمة بتهم تهريب المخدرات.
وفي غياب مادورو، تولت نائبة الرئيس ديلسي رودريجيز السلطة، وأعربت عن استعدادها للتعاون مع الولايات المتحدة، ولكن مع رغبتها في الحفاظ على سلامة الهيكل الاستبدادي لحركة تشافيز (وهي أيديولوجية سياسية شعبوية يسارية أسسها الرئيس السابق الراحل هوجو تشافيز، ترتكز على الوطنية والاشتراكية البوليفارية ومناهضة الإمبريالية وتهدف إلى تعزيز العدالة الاجتماعية ودعم الفقراء).
وفي الأسابيع التي تلت ذلك، وفي خضم أزمة جديدة في الشرق الأوسط، تتراجع فنزويلا نحو الغموض. فهل يهتم الأمريكيون حقا بمستقبل الدولة، أم أنها أصبحت مجرد نقطة للحديث السياسي الداخلي؟ ويرى هاركينز وبوريل أنه يبدو أن هناك دعما شعبيا محدودا لتدخل مستدام وطويل الأمد في فنزويلا، مما يترك للبلاد الأعوام الثلاثة المتبقية من إدارة الرئيس دونالد ترامب لتحقيق نتائج اقتصادية حاسمة وانتقال سياسي.
من الضروري أن تجري فنزويلا انتخابات حرة ونزيهة وموثوقة في أقرب وقت ممكن عمليا لاستعادة الشرعية الديمقراطية وإبعاد نظام تشافيز عن السلطة. وقال هاركينز وبوريل إنه يتعين على من يرغبون حقا في أن تستعيد فنزويلا مكانتها كدولة تدافع عن الحرية وتحارب الفساد وتجدد الحكم الديمقراطي، أن يدركوا أن التحدي يتطلب جهدا طويل الأمد. ويبدو أن المتحدثين الوحيدين لصالح هذا النهج هما زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو ووزير الخارجية ماركو روبيو.
ولكن ما الذي يمكن لهذين الشخصين تحقيقه بمفردهما؟ أين ممثلي الولايات المتحدة الذين يدعون التزامهم الراسخ بالقيم الإنسانية والتقدم الاجتماعي؟
وفي عام 2019، أسس الكونجرس الأمريكي تجمع الديمقراطية الفنزويلية من الحزبين، بهدف التركيز على دعم الشعب الفنزويلي وتحقيق الحرية والديمقراطية. ومع ذلك، لم تجتمع هذه اللجنة منذ تولي ترامب ولايته الرئاسية الثانية. والمفارقة، أنه رغم أن إدارة ترامب كانت مدافعا شديدا عن الحرية في فنزويلا، فإن تأييدها الظاهري لقيادة النظام - بدلا من السعي لإجراء انتخابات جديدة - يرسل إشارة بأن الديمقراطية في فنزويلا ليست من أولوياتها. وقد أفقدت تصرفات الرئيس الكونجرس صلاحياته للسعي لتحقيق توافق تشريعي.
فنزويلا تمتلك إمكانات هائلة
مع المؤسسات المناسبة على الرغم من الإطار المؤقت الذي يوجه السياسة حاليا بشأن هذه المشكلة المعقدة، لا يزال هناك ما يدعو إلى التفاؤل الحذر. وقد يجادل المتشائمون بأن فنزويلا، في أحسن الأحوال، لا تزال على بعد عقود من الازدهار، أو أنها مقدر لها أن تبقى دولة فاشلة إلى الأبد في أسوأ الأحوال.
ومع ذلك، تمتلك البلاد موارد طبيعية استثنائية، حتى بجانب مكانتها كصاحبة أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم. فهي تمتلك مخزونات ضخمة من الغاز الطبيعي والفحم والذهب وخام الحديد، إلى جانب مصادر كبيرة من النيكل والكولتان والنحاس والألماس. وهذه الموارد يمكن أن تجعل فنزويلا لاعبا رئيسيا في قطاعات متنوعة من التكنولوجيا الناشئة، مثل قطاعات الطاقة النظيفة والمركبات الكهربائية والطاقة المتجددة والتصنيع عالي التقنية، إذا ما تم استغلالها بالشكل الأمثل. ويمكن لإمكانات فنزويلا الكبيرة في مجال إنتاج الطاقة الكهرومائية، من الأنهار والشلالات، أن تغذي مشروعات تنموية واسعة النطاق.
وتساعد التربة الخصبة على زراعة متنوعة تشمل البن والكاكاو والأرز والذرة وقصب السكر والفواكه، فضلا عن تربية الماشية. ويوفر ساحل البحر الكاريبي فرصا هائلة في مجال المأكولات البحرية والسياحة، مدعوما بجمال طبيعي خلاب ومناخ ربيعي معتدل طوال العام، خال من الأعاصير. واعتبر هاركينز وبوريل أن "تحقيق هذه الإمكانات الهائلة يتطلب بالطبع أكثر بكثير من مجرد الثروة المادية، لأن عقود التدهور المؤسسي والفساد وهجرة الكفاءات وانهيار البنية التحتية تشكل عوائق كبيرة. ولكن بمجرد التخلص من قبضة الحكم المستبد الفاشل من خلال تغيير سياسي حقيقي، يمكن لنقاط القوة الكامنة في فنزويلا أن تحفز انتعاشا اقتصاديا يجعل معجزة ألمانيا الغربية في خمسينيات القرن الماضي تبدو متواضعة أمامه.
كيف يمكن أن تنتقل فنزويلا إلى الديمقراطية؟
إن العنصر الأساسي لتحفيز هذا التغيير هو إجراء انتخابات حرة ونزيهة، مع أن التاريخ يظهر أنها نادرا ما تكون كافية بمفردها. فعلى مدار معظم الأعوام الخمسة والعشرين الماضية، بدت حركة هوجو تشافيز الثورية كحركة لا تقهر، حيث رسخت نفسها بعمق في مؤسسات الدولة وقطاع النفط والمجتمع ككل. وقد كان هذا التأثير واسع النطاق ومدمر للغاية لدرجة أنه لا يزال قائما حتى بعد مرور 12 عاما على وفاة تشافيز، حيث يواصل أتباعه الترويج لنظامه الاقتصادي المحتضر ويقمعون المعارضة بالقوة. ومع ذلك، فقد أدت انتخابات منفردة في بعض الأحيان إلى تحطيم سلطة راسخة، كما حدث في البرازيل وتنزانيا عام 1985 وكوريا الجنوبية عام 1987 وتشيلي عام 1988 ونيكاراجوا عام 1990 .
وفي حالة فنزويلا، بتقاليدها الديمقراطية الراسخة قبل عهد تشافيز ونظامها الذي أدت إخفاقاته إلى تراجع شعبيته بشكل كبير، ستكون الانتخابات محفزا قويا للتغيير الجذري. وتستفيد قلة من الفنزويليين من النظام القديم اليوم، وبينما لا يزال بعض الموجودين في السلطة متورطين في انتهاكات حقوق الإنسان وتجارة المخدرات والفساد، فإن الأغلبية في الجيش والبيروقراطية، وحتى داخل حركة تشافيز الأوسع، يدركون ضرورة التغيير ومستعدون للتكيف.
أمريكا تستطيع قيادة عملية تحول ديمقراطي في فنزويلا
وأشار هاركينز وبوريل إلى أن هناك بوادر مشجعة على مشاركة دولية مستدامة بدأت تظهر بالفعل. في 18 فبراير، قام قائد القيادة الجنوبية الأمريكية، الجنرال فرانسيس دونوفان بزيارة مفاجئة إلى كاراكاس، حيث التقى بالسلطات المؤقتة برئاسة رودريجيز، والقائمة بالأعمال الأمريكية لورا دوجو والقائم بأعمال مساعد وزير الدفاع جوزيف هومير.
وصرح دونوفان آنذاك بأنه يتطلع إلى العودة قريبا لدفع خطة ترامب التي تتكون من ثلاث مراحل، والتي تركز على تحقيق الاستقرار والتعافي الاقتصادي والانتقال التدريجي للسلطة. وفي ختام التحليل، يؤكد هاركينز وبوريل أن طريق الخروج من الديكتاتورية لن يكون سريعا أو مباشرا، فهو يتطلب خيالا ومثابرة وواقعية بشأن النكسات. ومع ذلك، مع استمرار الضغط والتطور السياسي الشامل والدعم الدولي الملتزم وخاصة من الولايات المتحدة، تملك فنزويلا فرصة حقيقية سانحة لاستعادة إرثها كدولة ديمقراطية مزدهرة وسلمية، والانضمام مجددا إلى مجتمع الدول الحرة. إن أكبر عقبة ستواجهها هي أن أقلية فقط من الأمريكيين لا تزال ملتزمة على المدى الطويل، ولهذا السبب، من المرجح أن يتطلب النجاح تحقيق مكاسب سريعة خلال الأعوام الثلاثة المقبلة لتحقيق الإمكانات الهائلة لفنزويلا.
