No Image
العرب والعالم

لماذا يتعين على ترامب تجنب "تغيير النظام" في فنزويلا؟

07 يناير 2026
07 يناير 2026

واشنطن "د. ب. أ": قد تكون عمليات تغيير النظام مغرية على المدى القصير، لكنها غالبا ما تمهد الطريق لمشروعات مفتوحة لـ"بناء الدولة" تؤدي إلى تكبد تكاليف سياسية ومالية وبشرية باهظة، حسبما يرى هاريسون كاس المحلل الأمريكي البارز في شؤون الدفاع والأمن القومي بمجلة ناشونال إنتريست الإمريكية.

وقال كاس في تحليل نشرته المجلة إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفذت عملية إخراج ناجحة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وأطاحت بالزعيم المستبد من السلطة، حسب قوله.

ووفقا للرئيس ترامب، تخطط الولايات المتحدة "لإدارة" فنزويلا خلال الفترة الانتقالية. ويقول كاس إن الوضع يبدو مثيرا للوهلة الأولى، وهو كذلك إلى حد ما. ومع ذلك، يعد تغيير الأنظمة أداة متكررة في السياسة الخارجية الأمريكية. وكما هو الحال في العديد من العمليات المماثلة، يتم تبرير الإطاحة بمادورو باعتبارها نجاحا في تحقيق الاستقرار وتعزيز الديمقراطية وإزالة التهديدات، وانتصارا معنويا. ومع ذلك، وفي حين أن العملية كانت ناجحة من الناحية التكتيكية، فإن تغيير الأنظمة نادرا ما يتم بسهولة، أو كما يتم الإعلان عنه من الناحية الاستراتيجية.

خلال معظم القرن الأول بعد تأسيسها، ركزت الولايات المتحدة على تنميتها الداخلية، والتوسع عبر القارة الأمريكية وتطوير صناعات متركزة في الشرق. ومع ذلك، لعب أفراد أمريكيون دورا بارزا في سياسات أمريكا الجنوبية والوسطى. فقد شهد القرن التاسع عشر ظهور "المغامرين العسكريين"، وهم جنود أمريكيون شنوا حملات عسكرية غير مصرح بها في أمريكا اللاتينية، بدعم مالي أحيانا من أمريكيين أثرياء. وكان أشهرهم ويليام ووكر، الذي سيطر لفترة وجيزة على نيكاراجوا في منتصف خمسينيات القرن التاسع عشر قبل الإطاحة به وإعدامه.

وبدأت الولايات المتحدة في الإطاحة بالحكومات مباشرة في تسعينيات القرن التاسع عشر بعدما أيدت الإطاحة بالنظام الملكي في هاواي. وتسارع هذا الاتجاه خلال الحرب الباردة، مع عمليات تغيير الأنظمة في وجواتيمالا وفيتنام الجنوبية وتشيلي.

ولم يساعد انتهاء الحرب الباردة في الحد من العمليات الأمريكية لتغيير الأنظمة، والتي استمرت في بنما وأفغانستان والعراق وليبيا. ومن خلال نحو 12 حالة، ظهر نمط واضح وهو: نجاح قصير الأجل يؤدي إلى عدم استقرار طويل الأجل.

يرى كاس أن الافتراض الأساسي وراء عمليات تغيير الأنظمة الأمريكية المتكررة يقوم على فكرة أن الإطاحة بزعيم تؤدي إلى تحسين النظام، من خلال فراغ في السلطة يملؤه أشخاص معتدلون، مع مؤسسات يمكن إعادة بنائها بسرعة. لكن هذا المنطق غالبا ما يقلل من شأن تعقيد السياسة المحلية أو الانقسامات الطائفية أو النزعة القومية، ويبالغ في تقدير قدرة أمريكا على السيطرة على ديناميكيات ما بعد الحرب.

وأشار كاس إلى أن قصر نظر عمليات تغيير الأنظمة اتضح بشكل خاص في القرن الحادي والعشرين، حيث تخلت الولايات المتحدة عن العمليات السرية أو المحدودة التي كانت تقوم بها في القرن العشرين، وتحولت إلى بناء الدولة بشكل شامل. وكانت الحرب في أفغانستان ناجحة في البداية؛ فقد كانت الإطاحة بحركة طالبان لها مبرر استراتيجي وتحظى بدعم شعبي.

وقد أعقب هذا الانتصار السريع على طالبان مجهود ضخم لبناء الدولة، تضمن جهودا لبناء المزيد من الطرق وإلحاق المزيد من الفتيات بالمدارس، ولكن بعد عقدين من الانتشار الدائم في البلاد، انسحبت الولايات المتحدة، وسرعان ما عادت طالبان إلى السلطة. وحدثت قصة مماثلة في العراق، حيث تمكنت الولايات المتحدة سريعا من الإطاحة بصدام حسين بعد غزوها عام 2003 إلا أن بناء حكومة شاملة بعد ذلك كان أكثر تعقيدا، خاصة مع لجوء فصائل مختلفة داخل العراق إلى العنف بدلا من الديمقراطية لتحقيق أهدافها السياسية.

وبعد ثمانية أعوام في العراق، انسحبت الولايات المتحدة، لتنهار الحكومة المركزية الضعيفة وسط صعود تنظيم (داعش)، مما استلزم عودة أمريكا.

وقال كاس إن العراق يتمتع اليوم باستقرار نسبي ومؤسسات شبه ديمقراطية، وقد وصف البعض الحملة الأمريكية في العراق بأنها ناجحة في نهاية المطاف بناء على هذا الأساس. لكن من الصعب القول إن التكاليف الباهظة للعملية تبرر فوائدها الضئيلة. ل قد احتفظت الولايات المتحدة بوجود عسكري في العراق لمدة 21 عاما من أصل الـ23 عاما الماضية، ولا يزال عدد محدود من القوات الأمريكية موجود في العراق لعمليات مكافحة داعش، مما يثير تساؤلات حول ما قد يحدث بعد انسحابهم للمرة الثانية.

ويرى كاس أن تكاليف تغيير الأنظمة باهظة، حيث يتكبد الجيش الأمريكي خسائر بشرية، كما يتكبد السكان المدنيون المحليون خسائر أكبر كثيرا. ويتدفق اللاجئون من الدولة المنهارة، عادة باتجاه الشمال، وهو ما يتسبب في تأثيرات متعددة على العالم الغربي. ويتم إنفاق تريليونات الدولارات وإهدار فرص لا تحصى، مما يؤدي إلى حدوث توترات في التحالفات.

ونتيجة لذلك، تتآكل مصداقية الولايات المتحدة، وغالبا ما يزداد خصومها قوة.

واختتم كاس تحليله بالقول إنه في حين أنه يبدو أن تغيير النظام في فنزويلا قد تم بسلاسة، لأنه لم يقتل أي جندي أمريكي في العملية الأولية، ولأنه تمت الإطاحة بديكتاتور يتحدى الديمقراطية، يشير التاريخ إلا أن التكلفة ستدفع لاحقا. وإذا انخرطت الولايات المتحدة في عملية بناء دولة شاملة في فنزويلا، متجاهلة دروس القرن الحادي والعشرين من العراق وأفغانستان، فقد تكون تلك التكاليف باهظة وطويلة الأمد.