العرب والعالم

كيف تدفع غزة ثمن المواجهة الصهيو أمريكي مع طهران؟

05 مارس 2026
توازنات الردع على المحك..
05 مارس 2026

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، جاءت الضربة التي نفذتها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ضد إيران؛ لتخلط أوراق المنطقة، وتعيد طرح سؤال مركزي في الساحة الفلسطينية: هل ستصمد المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة أمام عاصفة إقليمية مفتوحة على احتمالات التصعيد؟

الضربة لم تكن حدثًا عسكريًا منفصلًا، بل جاءت في سياق توتر متراكم بين تل أبيب وواشنطن من جهة وطهران جهة، وفي لحظة يعاد فيها رسم توازنات الردع في الشرق الأوسط. هذا التوقيت يكتسب حساسية مضاعفة بالنسبة لغزة، حيث ما تزال ترتيبات المرحلة الثانية قيد الاختبار السياسي والأمني.

في غزة الذي أنهكته حرب الإبادة لأكثر من عامين، يُقرأ أي تطور إقليمي من زاوية انعكاسه المباشر على المعابر، والمساعدات، وإعادة الإعمار، والانسحابات التدريجية. أما في الضفة الغربية، فتتصاعد المخاوف من استثمار الانشغال الدولي بالمواجهة مع إيران لتوسيع هامش التحرك الميداني، وتحقيق الخطط الاستيطانية المؤجلة.

المرحلة الهشة

تقوم المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار على استحقاقات حساسة تشمل إعادة انتشار عسكري، وتوسيع إدخال المساعدات، وفتح مسارات أوسع للإعمار، إضافة إلى تفاهمات أمنية لم تُحسم بالكامل. غير أن هذه البنود ما تزال عرضة للتأويل السياسي، في ظل غياب تثبيت نهائي لها.

الدكتور عبد المهدي مطاوع، المحلل السياسي الفلسطيني، يرى أن هذه المرحلة «تقف على أرض رخوة سياسيًا»، موضحًا أن أي تحوّل في البيئة الإقليمية قد يدفع إسرائيل إلى إعادة تفسير التزاماتها أو المطالبة بضمانات إضافية. ويضيف، لـ«عُمان»: «حين تتغير أولويات الأمن في الإقليم، تتغير معها أولويات التنفيذ على الأرض».

أما الدكتور ماهر صافي، الباحث في الشؤون السياسية والدولية، فيعتبر أن هشاشة هذه المرحلة تجعلها «أول المتأثرين بأي زلزال سياسي»، محذرًا من أن نقل بوصلة الاهتمام الدولي نحو المواجهة مع إيران قد يخفف الضغط المرتبط بتنفيذ بنود الاتفاق في غزة.

توقيت ملغوم

صافي يذهب أبعد من ذلك، متحدثًا عن «مؤامرة» – بحسب وصفه – بين الولايات المتحدة وإسرائيل لتصفية الأوضاع في غزة بالتوازي مع التصعيد الإقليمي. ويقول لـ«عُمان»: «حين ينشغل العالم بضربات متبادلة مع إيران، يمكن تمرير سياسات أكثر قسوة بعيدًا عن عدسات الرقابة».

ويحذر من أن الانشغال الدولي قد يفتح الباب أمام فرض وقائع ميدانية جديدة في القطاع، سواء عبر تشديد أمني أو تعطيل بعض الاستحقاقات الإنسانية.

في المقابل، يرى مطاوع أن إسرائيل قد تستثمر الزخم الإقليمي «لفرض شروط جديدة في غزة، أو تجميد بعض الترتيبات بذريعة الضرورات الأمنية». ويشير إلى أن إدارة التوقيت تمثل عنصرًا أساسيًا في الحسابات الإسرائيلية.

أما مجدي عزام، الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، فيربط بين الضربة وحسابات الردع، معتبرًا أن التوتر بين إيران والولايات المتحدة بلغ «مرحلة حرجة»، وأن إسرائيل تحاول تثبيت معادلة ردعها دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تستنزف جبهاتها.

غزة في المعادلة

بحسب عزام، فإن انعكاس التصعيد على غزة يتوقف على اتساع رقعته. ويقول لـ«عُمان»: «إذا انزلقت الأمور إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، قد ينخفض الضغط العسكري على غزة نتيجة انشغال جبهات أخرى. أما إذا بقي التصعيد محدودًا، فقد يُستخدم لتبرير تشديد القبضة داخل القطاع».

مطاوع يرى أن المرحلة الثانية قد تتحول إلى «ورقة تفاوض إضافية» في سياق إقليمي أوسع، بحيث يُربط تنفيذ بعض بنودها بسلوك أطراف خارج الساحة الفلسطينية.

أما صافي فيؤكد أن غزة «لم تعد ملفًا إنسانيًا معزولًا، بل جزءًا من شبكة توازنات»، محذرًا من تحويلها إلى ساحة رسائل متبادلة بين قوى إقليمية.

هذا التداخل يعكس واقعًا جديدًا، حيث لم تعد حدود القطاع تحصّنه من ارتدادات الصراع الإقليمي.

الضفة على الحافة

في الضفة الغربية، تتصاعد المخاوف من استثمار الانشغال الدولي لتكثيف الاقتحامات وتسريع الاستيطان. مطاوع يشير إلى أن «الهامش الميداني يتسع حين تتراجع المتابعة الدولية»، معتبرًا أن أي أزمة إقليمية كبرى تمنح إسرائيل مساحة حركة أكبر.

صافي يتحدث عن احتمال «إعادة تعريف قواعد الاشتباك» في بعض المناطق، مستندًا إلى تجارب سابقة تزامن فيها التصعيد الإقليمي مع تغيرات ميدانية في الضفة.

أما عزام فيرى أن المعادلة الأمنية الإسرائيلية تقوم على توزيع الضغط، بحيث يُفتح هامش في جبهة إذا ضاق في أخرى، ما يجعل الضفة ساحة موازنة دقيقة في ظل اضطراب إقليمي.

صدى دولي وقلق غزي

في العواصم الأوروبية، يسود قلق من انزلاق المواجهة إلى حرب أوسع، لكن الملف الفلسطيني لا يبدو أولوية عاجلة مقارنة بخطر التوسع الإقليمي. ويرى مطاوع أن الاهتمام الدولي «انتقائي ومرتبط بدرجة التهديد للمصالح الكبرى»، ما قد يضع مسار المرحلة الثانية في مرتبة ثانوية مؤقتًا.

وسط هذا المشهد، ينعكس القلق على الشارع الغزي. تقول أم محمد لـ«عُمان»: «نخاف أن تتحول الضربة إلى حرب أكبر، وأن نعود إلى ليالي النزوح». ويوضح عبدالحي فرحات لـ«عُمان» إن الناس «تعلقت بالمرحلة الثانية كفرصة لالتقاط الأنفاس»، مضيفًا: «لا نريد أن ندفع ثمن صراعات لا علاقة لنا بها».

هذا القلق يرتبط بواقع اقتصادي هش يعتمد على تدفق المساعدات وفتح المعابر، ما يجعل أي اضطراب سياسي تهديدًا مباشرًا للحياة اليومية.

ثلاثة مسارات

في ضوء المعطيات الحالية، يمكن رسم ثلاثة مسارات رئيسية لتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران على القضية الفلسطينية. الأول، احتواء إقليمي سريع عبر رسائل ردع متبادلة تبقي المواجهة ضمن سقف محدود، ما يسمح باستمرار المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار مع قدر من الحذر والبطء في التنفيذ.

المسار الثاني يتمثل في تصعيد محسوب لا يصل إلى حرب شاملة، لكنه يخلق مناخًا أمنيًا متوترًا يدفع إسرائيل إلى إعادة ترتيب أولوياتها، وربما تجميد بعض التزاماتها في غزة تحت ذريعة الضرورات الأمنية.

أما المسار الثالث، فهو الانزلاق إلى مواجهة أوسع بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، ما سيضع المنطقة أمام إعادة رسم كاملة لمعادلات الردع، وقد يحول غزة والضفة إلى ساحتي ارتداد غير مباشر لهذا الصدام.

بين هذه الاحتمالات، تبقى المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار اختبارًا حقيقيًا لصلابة التفاهمات. فالضربة لم تصب إيران وحدها، بل هزّت الإطار الهش الذي تستند إليه الهدنة في غزة، وجعلت مصيرها مرتبطًا أكثر من أي وقت مضى برياح الإقليم المتقلبة.