No Image
العرب والعالم

كيف تبدّلت مبررات ترامب للحرب على إيران؟

07 مارس 2026
07 مارس 2026

"عُمان": تحتاج الحروب الكبرى لتفسيرات مقنعة حتى وهي تحقق نتائج جيدة في ساحات القتال. تستطيع القوة العسكرية أن تطلق القنابل والصواريخ لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنح الحرب معناها السياسي. في حالة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تبدو المشكلة الأساسية أن هذا المعنى تغير مرارا خلال وقت قصير، حتى بات من الصعب تحديد ما الذي تحاول واشنطن تحقيقه بالضبط.

تنقل الخطاب الرسمي منذ الأيام الأولى للحرب بين عدة تفسيرات. كانت البداية مع الحديث عن ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي. ثم ظهر خطاب آخر يتحدث عن حماية القوات الأمريكية من تهديدات وشيكة. وبعد ذلك قُدمت الحرب باعتبارها فرصة لتحرير الإيرانيين من نظامهم. ولم تمض أيام حتى ارتفعت اللغة إلى مستوى مختلف: الحديث عن استسلام غير مشروط، وعن "إيران جديدة" وقيادة جديدة متكاملة.

يحدد تعريف الهدف في الحروب طبيعة الحرب نفسها. يعني منع برنامج نووي "حملة" محدودة تستهدف قدرات محددة. ويشير هدف حماية القوات الأمريكية إلى عمل ردعي أو وقائي. أما تغيير النظام أو إعادة تشكيل إيران سياسيا فهذا مشروع مختلف تماما، يحمل في طياته حربا أطول وأوسع وأكثر تعقيدا. وعندما تجتمع هذه الأهداف كلها في خطاب واحد، يصبح من الصعب فهم ما إذا كانت واشنطن تخوض حرب ردع محدودة أم مغامرة استراتيجية أوسع.

تطور الخطاب خلال الحروب أمر مفهوم جدا، لكن المشكلة التي ينطوي عليها خطاب واشنطن الذي يقرأ من تصريحات الرئيس ترامب أن معظهم المبررات التي يسوقها بدت وكأنها متنافسة أكثر منها متكاملة. فكل تفسير جديد بدا وكأنه يقلل من أهمية التفسير السابق. وإذا كان الخطر النووي هو السبب الرئيسي، فلماذا يتحول الخطاب سريعا إلى الحديث عن مستقبل سياسي مختلف لإيران؟ وإذا كان الهدف هو الدفاع عن القوات الأمريكية، فلماذا يظهر في الوقت نفسه حديث عن إعادة تشكيل المنطقة؟

في مثل هذه الحالات، تبدأ الوسائل العسكرية بالتمدد لتعويض غموض الهدف. فالحرب التي لا تعرف نهايتها تميل إلى توسيع نطاقها تدريجيا. استهدفت الضربات الأولى المرشد الإيراني ومجموعة من كبار القادة العسكريين والاستراتيجيين ومنشآت عسكرية ومدنية. لكن الحرب لم تقف عند هذا الحد حيث تحولت وتيرة الاستهداف لتشمل بنى أساسية ومؤسسات مدنية مرتبطة بالدولة وما تقدمه من خدمات صحية وتعليمية. ومع كل توسع جديد، يصبح السؤال عن الهدف السياسي أكثر إلحاحا.

هناك مفارقة واضحة في خطاب ترامب. فهو يريد أن يقدم الحرب باعتبارها ضرورة أمنية محدودة، لكنه يتحدث عنها أحيانا بلغة الانتصار الكامل. يريد أن تبدو عملية لإزالة تهديد، لكنه يفتح الباب أمام أسئلة تتعلق بمن سيحكم إيران بعد ذلك. هذا التوسع في اللغة لا يضيف وضوحا بقدر ما يضيف غموضا. والحروب تقاس بقدرتها في الحفاظ على خط منطقي واحد يربط البداية بالنهاية.

التناقض يظهر أيضا عند مقارنة الخطاب السياسي بالواقع الميداني. ففي الوقت الذي يتحدث فيه البيت الأبيض عن مستقبل مختلف للعلاقة مع إيران، تتراكم صور الدمار والضحايا المدنيين. في الضربة الأولى استهدفت الحرب مدرسة للبنات بصواريخ كروز ما أدى إلى مقتل 165 طالبة ومعلمة. ومهما حاولت أمريكا التشكيك في الأرقام أو أن الضربة كانت موجهة لهدف عسكري فإن الرأي العام الإيراني والإسلامي لا يمكن أن ينسى هذا المشهد، وفي الثقافة الإيراني يحتاج ما حدث في المدرسة إلى مستوى كبير من "الانتقام" ما يعني أن الحرب تنشر بذورا لصراع طويل لا ينتهي.

يقرأ المجتمع الإيراني الحرب بما يشاهده منها على الأرض، وبما تتركه في نفسه من غصة ومآسي، وهو غير معني بالمبررات التي يسمعها في المؤتمرات الصحفية الأمريكية والإسرائيلية إن كانت الحرب تسمح له بمثل هذا السماع. المجتمع معني بصور الأطفال وبمقدرات الدولة والمجتمع التي تحولت إلى ركام.. هذا ما يترك في نفسه أثر يدوم لا البيانات الرسمية، ولهذا يصبح الحديث عن "علاقة جديدة" مع إيران أمرا معقدا عندما يأتي مصحوبا بصور القصف والخسائر البشرية.

تقدم التجربة الأمريكية في الشرق الأوسط دروسا واضحة في هذا المجال. في العراق وأفغانستان، لم يكن إسقاط النظام يعني بالضرورة إنتاج شرعية جديدة أو استقرار سياسي. بل إن الضربات العسكرية كثيرا ما أدت إلى نتائج معاكسة، إذ ساهمت في تعزيز نزعة دينية راديكالية موجهة ضد الآخر حتى لو كان الآخر ينتمي إلى نفس الأيديولوجيا ولكنه يميل إلى الاعتداد كما حدث في تجربة "داعش" على سبيل المثال. الأمر نفسه يعزز بناء نزعة وطنية في مواجهة الخارج، حتى لدى قطاعات كانت تعارض حكوماتها في الأصل.

وكل هذه الاحتمالات ممكنة في إيران فيما لو حققت أمريكا وإسرائيل توجهاتهما المعلنة. والمجتمع الإيراني ليس كتلة سياسية واحدة، هناك خلافات داخلية عميقة حول النظام السياسي والاقتصاد والحريات. لكن الحروب الخارجية غالبا ما تغير معادلة الصراع الداخلي؛ فحين يشعر مجتمع ما أنه يتعرض لهجوم خارجي، تميل الخلافات الداخلية إلى التراجع مؤقتا أمام شعور وطني أوسع يتعلق بالسيادة والكرامة.

بهذا المعنى، قد تحقق الحرب بعض أهدافها التكتيكية، لكنها قد تخلق في الوقت نفسه نتائج سياسية معاكسة على المدى الطويل. فالذاكرة الجماعية للشعوب لا تتشكل فقط من خلال الأنظمة الحاكمة، بل من خلال التجارب التي تمر بها المجتمعات في أوقات الأزمات. وكلما ارتفع عدد الضحايا المدنيين، تعمق الشعور بأن الحرب تستهدف المجتمع لا السلطة فقط، وهذا ما يحدث في إيران حيث تستهدف الضربات الأمريكية والإسرائيلية المجتمع الإيراني أكثر مما تستهدف النظام. ومن غير المعروف كم كانت نسبة الذين يختلفون مع النظام في إيران، والمظاهرات ليست مقياسا، فمن يطالب بإصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية لا يعني بالضرورة أنه يريد تغيير النظام! خاصة وأن فكرة تغيير النظام كما تطرحها أمريكا لا تعني تغيير الأشخاص وإنما تغيير الفكرة التي طرحتها ثورة 1979 من أساسها وبناء فكرة جديدة بمعطيات جديدة.

هناك أيضا سؤال يتعلق بطبيعة الدولة نفسها؛ فضرب منشآت الدولة لا يعني فقط الضغط على النظام الحاكم.. في المجتمعات الحديثة، الدولة تمثل أيضا الإطار المؤسسي الذي تنتظم داخله الحياة العامة. وعندما تتعرض هذه المؤسسات للتدمير، فإن النتائج قد تتجاوز الهدف العسكري لتفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر فوضوية.

وهنا تعود المخاوف القديمة التي رافقت تدخلات أمريكية سابقة في المنطقة. هل الهدف هو ردع إيران أم إنهاكها؟ هل المقصود إزالة تهديد محدد أم إضعاف دولة كاملة؟ وإذا كان الهدف بالفعل هو "إيران جديدة"، فما هو التصور الواقعي لما قد يأتي بعد ذلك؟

الخطاب السياسي في واشنطن يبدو أحيانا وكأنه يفترض أن الحرب يمكن أن تكون شديدة بما يكفي لكسر النظام، ولكن محدودة بما يكفي لفتح صفحة جديدة مع المجتمع. غير أن التجربة التاريخية تشير إلى أن هذين الهدفين لا يجتمعان بسهولة. فالعلاقة بين الدول لا تُبنى فقط على التوازنات العسكرية، بل أيضا على الذاكرة السياسية والاجتماعية التي تتركها الحروب.

وهذا ما يجعل السؤال الأهم لا يكمن في نتائج الحرب العسكرية بقدر ما يكمن في نتائجها النفسية والسياسية. كيف ستؤثر هذه الحرب في نظرة الإيرانيين إلى الولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة؟ وهل ستفتح الباب فعلا أمام علاقة مختلفة، أم أنها ستضيف طبقة جديدة إلى تاريخ طويل من الشك والعداء؟ الأمر يتعلق أيضا بجيرانها. فالاعتقاد السائد لدى القيادة الإيرانية ولدى شرائح واسعة من المجتمع الإيراني أن جيران إيران يساهمون في جزء كبير من مأساتها. والجيران لا يتغيرون حتى لو تغير النظام الداخلي لإيران وبذلك ستبقى نظرة المجتمع الإيراني ملتبسة مع جيرانهم.

في النهاية، المشكلة الأساسية في خطاب الحرب الحالي ليست في تعدد المبررات فقط، إنما في غياب إطار واضح يجمعها. فالحروب التي تنجح سياسيا عادة ما تبدأ بهدف محدد وتنتهي بنتيجة يمكن تفسيرها على ضوء ذلك الهدف. أما الحروب التي تتغير أهدافها أثناء سيرها، فغالبا ما تجد نفسها أمام نتائج لم تكن جزءا من الحسابات الأصلية.

قد تحقق الحرب الأمريكية الإيرانية بعض أهدافها التي تقول إنها تكتيكية أو استراتيجية، وربما تضعف بعض قدرات إيران العسكرية أو النووية لكن العبرة في النهاية في هذه الحرب بما ستتركه بعد انتهائها، سواء على الأرض أم منغرسة في نفوس المجتمع الإيراني. وإذا انتهت هذه الحرب بإيران أكثر غضبا، ومجتمعها أكثر تشككا في الولايات المتحدة، فإن الحديث عن "علاقة جديدة" قد يبدو بعد سنوات قليلة مجرد مفارقة تاريخية أخرى في سجل الصراعات بين البلدين.