No Image
العرب والعالم

كيف أضاعت واشنطن بوصلتها في حرب إيران ؟

29 مارس 2026
29 مارس 2026

ريتشاردك بيتس وستيفن بيدل -

خلافا للحملة الدعائية الفظة التي أطلقتها إدارة ترامب في الأيام الأولى من الهجوم على إيران، فإن الحرب ليست فيلما ولا لعبة فيديو. فالشروع في حرب هو قرار بقتل أناس حقيقيين، وتدمير الممتلكات، وتحويل موارد محدودة بعيدا عن أولويات أخرى. ولكي تكون هذه الكلفة الأخلاقية والمادية مقبولة، لا بد أن تكون من أجل غاية جديرة بذلك. غير أن أي غاية، مهما بدت وجيهة، لا تكفي وحدها ما لم تقترن باستراتيجية قادرة على تحقيقها بكلفة مقبولة. والاستراتيجية، ببساطة، هي الخطة التي يُفترض أن تفضي من خلالها القوة العسكرية إلى النتيجة السياسية المنشودة. والحرب على إيران تفتقر إلى ذلك.

ومن المخاطر الشائعة في الحروب ما يُعرف بانزياح الأهداف، حين تفضي المتطلبات التكتيكية لعمليات قتالية معقدة إلى تحقيق أهداف عسكرية مباشرة، من دون أن تخدم الغرض الاستراتيجي والسياسي الأعلى. وكثيرا ما يفترض قادة سياسيون أن إلحاق دمار ساحق بالعدو عسكريا يساوي بالضرورة نجاحا استراتيجيا. وإذا كان ثمة ما يمكن أن يبرر الحرب الحالية، فلا بد أن تكون الغاية والاستراتيجية في الحالة الإيرانية منسجمتين على نحو واضح.

ولأجل النقاش، يمكن تعليق السؤال السياسي والأخلاقي الجوهري المتعلق بشرعية بدء هذه الحرب. فحتى الحروب المشروعة ينبغي أن تُخاض على نحو سليم، وهذا يقتضي مواءمة الوسائل مع الغايات. والسؤال الملح هنا: هل نجحت الإدارة في ذلك، أم أن إدارتها للحرب متخبطة واعتباطية وتفضي إلى نتائج عكسية، كما يرى منتقدوها؟

القضاء على التهديد العنيف

أما الغاية المعلنة من بدء الحرب فكانت القضاء على التهديد العنيف الذي تمثله الجمهورية الإسلامية الإيرانية للمصالح الأمريكية. وقد وُجهت إلى إدارة ترامب انتقادات بسبب ارتباكها الاستراتيجي، لأنها أعلنت أهدافا متعددة قالت إنها تخدم هذه الغاية: حرمان طهران من خيار تطوير سلاح نووي، وتدمير قواتها الصاروخية والبحرية، وإسقاط النظام. غير أن المدافع عن الإدارة قد يقول إن هذه ليست أهدافا بديلة، بل أهداف متكاملة، وإن الاستراتيجية تقوم على السعي إلى تحقيقها جميعا، ضمن طيف يمتد من الحد الأقصى إلى الحد الأدنى من الطموح. فالنتيجة القصوى تتمثل في حل "مشكلة إيران" إلى حد كبير أو بالكامل عبر تغيير النظام. أما إذا تعذر ذلك، فإن الهدف الأدنى سيكون إدارة المشكلة من خلال شلّ إيران لبعض الوقت، ثم إحياء الحرب دوريا كلما اقتضى الأمر لكبح أي تهديدات قد تتجدد. ويُعرف هذا الخيار الاحتياطي القائم على تجديد الحرب على فترات بمصطلح "جزّ العشب".

يبدو الهدف الأقصى المتمثل في تغيير النظام بترتيب أمريكي هدفا غير قابل للتصديق. فالهجوم الأمريكي لم يفشل فقط في إنتاج انتفاضة شعبية، بل إن ما حدث على العكس أنه أفضى إلى حكومة إيرانية أشد عداء وأكثر اندفاعا من تلك التي جرى قطع رأسها. فماذا عن الهدف الأدنى إذن؟ مرة أخرى، لنضع جانبا الكلفة الأخلاقية والاقتصادية الكبيرة. إن تحطيم إيران لن يخفّض بما يكفي قدرتها على الإضرار بالمصالح الأمريكية، ولا دافعها إلى ذلك أيضا، وهو ما يتجاهله المحللون كثيرا. بل إن هذا المسار لا يفعل سوى إزاحة الغاية الحقيقية عبر المبالغة في قيمة نجاح تكتيكي مؤقت، مع تغذية تصميم إيران على الرد والقتال.

قول يكتنفه كثير من الشك

أما القول إن هدف الحرب يمكن أن يتحقق فورا وبكلفة مقبولة، فهو قول يكتنفه كثير من الشك. ولنتجاهل هنا مسألة ما إذا كان قتل آلاف المدنيين وما لا يقل عن 13 عسكريا أمريكيا، فضلا عن إرباك إمدادات الطاقة العالمية، ثمنا يستحق الدفع. صحيح أن القصف الواسع أضعف قدرات إيران بصورة كبيرة، لكن السؤال هو: ما مقدار الإضعاف الكافي للقضاء على التهديدات النووية والصاروخية الإيرانية، لا لتحفيزها؟ من حيث المبدأ، يمكن لاتفاق قابل للتحقق أن يحقق ذلك إذا وجدت إيران أن شروطه مجزية بما يكفي. لكن إذا كانت الإدارة تسعى فعلا إلى مثل هذا الاتفاق، فإن قتل شركائها في التفاوض، وتقويض صدقية التفاوض الأمريكية عبر التنصل من اتفاق سابق وشن هجومين مباغتين أثناء استمرار المحادثات، كما فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا يبدو الطريق الطبيعي إلى ذلك.

ومن دون اتفاق، فإن البديل القائم على القوة المجردة يقتضي غزو إيران واحتلالها، لضمان ألا تتمكن طهران من الحفاظ على مكونات تخصيب اليورانيوم وتطوير السلاح وإخفائها، أو إعادة بناء قواتها التقليدية. لكن غزوا واحتلالا من هذا النوع غير ممكن عمليا؛ فإيران أكبر من العراق عدة مرات من حيث المساحة وعدد السكان. ثم إن أحدا، ولا حتى ترامب، لا يريد تكرار خطأ غزو العراق. وثمة بديلان محتملان: أولهما "جزّ العشب" بين حين وآخر، وثانيهما تسوية تفاوضية. غير أن الخيار الأول غير عملي، والثاني غير مرجح، ما يترك الولايات المتحدة أمام خيارات قليلة في حرب تتصاعد تدريجيًا، وفي مواجهة خصم مرير يتقد بالثأر.

مخاطر عالية بلا عائد

إن الفائدة المتوخاة من العودة إلى الحرب على فترات تتمثل في كبح تعافي إيران العسكري وإعادة بناء قدراتها النووية. لكن من دون عمليات تفتيش ميدانية واسعة النطاق، سيبقى السؤال قائما في كل مرة: إلى أي مدى كان هذا الكبح فعالا؟ ففي يونيو 2025 أعلن ترامب أن البرنامج النووي الإيراني قد "أُبيد تماما"، ثم عاد بعد أقل من عام ليقرر أنه ينبغي ضربه مرة أخرى. ولن يكون مفاجئا على الإطلاق أن يُطرح مجددا، بعد انقشاع غبار الحرب الحالية، السؤال نفسه عن عجز الحرب الوقائية عن تحقيق غايتها. إن إبقاء التهديد الإيراني تحت السيطرة هو، في حقيقته، استراتيجية مفتوحة الأجل. فدوافع إيران إلى الإبقاء على خيار نووي ما تتنافس مع دوافع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إغلاق هذا الخيار. ومن المرجح أن إيران تنظر إلى دوافعها بوصفها دوافع وجودية، ولا سيما في ظل الطموح المعلن للحرب إلى تغيير النظام، وعمليات الاغتيال التي استهدفت قادتها. والسؤال هو: أي الطرفين يمتلك دوافع أكبر لتحمل كلفة حرب متكررة إلى ما لا نهاية؟

كل جولة من هذا "الجزّ" ستعتمد على معرفة واثقة بمواقع البنية التحتية النووية، ومنشآت إنتاج السلاح، وغيرها من مكونات القدرة الهجومية الإيرانية، وبمدى قابليتها للاستهداف. وقد توحي الاختراقات الاستخبارية المذهلة التي حققتها إسرائيل والولايات المتحدة، والتي أتاحت القتل المنسق لعشرات القادة والعلماء الإيرانيين في كل من يونيو 2025 ومارس 2026، بأن ذلك ممكن. لكن لا يمكن افتراض توافر هذه المعرفة الشاملة والدقيقة على نحو موثوق في المستقبل. وفي الوقت نفسه، فإن النجاح في تقويض قدرات إيران يدفعها إلى تحسين دفاعاتها ويؤجج نزعاتها القومية إلى الانتقام. والجمع بين قدرات تضررت ولكنها لم تختفِ، ودافع ملتهب إلى استخدامها، لا يمكن اعتباره نجاحا للاستراتيجية الأمريكية.

وعلى المدى القصير، تشجع العمليات الأمريكية تصاعد التطرف، فالنظام الإيراني المثخن بالمرارة قد يحاول، على سبيل المثال، أن يرد بالمثل على ما ألحقته إسرائيل والولايات المتحدة بقيادته العليا من تدمير في الضربة الافتتاحية، من خلال استهداف مسؤولين أمريكيين من المستويات المتوسطة إلى العليا بالقتل، في أوقات وأماكن تختارها إيران. ومثل هذا الرد من شأنه أن يثير غضب الأمريكيين، وأن يدفع الولايات المتحدة، على الأرجح، إلى تصعيد الحرب إلى مستوى أشد ضراوة. وعلى المدى الطويل، فإن "الجزّ" المتقطع سيدفع إيران إلى التكيف مع هذه الهجمات، عبر تحسين وسائل الإخفاء ونشر الأصول الهجومية. وفي المحصلة، قد تقود هذه الدوامة التصعيدية المتكررة، في نهاية المطاف، إلى شيء يشبه هجمات حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023.

تطوير أسلحة نووية متقدمة

قد يمنع "جزّ العشب" إيران من استعادة قدرتها على تطوير أسلحة نووية متقدمة، لكنه لا يستطيع أن يمنع بيقين احتفاظها بما يكفي لصنع عدد محدود من الأسلحة البدائية وإخفاء ذلك. ومع أن الأسلحة النووية الأقل تطورا لا تبدو، في الظروف العادية، استثمارا مغريا لطهران، فإنها قد تصبح أكثر جاذبية، بعد أن يكون قد تعرض مرارا للإهانة والاستفزاز من هجمات أعدائه.

وبالنسبة إلى إسرائيل، قد تكون المكاسب المحدودة والكلفة العالية لهذا "الجزّ" الدوري مقبولة إذا كان التهديد الإيراني يمس فعلا بقاء الدولة. أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فالمخاطر ليست بهذا المستوى. فالتركيز على إيران يصرف واشنطن عن تهديدات قد تكون أعلى أهمية: الغزو الروسي لأوكرانيا، أو احتمال اجتياح صيني لتايوان، أو نزعات المغامرة لدى كوريا الشمالية. ويقدم قرار ترامب الصادم تعليق العقوبات على روسيا من أجل زيادة إمدادات النفط إلى السوق العالمية المثال الأكثر مباشرة على ذلك. كما أن استمرار انشغال الولايات المتحدة بإيران يدعو الصين إلى التساؤل عما إذا كانت هناك نافذة فرصة للتحرك ضد إقليمها المتمرد، في حين أن نظام بيونغ يانغ لا يقل تهورا وجنونا عن نظام طهران، مع فارق أنه يمتلك سلاحا نوويا بالفعل.

وإذا كانت فائدة الانخراط في صراع مفتوح مع إيران إلى أجل غير محدد محدودة، فالمفترض أن تكون كلفته محدودة أيضا. لكنها ليست كذلك. ففي أسابيعه الأولى فقط، كلّفت الحرب مليارات عديدة من الدولارات كنفقات مباشرة، وأضعفت الدعم المقدم لأوكرانيا، وفرضت ضغوطا خطيرة على مخزونات الولايات المتحدة من أكثر أسلحتها تطورا، وأحدثت صدمة في الاقتصاد العالمي.

منهك، لكنه لم يُهزم

من حيث المبدأ، يمكن لاتفاق تفاوضي أن يشكل مخرجا من حرب مفتوحة إلى أجل غير محدد. و"التفاوضي" هنا يعني اتفاقا حقيقيا يقوم على الأخذ والعطاء، لا مجرد فرض شروط على خصم مطروح أرضا. غير أن الأمل في اتفاق واقعي يظل، في أفضل الأحوال، احتمالا بعيدا. فقد كان هناك اتفاق بالفعل، هو خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015، وكانت إيران ملتزمة به إلى أن أطاح به ترامب في 2018. فهل سيكون أي اتفاق جديد أفضل إلى هذا الحد بحيث يبرر كل هذا الدمار الذي خلّفته الحرب؟ وهل يترك إلغاء ترامب لاتفاق تفاوضت عليه إدارة أوباما لطهران أي سبب يدعوها إلى الوثوق باتفاق جديد؟ ثم إن الولايات المتحدة باغتت إيران بالهجوم مرتين، في يونيو 2025 ثم في فبراير 2026، بينما كانت المفاوضات لا تزال جارية. وتضمنت العملية الثانية اغتيالا متعمدا لقيادة الحكومة الإيرانية. وهذه السوابق لا تمنح طهران أي سبب يدفعها إلى أخذ الدبلوماسية الأمريكية على محمل الجد.

وأمام النتائج الناقصة التي أفضت إليها الحرب حتى الآن، يستطيع ترامب ببساطة أن يعلن النصر ويمضي، مع إبقاء خيار "جزّ العشب" مطروحا. غير أن الكلفة التي دُفعت وتحمّلها الجميع، دما ومالا، تجاوزت بالفعل ما يمكن أن تحققه استراتيجية الحد الأدنى من فوائد. فالتهديد الإيراني، سواء كان حقيقيا أو جرى تضخيمه، قد تراجع لكنه لم يختفِ. لقد انخفض من حيث الشدة، أي من حيث حجم العنف واسع النطاق الذي تستطيع طهران استخدامه، لكنه ازداد على الأرجح من حيث الاحتمال؛ بمعنى أن إضعاف قدرات إيران ترافق مع تغذية دوافعها إلى استخدام ما بقي لديها من قوى أضعف لكنها ما تزال خطرة، في الرد والانتقام.

وكان إطلاق حرب وقائية قرارا سيئا منذ البداية. فقد قوض ما تبقى للولايات المتحدة، في عهد ترامب، من ادعاء بالقيادة الأخلاقية في العالم. وأظهر للدول الأخرى أن التعويل على القوة الأمريكية، في ظل نزعة أمريكية إلى المغامرة، يتركها عرضة لاضطرابات اقتصادية جسيمة. كما ربط المصالح القومية الأمريكية بمصالح إسرائيل، مع أن الفارق بينهما قائم في النوع والدرجة. وترك الشعب الإيراني وحده يدفع الثمن، بعدما ثبت خواء وعود ترامب بأن "المساعدة في الطريق".

ولا تعترف إدارة ترامب بأنها تدرك هذه الأكلاف أو تكترث بها. وحتى إذا وُضعت هذه الاعتبارات جانبا، فإن الحرب لم تحقق غاية الإدارة بكلفة مقبولة على أي حال. لقد جرى إزاحة الأهداف الأمريكية عن مسارها. ولا يكاد يوجد ما يدل على أن ترامب نظر أصلا إلى ما بعد الغاية المعلنة، ليفكر في سؤال الاستراتيجية اللازمة لتحقيقها في مواجهة الردود الإيرانية المتوقعة. فقد دأب وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث على التباهي، بحماسة جوفاء، بالقوة التكتيكية الساحقة للجيش الأمريكي، متجاهلا ما قد تتركه من آثار مرجحة في نيات إيران وقدراتها المتبقية. أما ترامب نفسه، فقد تحدث بخفة عن إسقاط النظام، من دون أي إشارة إلى أنه فحص فعلا أي استراتيجية يمكن أن تفضي إلى ذلك. وهكذا، فإن الكلفة الإنسانية والاقتصادية الهائلة للحرب، إلى جانب سذاجة الاستراتيجية المعتمدة لتحقيق أهدافها القصوى أو الدنيا، تترك الولايات المتحدة أمام احتمال إدارة مشهد ما بعد الحرب بما قد لا يقل إشكالا عن المشهد الذي سبقها.