قرية "تل" الفلسطينية.. تتوجّع وتقاوم
خيّم الحزن ثقيلاً على قرية تل الفلسطينية، الغافية في حضن "جبل النار" جنوب مدينة نابلس، بعد استشهاد أربعة من أبنائها، في صباح دام، وحتى حجارة المنازل، وأشجار التين التي تشتهر بها القرية، بدت باكية وحزينة، وكل شيء بدا مكلل بالدموع.
كيف لقرية وادعة وجميلة، أن تستيقظ على خبر استشهاد أربعة من خيرة شبابها؟.. وكيف لعائلة رمضان أن يُطفأ فيها هذا القدر من النور بلحظة جنون احتلالي واحدة؟.. كيف لأمهات تل أن يودّعن فلذات أكبادهن؟.. ولأطفال شهداء المجزرة الرهيبة أن يحملوا وجعاً يفوق قدرة قلوبهم الغضة؟.. وأن يكبروا وهم يبحثون عن ملامح الآباء بين الوجوه؟.. كيف لأخوات الشهداء أن يعتدن غياب السند، ويفتقدن الضحكات والأفراح والليالي الملاح؟.. وكيف لزوجاتهم أن يكملن ما تبقى من رحلة العمر، بعد رحيل رفاق الدرب؟.
لقد رحل الشهداء الأربعة، إبراهيم وجواد وعمران وفاروق، وجميعهم من عائلة واحدة (شقيقان وإبني عم) وتركوا خلفهم قلوباً مكسورة، أوجعها الفقد الجلل، وبيوتاً يهاجمها غربان المستوطنين، يلفها الصمت، ولا تجف فيها الدموع.. الجرح غائر في جسد قرية تل ولن يندمل، وسيبقى يوم 24 يونيو محفوراً في ذاكرتهم.
في منازل الشهداء الأربعة، التي داهمها جيش الاحتلال المدجج بالقتل، كان الصمت الرهيب وملامح الوجوه تشي بحجم الوجع، الذي خلفه رحيل الشهداء، غير أن ثقل الأحزان لم تُخرج ما في الصدور، عن الأوضاع التي تعيشها قرية تل، والتي تجعل من المجزرة الوحشية، جزءاً من سياق عام يجمع الشعب الفلسطيني في مصير واحد مشترك، ومفخرة وطنية، بضرورة وأهمية الانتقام من غلاة المستوطنين القتلة.
وكما كل أهالي قرية تل، بدت طفلة الشهيد فاروق رمضان متفهمة لدوافع والدها، رغم حزنها الشديد على رحيله، وقالت بكلمات بدت كأنها تفوق عمرها: "لقد ودّعت والدي الشهيد بما يليق به، وزغردت له وهو يلتف بالعلم الفلسطيني، نعم أنا حزينة لفراقه، لكن الشهداء لا يخلفون وراءهم الحزن فقط.. هنالك أشياء أخرى تدعو للفخر والاعتزاز بهم".
يتفهمون الدوافع
"قلبي حزين، ويسحقني الوجع، لكنني أتفهم دوافع الشهيد فاروق رمضان، التي قادته إلى هذا المصير، وهو الانتقام لأهالي قريته، ومن ثم الارتقاء شهيداً" قال (أبو محمـد) الذي اكتفى بذكر كنيته، مبيناً أن الشهيد فاروق، كان يحتج على عربدة المستوطنين، التي تجعل من كل فلسطيني مقاتل وشهيد، فهو بسلاحهم أذاقهم من نفس الكأس، قبل أن يرتقي شهيداً، وكأن لسال حاله يقول لهم: "نموت أحراراً، ولكن هيهات منا الذلة".
أضاف في حديث لـ"عُمان" من القرية المحاصرة: "هجوم المستوطنين على قرية تل بدأ بمحاولة طرد الأهالي من أراضيهم، وما زالوا يشنون هجماتهم على القرية، وينكلون بالأهالي بكل الأشكال، وما يجري في تل لا يختلف كثيراً عما يجري في مختلف القرى الفلسطينية، فالمستوطنات أخذت تضيق الخناق على السكان من كل الجهات، وتجعل من حياتنا جحيماً لا يطاق".
وبدت كلمات محمـد الصيفي، بليغة في التعبير عن الحالة، التي دفعت الشهيد فاروق رمضان لخطف بندقية جندي إسرائيلي، وترك تفكيره بحياته ومستقبل عائلته جانباً، والمضي بعيداً في التصدي لإرهاب الجنود والمستوطنين، فقتل منهم اثنين، وارتقى شهيداً.
كلام الصيفي تحول إلى ما يشبه الانفجار، عندما دوّت كلماته "لقد أهدى الشهيد فاروق رمضان إلى جماهير شعبنا، رأسي جنديين، أحدهما جندي بزي مستوطن، ومعروف لأهالي قرية تل والقرى المجاورة، وكان يمارس البلطجة والعربدة والسطو عند مداهمة منازل المواطنين، ويسرق ما تقع عليه يداه.. لقد أراح المنطقة من شرور أفعاله".
صدى صوت الصيفي، انعكس على ألسنة الأهالي وتعابير الغضب في وجوههم، إذ راح كل واحد منهم يروي حادثة مكملة للأخرى عن عربدة القتيل "بنياهو ميليت" من مستوطنة "حفات جلعاد، الجاثمة على أراضي القرية.
على مرمى حجر
لا تتوقف اعتداءات المستوطنين على أراضي ومنازل وممتلكات قرية تل، فمستوطنو "حفات جلعاد" و"يتسهار" يلاحقونهم ليل نهار، يصادرون مواشيهم، ويحرقون مركباتهم، ويقتلعون أشجارهم، ويطلقون النار عليهم، ولكل واحد منهم قصته مع هؤلاء، الذين أدمنوا التسلل إلى القرية، كي يعيثوا فيها خراباً وحرقاً وتدميراً.
"الناس بدها تقاوم غصب عنها" هكذا عبّر أحد أقارب الشهداء الأربعة (لم يشأ الكشف عن اسمه) متسائلاً: "أليس من حقنا أن نعيش على أرضنا وفي منازلنا، بأمن وسلام مثل باقي شعوب الأرض"؟.. وهنا تدخل آخر ليقول: "أي سلام وقطعان المستوطنين يستبيحون قرانا وبيوتنا صباح مساء"؟.. "والله حتى أصغر طفل في قرية تل لا يمكن أن يقتنع بسلام كهذا".
وعلى مرمى حجر، تجثم مستوطنة "حفات جلعاد" على أراضي قرية تل، ولا تبعد عنها سوى كيلو متر ونصف فقط، وما يتعرض له أهالي تل من اعتداءات غلاة المستوطنين، يتعرض لمثله أهالي صرّة وجيت وعوريف ومادما وعصيرة القبلية، وغيرها من القرى المجاورة.
"ما يفعله المستوطنون بنا، لا يخلف سوى الغضب ورد الفعل، والاستعداد الدائم للتصدي والمواجهة" قال أحد الشبان الغاضبين، مبيناً أن المستوطنين في المنطقة، يسعون للسيطرة على كل أراضي وممتلكات المواطنين، لإجبارهم على ترك منازلهم والرحيل.
مع هبوط الليل، كانت قرية تل تئن تحت وطأة هجوم صاخب للمستوطنين، بينما كانت آليات الاحتلال تقتحم القرية، وتطلق النار باتجاه المنازل بشكل عشوائي، فيما أهالي تل انغمسوا في مداواة جراحهم، وتشييع شهدائهم تحت حراب جنود الاحتلال، وألسنتهم تلهج: "أسعدونا في تصديهم، وأبكونا على رحيلهم".
