No Image
العرب والعالم

غزة في الظل.. حين تُغطي الحروب الإقليمية على مأساة الأيتام

21 مارس 2026
21 مارس 2026

د.حكمت المصري -

عشرات آلاف الأطفال يفقدون آباءهم في قطاع غزة، بينما تتراجع قضيتهم إنسانيًا وإعلاميًا مع تصاعد التوترات الإقليمية وانشغال العالم بصراعات أوسع.

في غزة، لم يُقاس رمضان الذي أوشك على الانتهاء بعدد ساعات الصيام، بل بعدد المقاعد الفارغة على موائد الإفطار.

بين الخيام الممتدة فوق أراضٍ موحلة، وداخل مدارس تحولت إلى مراكز إيواء، يجلس آلاف الأطفال بقلوب مثقلة بالفقد، بعد أن خطفت الحرب آباءهم، تاركةً خلفها جيلًا يواجه الحياة مبكرًا.

ورغم اتساع هذه المأساة، إلا أنها تتراجع في سلم الاهتمام الدولي، مع تصاعد الحروب والتوترات الإقليمية التي أعادت توجيه بوصلة العالم نحو صراعات أخرى، بينما تستمر الكارثة الإنسانية داخل قطاع غزة في التفاقم يومًا بعد يوم. هنا، لا يعرف الأطفال شيئًا عن خرائط السياسة أو حسابات النفوذ، لكنهم يعرفون جيدًا معنى أن ينتظروا صوتًا لن يعود، وأن يفطروا على غيابٍ دائم.

رمضان بلا آباء، موائد كانت ناقصة في غزة في غزة، لم يأتِ رمضان كما كان من قبل لم تسبقه زينة تُعلّق على أبواب البيوت، ولا ضحكات آباء يحملون أكياس التمر والقطايف.

جلس آلاف الأطفال فيه أمام موائد إفطار ناقصة من الأب. ولم يعد الغياب تفصيلًا عابرًا، بل أصبح واقعًا يوميًا يتكرر في كل خيمة، وعلى كل مائدة.

طفولة تحت القماش

في مخيمات النزوح، حيث الخيام المتلاصقة، تنام العائلات على فرشات رقيقة تفصل بينها أغطية مهترئة. الماء شحيح، الحمّامات مشتركة، والخصوصية شبه معدومة. الطفل الذي كان يعود من المدرسة ليجد والده في انتظاره، صار يعود من طابور الماء ليجد أمه تبكي بصمت. بعض الأطفال تحمّلوا مسؤوليات تفوق أعمارهم كإحضار الماء، الوقوف في طوابير المساعدات، ورعاية إخوتهم الصغار.

في هذه الخيام، لم يُقاس رمضان بعدد الأطباق بل بعدد الغائبين

شهادات من قلب الفقد وحكايات لم تُختصر محمد أحمد (12 عامًا): "صرتُ رجل البيت، لكني أشتاق أن أكون طفلًا" يجلس محمد أمام خيمتهم الصغيرة، يراقب المارة حاملين أوعية الماء، وبجانبه غالون فارغ بانتظار دوره.

"في رمضان الماضي، كان أبي يوقظني للسحور ويقول: قم يا رجل البيت، كنت أضحك.

الآن أستيقظ وحدي." يخرج محمد يوميًا، يقف في طوابير طويلة لجلب الماء، وقد يعود أحيانًا خالي اليدين. "الغالون ثقيل لكنه مسؤولية. أمي تحتاجه، وإخوتي صغار." يصمت قليلًا، ثم يضيف:"أختي تسأل: متى سيعود بابا؟ أقول: في الجنة لكنها تريده أن يكون معنا." عند الطعام، لا يبدأ بالأكل قبل أن يطمئن أن الجميع شبع.

"أحاول أن أكون مثل أبي، لكني لا أعرف كيف أجعلهم يضحكون."

ليان (9 أعوام): أخاف أن أنسى صوته

تجلس داخل الخيمة ممسكة بهاتف قديم، تشغّل تسجيلًا لوالدها: "ليانتي حبيبتي."تغلق عينيها وكأنها تمسك بالصوت. "إذا نسيت صوته، كأنني فقدته مرة ثانية." لم تعد تطلب الحلوى كما في السابق، ولم تعد تركض للعب. "كنت أستنى بابا يجيب قطايف،الآن بدي بابا بس." وقت الأذان، تضع صورته أمامها وتنظر بصمت.

تقول والدتها:"كانت تبكي بصوت عالٍ الآن تبكي بصمت." أ حمد مسعود (14 عامًا): "تركت المدرسة لأن الحياة لا تنتظر” يقف قرب موقد بسيط يحاول إشعال النار.

"كنت أتدرب في نادي كرة قدم الآن أبحث عن عمل يومي." يخرج كل صباح بحثًا عن فرصة عمل، وقد يعود بلا شيء. "أسوأ شعور أن ترجع وما معك شيء لأهلك." ترك مدرسته رغم تمسكه بها: "أبي قال التعليم أهم شيء لكن أختي تحتاج حليبًا."

سارة (15 عامًا): أنا الأم الصغيرة

تقف أمام قدر صغير، تحرّك طعامًا بسيطًا"تعلمت الطبخ بعد ما فقدنا أبي وأخي." تخفي دموعها عن والدتها: "أبكي وحدي خلف الخيمة." تبدأ يومها بالأعمال المنزلية ورعاية إخوتها.

"أشعر أني أم لكني بحاجة لأمي." في كل يوم، تضع طبقًا لوالدها ثم ترفعه بصمت: "لا أريد أن يشعر أننا نسيناه." يوسف (8 أعوام): "لماذا يأخذون الآباء؟” يجلس قرب والدته، لا يبتعد عنها. "بابا راح... وما رجع." يسأل: "هل لأنه كان طيبًا أخذوه؟" ثم يضيف: "ليش ما بيجي يفطر معنا؟" تحتضنه والدته بدل الإجابة. يمسك بيدها بقوة: "أنا ما بدي حدا يروح كمان."

أرقام تكشف حجم الكارثة

لا تقف المأساة عند حدود الشهادات الفردية، بل تتجلى بوضوح في الأرقام التي تعكس حجم الانهيار الاجتماعي.

حيث تشير التقديرات الخاصة بمركز الاحصاء الفلسطيني إلى أن عدد الأطفال الذين فقدوا أحد والديهم أو كليهما تجاوز 38 ألف طفل، مع ترجيحات بارتفاع العدد إلى ما بين 44 ألفًا و57 ألفًا في ظل استمرار الحرب. ومن بين هؤلاء، آلاف الأطفال الذين فقدوا كلا الوالدين، ليجدوا أنفسهم في مواجهة الحياة دون أي سند عائلي.

وفي موازاة ذلك، ترمّلت ما بين 14 ألفًا إلى أكثر من 16 ألف امرأة فلسطينية، وجدن أنفسهن فجأة مسؤولات بشكل كامل عن إعالة أسرهن، في ظل ظروف معيشية قاسية وانهيار اقتصادي حاد.

هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الخسارة، بل تكشف عن تحوّل عميق في بنية المجتمع داخل غزة، حيث تتشكل أجيال كاملة في ظل الفقد، وتُعاد صياغة الطفولة والأمومة تحت ضغط الحرب.

حين يختفي الألم خلف ضجيج الحروب الأكبر

في الوقت الذي تتكاثر فيه هذه القصص داخل خيام غزة، يتراجع حضورها عالميًا.

فمع تصاعد التوترات الإقليمية، خاصة بين إسرائيل وإيران، تحوّل اهتمام العالم نحو التحليلات العسكرية والسياسية. لم تعد قصص الأيتام تتصدر الشاشات، بل صارت خلف أخبار الصواريخ والتصعيد. هذا التحوّل انعكس على مستوى الاهتمام الدولي، في وقتٍ تتفاقم فيه الأزمات داخل القطاع.

في خيمة صغيرة، لا يعرف محمد شيئًا عن هذه التحولات. كل ما يعرفه أن والده غائب ومكانه على المائدة لا يزال فارغًا. هنا تتجلى الفجوة القاسية: بين عالمٍ ينشغل بحروب أكبر، وأطفالٍ ينشغلون بفقدٍ أكبر.

الأثر النفسي للفقد طفولة مثقلة بالحزن

يشير الدكتور محمد طلال الاخصائي النفسي إلى أن فقدان الأب في ظروف عنيفة ومفاجئة يترك آثارًا عميقة على الأطفال، من بينهااضطرابات النوم والكوابيس المتكررة، شعور دائم بالخوف وفقدان الأمان، إحساس بالذنب أو العجز، نضج قسري وتحمل مسؤوليات تفوق أعمارهم وصعوبات في التركيز والتحصيل الدراسي.

رمضان، الذي كان يفترض أن يكون شهر الطمأنينة، تحول إلى محفز للذكريات المؤلمة، حيث ترتبط طقوسه بحضور الأب الغائب. في غزة، لا تنتهي المأساة حين تنطفئ الكاميرات، ولا تختفي حين ينشغل العالم بحروبٍ أخرى. هناك، في الخيام، يكبر الأطفال على الغياب، ليس لأن الطعام قليل فقط، بل لأن الآباء غائبون ولأن العالم، هذه المرة، منشغل.