No Image
العرب والعالم

غزة في أول عيد بعد "حرب الإبادة".. تكبيرات فوق الركام وفرحة ترفض الانكسار

20 مارس 2026
20 مارس 2026

غزة- «عُمان»- بهاء طباسي

على غير العادة، لم يوقظ هديل الحمام ولا رائحة «الكعك» المخبوز في الأفران المنزلية الطفلة مريم عليان (9 سنوات) في صبيحة عيد الفطر الأول الذي يحل على قطاع غزة بعد حرب الإبادة. استيقظت مريم على برودة الحصير داخل خيمة نزوح في مخيم الشاطئ، وعلى صدى تكبيرات العيد التي اختلطت بنحيب مكتوم لجارتها في الخيمة المجاورة. ارتدت مريم ثوبًا قديمًا غُسل بعناية لينافس بهاء الأثواب الجديدة التي لم تستطع عائلتها شراءها، ومضت خلف والدها الذي بترت الحرب ساقه، ليتوجها معًا نحو ركام مسجدهم الذي كان يومًا منارة للحي.

صلاة تحت سماء الجراح

في مشهدٍ يجسد تراجيديا الصمود الفلسطيني، لم تكن المساجد هي التي احتضنت المصلين هذا العام، بل كانت الأنقاض هي السجادة، والسماء المفتوحة هي السقف. تحت شمس آذار التي بدت خجولة أمام هول الدمار، صدحت حناجر عشرات الآلاف بتكبيرات العيد، لتمتزج الروحانية العالية بآثار الدمار الواسع الذي خلفه العدوان.

يقول الحاج أبو العبد أبو هاشم (65 عامًا)، وهو يمسح غبار الركام عن جبهته بعد انقضاء الصلاة فوق أنقاض مسجد «السوسي»: «جئنا لنؤكد أن الأرض لنا، وأن صلاتنا لا يقطعها هدم حجر. نعم، القلب يعتصر ألمًا على فراق الأحبة»، مصيفًا لـ«عُمان»: «ثلاثة من أبنائي في هذه الحرب، لكن العيد شعيرة الله، ونحن شعب يعشق الحياة ما استطاع إليها سبيلًا».

لم تكن الخطب هذا العام تقليدية؛ فقد ركز الخطباء في المصليات المؤقتة وساحات النزوح على معاني الصبر والتكافل، وحثوا الناس على زيارة عوائل الشهداء والجرحى، مؤكدين أن الوحدة الوطنية هي السد المنيع أمام محاولات الاحتلال لكسر إرادة الغزيين.

سوق الغلاء.. فرحة «مقتضبة»

وعلى مقربة من مخيمات النزوح، بدت الأسواق الشعبية التي نُصبت على عجل باهتة رغم محاولات تزيينها. فالغلاء الفاحش للأسعار التهم مدخرات النازحين، وجعل من شراء كيلو واحد من سمك الرنجة «مهمة انتحارية» لميزانية العائلات التي تعتمد بشكل أساسي على المساعدات الشحيحة.

تحكي أم محمد إبراهيم، وهي نازحة من شمال القطاع، معاناتها لـ«عُمان»: «سعر كيلو اللوز أو الجوز تضاعف عشرات المرات. اشتريتُ القليل من الكعك والمعمول؛ لكي لا يشعر أطفالي أنهم أقل من غيرهم. العيد هذا العام هو عيد الستر، نحاول أن نبتسم وفي عيوننا ألف دمعة».

ورغم ضيق ذات اليد، حرص الآباء على منح أطفالهم «العيدية» ولو كانت مبالغ رمزية جدًا، ليتمكن الصغار من شراء طائرة ورقية أو ركوب أرجوحة حديدية قديمة، لم تطلها يد الحرب.

الهدنة الهشة.. هدوء يشوبه الحذر

يأتي عيد الفطر هذا العام في ظل حالة من «الأمان النسبي» مقارنة بالأعياد السابقة التي عاشها القطاع تحت القصف المباشر خلال العامين الماضيين. هذه الهدنة، وإن كانت توصف بالهشة، سمحت للناس بالتنقل لزيارة الأرحام، لكنها لم تنجح في تبديد سُحب القلق التي تخيم فوق الرؤوس.

ففي كل ركن، يستذكر الفلسطينيون أكثر من 72 ألف شهيد ارتقوا خلال حرب الإبادة، إضافة إلى نحو 8 آلاف مفقود ما زالوا يرزحون تحت الركام. هذا الفقد الجماعي حوّل العيد من مناسبة للاحتفال الصاخب إلى يوم للوفاء والذكرى؛ حيث غصت المقابر الجماعية والمؤقتة بالزوار الذين قرأوا الفاتحة على أرواح أحبائهم بدلًا من تبادل «المعایدات» التقليدية.

مؤانسة الراحلين.. صلة رحم مع الغائبين

ولم تكن المقابرُ في هذا العيد مجرد شواهد صامتة، بل تحولت إلى ساحاتٍ للمواساة الجماعية؛ حيث تدافع الآلاف بعد الانتهاء من صلاة العيد نحو «المقابر الاضطرارية»، التي أنشئت في الأرض الفضاء.

هناك، لا كعك يُوزع ولا تهانٍ تُتبادل، بل آيات من الذكر الحكيم تتردد فوق قبورٍ ما زال ترابها غضًا. تقول الحاجة «أم ثائر» الريس وهي تسقي شتلة صبار وضعتها فوق قبر حفيدها: «جئنا لنعيد عليهم، فهم العيد وهم الفرح الذي سُرق منا. العيد في غزة اليوم هو أن نكون قريبين من رائحة من نحب، ولو كان بيننا وبينهم شبرٌ من تراب».

وعلى مقربة من أم ثائر، كانت نسوةٌ يرددن أهازيج شعبية حزينة، يمتزج فيها رثاء الشهيد بالدعاء للمكلومين، في مشهدٍ سريالي يثبت أن الذاكرة الفلسطينية هي خط الدفاع الأخير أمام محاولات الإبادة المعنوية.

خيمة النزوح.. بيت العيد الجديد

في مراكز الإيواء، تحولت الفصول الدراسية والخيام إلى ساحات مصغرة للمعايدة. هناك، تجد قصصًا إنسانية تقشعر لها الأبدان؛ عائلات تجلس حول «صينية» متواضعة، يتذكرون بيوتهم التي سويت بالأرض، وشوارعهم التي اختفت معالمها.

يقول الشاب يوسف عبدالعال، الذي فقد منزله في حي الشجاعية خلال حديثه لـ«عُمان»: «كنا في العيد نجتمع في ديوان العائلة الكبير، اليوم نحن مشتتون في خمسة مخيمات مختلفة. لكننا رغم ذلك تواصلنا عبر الهاتف، واتفقنا أن نلتقي عند أقرب نقطة ركام لمنزلنا القديم لنشرب القهوة معًا. الاحتلال دمر الحجر، لكنه لم يقتل حبنا لأرضنا».

الأمل.. العقد الأخير في حبل النجاة

المشهد في غزة اليوم هو مشهد تداخل الأضداد؛ دمعة الفقد في عين، وابتسامة الإصرار في الأخرى. صلاة على الركام، وأطفال يلعبون بين الحفر التي خلفها القصف. هو «عيد الجراح» بامتياز، لكنه أيضًا عيد «الولادة من جديد».

بينما كانت الشمس تميل نحو الغروب في أول أيام العيد، كانت أصوات الأطفال ما زالت تعلو بتكبيرات بريئة من فوق تلال الركام، في رسالة صامتة للعالم أجمع: أن غزة التي شبعت موتًا ودمارًا، ما زالت تمتلك من القوة ما يكفي لتمارس طقوس الحياة، بكرامة لا تنكسر، وأمل لا يشيخ.