العرب والعالم

صيادو غزة يخوضون عباب البحر رغم نيران الاحتلال

08 يناير 2026
95 %من الأصول البحرية غير صالحة للعمل
08 يناير 2026

على رمال شاطئ غزة الباردة، يقف الصياد المسن كامل فهد (65 عامًا)، محنيّ الظهر كقاربٍ أنهكته العواصف، وقد غطّى الشيب لحيته، بينما حفرت السنوات أخاديدها العميقة في وجهه الأسمر. يرتدي قبعة صوفية تقيه لسعات الرياح البحرية، ويشد سترته المهترئة حول جسده، فيما يمتد البحر الرمادي خلفه كمرآةٍ لحياة لم تعرف الاستقرار. يحدّق طويلًا في الأفق، ثم يلتفت نحو قاربه الخشبي الصغير، وكأنه يتفقد ما تبقى من عمره المعلّق بين الموج والحصار.

على شواطئ زمن لا يرحم

يبدأ الصياد كامل حديثه لـ«عُمان» بكلمات يملؤها الشجن والقوة: «نحن نغامر بدخول البحر رغم كل العقبات والمواجهات الصعبة التي يفرضها علينا جيش الاحتلال الإسرائيلي. نعاني الأمرّين، فالصيد أصبح بسيطاً جداً ومحدوداً للغاية، ولم يعد البحر كما كان». يتوقف قليلًا، يبتلع غصته، ثم يضيف: «كنا نخرج بقوارب ومحركات، نعود بغلة تسد البيوت، أما اليوم فنصارع الموج بالمجاديف والشباك البالية».

تمرّ لحظة صمت ثقيلة، قبل أن يكشف الصياد المسن الجرح الأعمق في حكايته، وهو يشيح بوجهه عن البحر: «الأصعب من الجوع والتعب أن ترى الاحتلال يعتقل أبناءك لأنهم صيادون. أبنائي اليوم خلف القضبان، يواجهون ظروفًا قاسية، وتهمتهم الوحيدة أنهم أصرّوا على ركوب البحر بحثاً عن لقمة عيش تسد رمق أطفالهم». تهتز نبرة صوته، وتبدو الكلمات كأنها تخرج من صدرٍ مثقل بالخسارات.

يمسح كامل بيده على شبكته المهترئة، وكأنه يربّت على ذاكرة مكسورة، ويكمل: «حياتنا أصبحت مريرة. البحر كان ملاذنا، واليوم صار ساحة خطر. نخرج ونحن نعلم أن الاعتقال أو الإصابة أو حتى الموت قد يكون مصيرنا، لكننا لا نملك خياراً آخر. الكرامة لا تسمح لنا بالجلوس وانتظار الجوع». خلفه، كان بعض الصيادين يدفعون قاربًا صغيرًا بأيديهم، في مشهد يختصر معنى العجز والإصرار معًا.

بنبرة تجمع بين الانكسار والعناد يؤكد الصياد المسن: «قد أكون عجوزًا اليوم، وقد أخذ البحر منّا الكثير، لكنني لن أتركه. هذا البحر ربّانا، وشهد أعمارنا، ولن نتخلى عنه مهما اشتد الحصار. نصارع الموج لا حبًا في الخطر، بل دفاعًا عن حقّنا في الحياة، وعن كرامة أبنائنا، أحياءً كانوا أو خلف القضبان».

صراع على بقايا الأساطيل

قبل اندلاع حرب الإبادة عام 2023، كان قطاع الصيد في غزة يزخر بأساطيل من القوارب والمعدات الحديثة التي توفر لقمة العيش لآلاف الأسر. كان الإنتاج السنوي من الأسماك يتراوح بين ثلاثة إلى أربعة آلاف طن، إضافة إلى مئات الأطنان من الإنتاج من مزارع الأسماك، وهو ما يشكل مصدراً أساسياً للبروتين الغذائي في القطاع.

لكن منذ اندلاع الحرب واستمرار العدوان المتواصل حتى عام 2025، تراجع هذا القطاع إلى أزمة غير مسبوقة. فقد دُمّرت معظم مرافق الصيد وبات 95٪ من القوارب والأصول البحرية غير صالحة للعمل، نتيجة استهداف الاحتلال الممنهج للموانئ والقوارب ومعدات الصيادين والصيادين أنفسهم، وكذلك القيود البحرية التي تُفرض بشكل يومي على الوصول إلى مياه صيد أبعد من بضعة أمتار من الشاطئ.

بحلول نهاية 2025، أشار تقرير وزارة الزراعة إلى تراجع الإنتاج إلى أقل من 7.3٪ من مستويات ما قبل الحرب، بينما خسرت غزة ما يقرب من 4,600 طن من الإنتاج السنوي من صيد الأسماك، إضافة إلى توقف كامل لعمليات تربية الأسماك.

ولم يقتصر الضرر على القوارب، بل طال البنية التحتية الحيوية مثل موانئ الصيد، مخازن المعدات، ومرافق ما بعد الحصاد، مما أدى إلى دخول آلاف العائلات في دائرة الفقر الحاد وسوء التغذية، مع تبعات اجتماعية واقتصادية وجغرافية عميقة.

وزادت الطين بلة سلسلة المنخفضات الجوية الأخيرة التي ضربت قطاع غزة منتصف شهر نوفمبر من العام 2025، وألزمت الصيادين، الذين كانوا بالكاد يدبرون قوت يومهم من الصيد بأدوات بدائية في بحر مغلف بالرصاص والقذائف، البقاء في منازلهم لأكثر من شهر ونصف.

مجاديف في بحرٍ محاصر

ومع انحسار المنخفض الجوية الأخير، في الثالث من يناير الجاري، بدأ الصيادون تدريجيًا في العودة إلى البحر، يصارعون الأمواج العاتية ليس بمحركات حديثة، بل بأجسادهم المنهكة ومجاديف خشبية بدائية، في محاولة لاسترداد لقمة عيش مغمسة بملح البحر ومرارة الحصار.

على الأمواج المتلاطمة، ينتصب الشاب علي البردويل (28 عامًا) في قلب معركة لا تقل شراسة عن ساحات الحرب. يرتدي سترة وردية باهتة، ويبدو كل مجداف بيده وكأنه امتداد لروحه. لا محرك هناك، ولا أدوات حديثة، بل «مردي» خشبي هو كل ما يمتلكه لدفع قاربه الصغير عبر الأمواج المتلاطمة.

يقول علي لـ«عُمان» بصوت مملوء بالإرادة والحذر: «اليوم اصطدنا بعض السلطعونات، الجمبري، وأسماك الدنيس الصغيرة... هذا كل ما توفر لنا من رزق. المنخفضات الجوية والحرب أخذوا منّا الكثير وأبعدتنا عن أرزاقنا».

من خلفه، تتصاعد الأمواج كأنها تتحدى وجوده نفسه، لكن علي يكمل: «دمر الاحتلال محركاتنا وقواربنا... البحر هنا ليس للراحة، بل ساحة حرب خاصة بنا... كل لحظة نواجه فيها الخطر... الخوف من الاعتقال أو الإصابة أو حتى الشهادة جزء من يومنا».

وفي حين تحاصر مياه البحر الساحل، تحاصرهم أيضًا قوات الاحتلال التي لا تتوانى عن استهدافهم، الأمر الذي زاد من معاناتهم على مدار العامين الماضيين، حتى بعد هدنة الحادي عشر من أكتوبر، التي لم تثمر سوى استمرار القيود والنيرات والاعتقالات في أعالي البحار.

غزل الشباك ودعاء الصمود

على الشاطئ، وبجانب كومة من الشبكات الممزقة، يجلس الصياد عبد الرحمن بصل (48 عامًا)، يحيك بخيوط يده شبكة ممزقة كأنها ترمم شيئاً في داخله قبل أن تكون مجرد أداة صيد. بجانبه تقف ابنته الصغيرة تراقب بصمت، وكأنها تتعلم مهنة الآباء، وتعلم أن الصبر قد يكون مصيراً لا مفرّ منه.

يقول عبد الرحمن وهو يضبط خيوط الشبكة المليئة بالثقوب: «نحن نمارس هذه المهنة منذ ثلاثين عاماً... البحر هو هوية عائلتنا... اليوم نعود بإمكانيات معدومة... القوارب دُمّرت، المحركات صارت ذكريات».

تنثر السماء قطرات المطر الخفيفة، وكأنها تشهد على عزيمته التي لا تضعف، فيضيف لـ«عُمان»: «نطلب من الله أن يعوضنا خيرًا... كل شبكتي هذه كانت تُدرّ رزقًا... اليوم نصونها رغبة في أن تستمر الحياة... ليس من أجل الثراء، بل من أجل البقاء».

وبينما تُلقي الطفلة نظراتها المتفحصة على شبكات الصيد، تبدو علامات الأمل مختلطة بالحزن... ملامح تُخبرنا أن غدًا قد يكون أشد صعوبة، لكن المحاولة لن تتوقف... كما يقول عبد الرحمن: «نحن هنا... لن نتراجع... البحر وطننا الأخير».

مجاديف الانكسار وعزة الصمود

مدفوعًا بالطاقة والوجع، يرسم الصياد سليم حجازي (33 عامًا)، صورة لعزة الصمود في ظل الانكسار. يقف على مقدمة قاربه الصغير، الذي لا يتعدى كونه قطعة خشبية، يدفعه عبر الماء بمجداف واحد.

يصف سليم حال قاربه قائلاً: «هذا ليس قاربًا حقيقيًا... بل لوحة خشبية تشبه القارب... لقد أحرقت النيران كل قواربنا المزودة بالمحركات... هذا ما تبقى لنا».

يرفع سليم بصره إلى الأفق، ويقول خلال حديثه لـ«عُمان»: «نحن مجرد صيادين... لا نشكل خطراً... وكلما حاولنا النزول إلى عمق البحر... نتعرض للخطر مباشرة... هذا القارب يعيل أكثر من ثلاثين شخصًا... نعم... ثلاثون نفساً يعتمدون على قوائم بسيطة من صيدٍ شحيح... لكننا نصمد».

تتداخل الأمواج مع حديثه... كل موجة كأنها تردد: «ابقَ صامدًا»، وهو يرد عليها بثبات: «لن نتخلى عن البحر... ولن نتخلى عن كرامتنا».

صيدٌ تالف.. وأيدٍ تمتد نحو الحياة

في لحظة سريالية، يركض شابٌ آخر يحمل على كتفيه سمكة قرش صغيرة فاسدًا لم تعد البحر كريمًا.. لكنه لا يزال يعطي ما استطاع، ولو كان قليلًا ومشوهًا. يشرح أحد الصيادين صغار السن: «قبل المنخفض الجوي الأخير كان الصيد وفيراً... كنا نصطاد ما بين عشرين إلى خمسين كيلوغرامًا في الرحلة... أما اليوم فمع المخاطرة والظروف القاسية... الأسماك تالفة، ولا تصلح... لكن لا خيار لنا إلا المحاولة».

يمتزج التعب بالجوع بالأمل... وكأن البحر يحافظ على رسالة لا تُقرأ إلا بمن يصارعونه كل صباح.

على الشاطئ، وسط حطام «اللنشات»، تتجمع الأيادي لإصلاح الشبكات... مشهدٌ يتكرر منذ سنوات طويلة، تتحول فيه القوارب المحطمة وبقايا العواصف إلى قبورٍ لأحلامٍ دُمّرت، لكنها لا تزال تُبقي في النفوس نورًا خافتًا من الأمل. يقف كامل فهد، ممسكًا بالشبكة التي صارت رمزاً لصموده، ينظر إلى الأفق البعيد ويختم: «قد يموت جسدي هنا... لكن روح غزة لن تموت... ملح البحر قد يلسعنا... لكنه يمنحنا درسًا في الصمود».