شظايا الحرب تطال القدس.. لماذا أفرغ المسجد الأقصى من المصلين؟
المقدسيون: "للبيت رب يحميه"
شظايا الحرب تطال القدس.. لماذا أفرغ المسجد الأقصى من المصلين؟
القدس المحتلة - عُمان - محمـد الرنتيسي
ليست القدس على زينتها في رمضان، فالعدوان الذي يشنه كيان الاحتلال في غزة والضفة الغربية ألقى بظلال قاتمة على المدينة المقدسة، التي طالتها كذلك شظايا الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران.
وثمة إجراءات استثنائية فرضتها سلطات الاحتلال على مدينة القدس، اغتالت عادية الأيام في حاراتها وأزقتها، فغابت الطقوس الرمضانية الأصيلة التي اعتادت أن تترك تواقيعها وبصماتها على أسوار القدس العتيقة.
في الجمعة الثالثة من شهر رمضان المبارك بدت القدس مرتبكة وحزينة أمام مشروع إخفاء معالمها وإطفاء أنوارها، الذي يرمي له كيان الاحتلال، وتبدو أقرب إلى النظر في مرآتها لترى صورتها من دون قيود وأغلال، وقد استردها أبناؤها من غربتها.
القدس لا تبدي زينتها، فتغيب الفوانيس المضاءة قسرًا عن أسواقها، لتبدو على غير عادتها، لأن آلة الاحتلال الحربية لا تزال تلقي بأثقالها وأحمالها على خيام النازحين في قطاع غزة، ولا يتورع جيشها عن ممارسة اعتداءاته في الضفة الغربية، فلا يقيم وزنًا أو احترامًا لمشاعر المسلمين الصائمين.
في شوارع القدس العتيقة فوانيس وأهلة رمضانية تنتظر من يشتريها، وقطائف حلوة للأيام المرّة، والقدس على صيامها وصلاتها تواصل تصديها لجبروت الاحتلال، فتصوم نهارها وتقوم ليلها تحت حصار خانق يشل حركتها ونشاطها المعهود في أيام الشهر الفضيل، فيما اقتحامات المستوطنين للحرم القدسي الشريف تنال من طقوس الشهر وعاداته، وتقتل نكهته الخاصة في أكناف بيت المقدس. فكيف تتزين القدس وترتدي ثوبها المبهج في رمضان، بينما يلفها حزن عميق على ما حل بشقيقاتها غزة والخليل وطولكرم وجنين؟
الاحتلال يستغل الحرب
ليست المرة الأولى التي يغلق فيها كيان الاحتلال المسجد الأقصى، ولكنها الأولى منذ احتلاله التي لا تقام فيه صلاة الجمعة في شهر رمضان. ورغم إجراءات الاحتلال العنصرية، ما زالت هناك أصوات تتحدث من قلب القدس عن مخططات إسرائيلية يستغل كيان الاحتلال الحرب لتمريرها.
فاستنادًا إلى رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس وخطيب المسجد الأقصى المبارك، الشيخ عكرمة صبري، فإن إغلاق الحرم القدسي الشريف بحجة "إعلان الطوارئ" يفتقر إلى أي مبرر أو مسوغ قانوني، بل إنه وسيلة لفرض الهيمنة الإسرائيلية الكاملة على القدس ومقدساتها، وتغيير الوضع القائم في مسجدها الأقصى المبارك.
ويرى صبري في هذا الإجراء استغلالًا للظروف السياسية والأمنية في المنطقة لتمرير مخططات السيطرة وفرض الهيمنة على الأقصى المبارك، وانتهاكًا صارخًا لحرية العبادة التي كفلتها المواثيق والأعراف الدولية، مشددًا: "الهدف من هذه الإجراءات هو تغييب الوجود الفلسطيني في القدس".
وبدت ساحات المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة فارغة تمامًا من المصلين، نتيجة للإجراءات الإسرائيلية المفروضة، في مشهد غير مألوف، خصوصًا في شهر رمضان الفضيل.
وتمنع قوات الاحتلال المصلين من القدس والضفة الغربية والداخل الفلسطيني المحتل من الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك وإقامة صلاة التراويح منذ نشوب الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، في خطوة وصفها مقدسيون بـ**"الخطيرة"** وترمي إلى تهويد القدس وطمس معالمها وهويتها.
إضاءة تاريخية
تاريخيًا، لطالما شكّل المسجد الأقصى شرارة التصعيد بين الفلسطينيين وكيان الاحتلال، بدءًا من مجزرة الأقصى خلال الانتفاضة الأولى في أكتوبر 1990، والتي تصدى خلالها المقدسيون لعصابات الهيكل المزعوم وافتدوا الأقصى بالمهج والدماء والأرواح، مرورًا بـ**"هبّة النفق"** عام 1996 ردًا على حفر أنفاق تحت أساسات وأسوار الحرم القدسي، ثم الانتفاضة الفلسطينية الثانية المعروفة بـ**"انتفاضة الأقصى"** عام 2000، والتي اندلعت عقب تدنيس رئيس وزراء الاحتلال آنذاك أريئيل شارون لساحات المسجد الأقصى، ولاحقًا "حرب السكاكين" عام 2015، وتاليًا معركة البوابات الإلكترونية عام 2017، وأزمة مصلى باب الرحمة عام 2018، وليس انتهاءً بالاقتحامات اليومية التي تنفذها عصابات المستوطنين وجماعة الهيكل، والتي تصاعدت منذ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.
وتلوح في الأفق نوايا ومخططات وأطماع إسرائيلية تجاه أولى القبلتين، وعليه فإن إغلاق المسجد يعني هيمنة إسرائيلية بذرائع "أمنية"، وفيه استفزاز لمشاعر الفلسطينيين والمسلمين في العالم، ما يبقيه ساحة مواجهة لا تهدأ بين كيان الاحتلال والفلسطينيين في معركتهم للتأكيد على هويتهم المقدسية الفلسطينية الأصيلة.
ووفق مراقبين يعتقد قادة الاحتلال أن طريقهم للسيطرة على مدينة القدس لن تمر إلا بوضع أيديهم على الحرم القدسي الشريف وفرض واقع جديد فيه، بيد أن انفلات عصابات المستوطنين وإصرارها على المساس بالمسجد الأقصى واستمرارها في اللعب بالنار سيدفع بالأوضاع في القدس وعموم الأراضي الفلسطينية نحو الانفجار.
ومع استمرار إغلاق المسجد الأقصى تتسع دائرة الاعتداءات والممارسات القمعية الإسرائيلية في القدس، لكن وفق مواكبين لما يجري على الأرض، فأخطر هذه الاعتداءات ما تروج له جماعة الهيكل من أساطير تنسجها بين الحين والآخر، في توظيف مفضوح ومكشوف لمحاولات هدم أولى القبلتين.
في المسجد الأقصى يُطرد المصلون، فيما معاول الاحتلال لا تتوقف عن الحفر تحت أساساته وجدرانه ضمن المساعي الرامية لهدمه، ولكن ألسنة المقدسيين لا تتوقف عن القول مع كل عدوان: "للأقصى رب يحميه".
