رئيس وزراء بريطانيا الجديد.. هل يتقارب مع أوروبا ويستقل عن واشنطن؟
واشنطن «د. ب. أ»: يعتقد ماتياس ماتيس- وهو خبير في الاقتصاد السياسي الأوروبي- وبنيامين هاريس- وهو باحث مشارك في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي- في تحليل نشره المجلس أن تولي آندي بيرنام رئاسة الحكومة البريطانية هذا الأسبوع يمثل «تحولا في مركز ثقل حزب العمال، من نهج تكنوقراطي مركزي تقوده دوائر وستمنستر إلى سياسة تركز على الأقاليم والاستثمار والتجديد الوطني». وأصبح بيرنام رئيس وزراء المملكة المتحدة السابع خلال عقد واحد.
أما بالنسبة لواشنطن وبروكسل، فيثير الخبيران سؤالا: هل يمثل بيرنام استمرارا للنهج السابق ولكن بلكنة انجليزية «شمالية» جديدة، أم أنه ينذر بتحول بتداعيات أكبر؟ ويعود هذا الغموض إلى أن بيرنام يعتبر شخصية نادرة في السياسة البريطانية، «فهو سياسي مخضرم أعاد تشكيل صورته ليصبح أشبه بمرشح مناهض للمؤسسة السياسية».
ولد بيرنام عام 1970 في منطقة أينتري، إحدى ضواحي ليفربول، وانتُخب لأول مرة عضوا بمجلس العموم عن دائرة «لي» عام 2001. وخلال حكومتي توني بلير وجوردون براون، شغل مناصب أمين الخزانة، ووزير الثقافة، ثم وزير الصحة اعتبارا من عام 2009.
وكان أبرز إنجازاته في تلك المرحلة إطلاق «لجنة هيلزبورو المستقلة» للتحقيق في كارثة ملعب هيلزبورو عام 1989، «وهو ما رسخ سمعته كسياسي يتصدى لمحاولات التستر المؤسسي دفاعا عن المواطنين العاديين، وهو نهج واصل التمسك به منذ ذلك الحين».
وترشح بيرنام مرتين لقيادة حزب العمال؛ فحل رابعا في انتخابات 2010 التي فاز بها إد ميليباند، ثم جاء ثانيا في انتخابات 2015 التي خسرها أمام جيريمي كوربين.
ولكن ما أحدث التحول الحقيقي في مكانته على الساحة الوطنية كان مغادرته لندن ووستمنستر، حيث إنه منذ انتخابه عمدة لـ «مانشستر الكبرى» عام 2017، فاز بثلاثة انتخابات متتالية بفوارق متزايدة، ليحصل على لقب «ملك الشمال».
وخلال توليه المنصب، حقق سجلا سياسيا بارزا في مجالات النقل بالحافلات والإسكان ومكافحة التشرد، «ما جعله أكثر سياسيي حزب العمال شعبية في استطلاعات الرأي».
وفي إشارة مبكرة إلى أجندته كرئيس للوزراء، تعهد بيرنام في أول خطاب له أمام مقر رئاسة الوزراء في «10 داونينج ستريت» بـ «بناء اقتصاد جديد نعيد فيه إخضاع مقومات الحياة الأساسية لرقابة عامة أقوى.» «المانشسترية» تصل إلى لندن و يصف بيرنام فلسفته الاقتصادية والداخلية بمصطلح «المانشسترية»، التي تقوم على قناعة بأن المشكلة الأساسية في المملكة المتحدة تكمن في «شدة تركز السلطة في الحكومة المركزية، ما أدى إلى حرمان الأقاليم من الاستثمارات الاقتصادية والنفوذ السياسي».
وقد تعهد بقلب مسار ما يقرب من عقدين من النمو الاقتصادي الضعيف منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، عبر توظيف رؤوس الأموال العامة والخاصة في تطوير النقل والإسكان والبنية التحتية.
ويمثل هذا، في جوهره، «توسيعا على المستوى الوطني للنموذج الذي طبقه خلال توليه رئاسة بلدية مانشستر الكبرى، بحسب ماتيس- الخبير أيضا في سياسات الأفكار الاقتصادية والعلاقات عبر الأطلسي والتكامل الأوروبي- وهاريس، المتخصص في الشؤون الأوروبية والسياسة الخارجية الأمريكية.
ومن أبرز مبادراته إنشاء مقر يحمل اسم «رقم 10 داونينج ستريت- الشمال»، في مدينة مانشستر لتنسيق عملية نقل الصلاحيات إلى الأقاليم، وأيضا إطلاق برنامج طموح للإسكان الاجتماعي، واستعادة السيطرة على مرافق الخدمات العامة، وتأميم صناعة الصلب، وتوسيع خدمات الرعاية الاجتماعية.
والأهم من ذلك، «سعى بيرنام إلى طمأنة الأسواق حيث تعهد بالالتزام بسقوف الاقتراض الحكومية الحالية، واتباع سياسة انضباط مالي، والعمل على خفض فاتورة الإنفاق على الرعاية الاجتماعية.بريطانيا وأوروبا.. ديناميكية جديدة
يؤكد الخبيران ماتيس وهاريس، أن المفارقة الأساسية تكمن في أن بيرنام يُعد، على الصعيد الشخصي، أكثر رؤساء الوزراء البريطانيين تأييدا للقارة منذ عهد توني بلير، لكنه على الأرجح سيتحدث عن أوروبا أقل مما فعل كير ستارمر.
وصرح بيرنام في عام 2025 بأنه يأمل أن تعود بريطانيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، إلا أنه خلال حملته في الانتخابات التكميلية بدائرة ميكرفيلد، وهي دائرة صوتت بقوة لصالح خروج البلاد من التكتل (بريكست)، شدد على أنه لا يدعو إلى العودة في الوقت الراهن.
ولم ينجز بيرنام بعد أول مهمة على جدول أعماله. فقد تم تأجيل القمة الثانية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، والتي كانت مقررة يوم 22 يوليو الجاري في بروكسل، عقب استقالة ستارمر، ما أدى إلى إرجاء حزمة من الاتفاقات التي جرى التوافق عليها من حيث المبدأ، لكنها لم توقع رسميا بعد.
وأثار تأجيل القمة توترا بين الطرفين، إذ سادت في لندن شكوك بأن بروكسل تعمدت الانتظار حتى يتولى بيرنام، المعروف بمواقفه الأكثر تأييدا لأوروبا، رئاسة الحكومة قبل استكمال عملية إعادة ضبط العلاقات.
وسوف تكون إعادة تحديد موعد القمة وإتمام الاتفاقات، ضمن أولى الاختبارات السياسية التي يواجهها بيرنام.
أما بعد ذلك، فإنه من المرجح أن تشهد العلاقات بين أوروبا والمملكة المتحدة إعادة صياغة هادئة للأولويات أكثر من كونها تحولا جذريا. وتتمثل أولويات بيرنام المعلنة في تعزيز التعاون الأوروبي في مكافحة الهجرة غير الشرعية، والأمن الاقتصادي، وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود في مواجهة الأزمات.
واللافت أن الأولويات لا تتضمن السعي إلى إبرام اتفاقات اقتصادية جديدة مع التكتل، كما أن الخطوط الحمراء التي وضعها حزب العمال ستظل قائمة، بما في ذلك رفض الانضمام إلى الاتحاد الجمركي، أو السوق الأوروبية الموحدة، أو استعادة حرية تنقل الأشخاص بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.
ولكن المنطق الأعمق، بحسب الخبيران ماتيس وهاريس، يشير إلى تقارب متزايد بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، «فرغم أن خطاب بيرنام قد يبدو أقل حماسا لأوروبا مقارنة بخطاب ستارمر، قد تنتهي سياسات حكومته إلى أن تكون أكثر تقاربا مع الاتحاد الأوروبي من الناحية العملية.» العلاقات عبر الأطلسي ودور المملكة المتحدة في العالم وبالنسبة للعلاقات عبر الأطلسي، يقول ماتيس وهاريس، إنها من المرجح أن: تشهد استمرارا للثوابت الأساسية، ولكن بنبرة أكثر برودة وتحفظا».
علاقة أقل حماسة وأكثر استقلالية
وفي مقال رأي نشرته صحيفة التايمز البريطانية عرض بيرنام رؤيته للعالم، وأكد مجددا التزام حزب العمال بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وبالحفاظ على الردع النووي البريطاني المستقل. كما تعهد بمواصلة تقديم الدعم العسكري والدبلوماسي والمالي لأوكرانيا.
ولكن، في المقابل، ثمة مؤشرات إلى أن النبرة السياسية تجاه واشنطن آخذة في التغير، بما يوحي بعلاقة أقل حماسة وأكثر استقلالية مقارنة بالسابق.
ووصف رئيس الوزراء البريطاني الجديد علاقة بلاده بأمريكا بأنها «حيوية» فقط، مقابل الوصف التقليدي بأنها «علاقة خاصة»، كما أفادت تقارير بأنه لا يضع زيارة مبكرة إلى واشنطن ضمن أولوياته. ويتوقع مسؤولون وقيادات داخل حزب العمال أن يتبنى بيرنام نهجا أقل خضوعا أو مجاملة تجاه واشنطن.
وفيما يتعلق بالشرق الأوسط، اتخذ بيرنام مواقف أكثر تمايزا عن واشنطن، إذ اعتبر أن الحكومة السابقة تأخرت في المطالبة بوقف إطلاق النار في غزة، كما طرح فكرة فرض عقوبات وحظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية.
وفي ختام التحليل، يؤكد ماتيس وهاريس أن بيرنام يرى أن تعزيز قوة بريطانيا ونفوذها يبدأ من تعزيز الاقتصاد المحلي، إذ يطمح إلى استعادة «القوة الصلبة» للمملكة المتحدة عبر إعادة إحياء القطاع الصناعي وزيادة الإنفاق على الدفاع.
ويبقى السؤال الذي سيحدد ملامح فترة رئاسته للحكومة: هل سيتمكن رئيس وزراء تشكلت توجهاته السياسية ومسيرته وتفويضه الشعبي حول القضايا الداخلية، من الحفاظ على الدور الدولي الواسع الذي تضطلع به بريطانيا، في الوقت الذي يتعين عليه فيه إدارة علاقات معقدة مع إدارة ترامب، والاتحاد الأوروبي في بروكسل، وحزب «إصلاح المملكة المتحدة في الداخل؟».
