دول آسيا الوسطى تسعى لاحتواء أفغانستان
واشنطن "د.ب.أ": ترى المحللة السياسية فاطمة آمان أنه على مدار معظم العقدين الماضيين، قامت الدبلوماسية الإقليمية بشأن أفغانستان على أساس الاعتقاد بأن المشاركة الخارجية يمكن أن تفضي تدريجيا إلى استقرار البلاد. وشكل ذلك الافتراض الكيفية التي بررت بها الدول المجاورة انخراطها السياسي والاقتصادي والأمني، حتى عندما ظل التقدم محدودا.
وقالت آمان، التي دأبت على كتابة مقالات تتعلق بالشؤون الإيرانية والأفغانية وشؤون الشرق الأوسط عموما طوال أكثر من 25 عاما، وقدمت المشورة لمسؤولين حكوميين ومنظمات غير حكومية أمريكية، إن ذلك الإطار أصبح ضعيفا اليوم حيث لم تعد الدول المجاورة لأفغانستان تصوغ سياساتها على أساس توقعات بالإصلاح أو إعادة الإندماج. وحل محل ذلك هدف أضيق وأكثر حذرا يتمثل في الحد من التعرض لإنعدام الاستقرار بدلا من محاولة تغيير الأوضاع داخل أفغانستان.
وأضافت آمان، التي عملت سابقا كباحثة غير مقيمة في معهد الشرق الأوسط، وزميلة أولى في المجلس الأطلسي في تقرير نشرته مجلة ناشونال انتريست الأمريكية، أن هذا التحول يعكس ما هو أكثر من مجرد ضعف مؤقت، وأن ما تغير هو تلاشي أي اعتقاد بأن الانخراط يمكن أن يغير المسار الداخلي لنظام طالبان على المدى القريب. و لا تزال دول المنطقة منخرطة، ولكن لديها أوهام أقل.
ولم يعد الهدف هو استقرار أفغانستان ذاتها، ولكن إدارة تداعيات استمرار هشاشتها. ويعد الاحتواء، في هذا السياق، سياسة تهدف إلى تقليص تكاليف انعدام استقرار أفغانستان بدون تحمل المسؤولية عن الاستقرار السياسي الداخلي في البلاد. ويتم التعامل مع أفغانستان بشكل متزايد على أنها أقل من شريك يتعين تنميته وعلى نحو أكثر كمصدر خطر يتعين إدارته. هذا التطور أكثر وضوحا بين جيران أفغانستان المباشرين. وتواجه باكستان وإيران ودول آسيا الوسطى جميعا تداعيات مباشرة من إنعدام الاستقرار داخل أفغانستان. ومع ذلك، لا يبدو أن أي واحدة من هذه الدول تبدى استعدادا لانتهاج استراتيجيات طموحة لبناء النفوذ.
وتتسم سياسات هذه الدول بالطابع الدفاعي، وتهيمن عليها إدارة الحدود والتنسيق الأمني والحد من الضرر، فيما يتواصل الانخراط، لكن يتم تقييده بدقة.
وتوضح تجربة باكستان حدود الانخراط في ظل هذه الظروف. ورغم الحفاظ على قنوات الاتصال مع كابول، لا تزال إسلام آباد تواجه نشاطا مسلحا مستمرا عبر الحدود وحوادث أمنية متزايدة على طول الحدود الأفغانية. وقد أشار المسؤولون الباكستانيون على نحو متكرر إلى وجود جماعات مسلحة تعمل إنطلاقا من الأراضي الأفغانية. وبالنسبة لإسلام آباد، تحولت الأولوية بشكل متزايد من تشكيل النتائج في أفغانستان إلى منع انتشار انعدام الاستقرار إلى أراضيها. ويتبع نهج إيران منطقا مماثلا. وعلى الرغم من المبادرات الدبلوماسية من حين لآخر والبيانات الرسمية التي تؤكد على التعاون الإقليمي، فإن سياسة طهران تجاه أفغانستان تشكلها في المقام الأول الضغوط على طول حدودها الشرقية. وتفرض تدفقات اللاجئين وتهريب المخدرات والنزاعات حول الموارد المائية المشتركة وانعدام الأمن عبر الحدود، تكاليف دائمة.
ووفقا لبيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بشأن النزوح الأفغاني، لا يزال هناك ملايين الأفغان في الدول المجاورة، حيث تستضيف إيران واحدة من أكبر المجموعات السكانية.
مواقف حذرة
وبالمثل اتخذت الصين وروسيا، اللتان يتم غالبا وصفهما بأنهما المستفيدتان من انسحاب الغرب، مواقف حذرة، حددت بتجنب الالتزامات الاقتصادية أو الأمنية الضخمة.
وتؤكد الدولتان على الحوار الإقليمي وتعارضان السياسات التي تعمق عزلة أفغانستان. وينصب اهتمامهما على ألا تصبح أفغانستان مصدرا للتهديدات عبر الحدود الوطنية، بما في ذلك الإرهاب والتهريب .
وتحتل هذه المخاطر مكانا بارزا في التقييمات الإقليمية وتقارير الرقابة الرسمية، كما انعكس ذلك في التقارير الأمنية. وتحتل إعادة الإعمار أو التغيير السياسي مرتبة أدنى بكثير. ويتم أعطاء الأفضلية للاستقرار، حتى إن لم يكن كاملا، على عدم اليقين الصادر من أفغانستان. وقامت جمهوريات آسيا الوسطى بتعديل توقعاتها. وأدى التفاؤل المبكر بشأن ممرات التجارة وربط شبكات الطاقة إلى اتاحة المجال أمام إجراء تقييم أكثر تقييدا بشأن المخاطر.
ويعطي الانخراط اليوم الأولوية لأمن الحدود، والتجارة المحدودة، والتنسيق مع الدول الفاعلة الإقليمية الأكبر. وأدت المخاوف بشأن تداعيات انتشار تهريب المخدرات، التي تم توثيقها في تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة بشأن إنتاج الأفيون الأفغاني، إلى تعزيز هذا الحذر.
ولم تختف الدبلوماسية نفسها، ولكن طرأ تغيير على دورها حيث ازداد التنسيق بشأن إدارة الأعراض، حتى في الوقت الذي تقلصت فيه الجهود الجماعية لمعالجة الأسباب الجوهرية. وتتواصل الاجتماعات والمشاورات الإقليمية، لكنها الآن تعمل بشكل أساسي كأدوات لإدارة الأخطار المشتركة وليس كمنصات لحل المشاكل الجماعية. وقد عزز غياب جهة فاعلة خارجية هذا التوجه. وخلال سنوات التواجد العسكري والسياسي الغربي المستمر، قامت دول المنطقة بتكييف وضبط سياساتها على أساس وجود الولايات المتحدة وحلفائها، حتى عندما اختلفت مع الاستراتيجيات الغربية.
وتلاشت تلك النقطة المرجعية بشكل كبير، وما تبقى هو بيئة إقليمية متشرذمة. وتعمل الدول في الأساس لحماية المصالح المباشرة، دون تحمل مسؤولية عن اتجاه المسار الداخلي في أفغانستان. ولا يعني هذا أن جميع جهود التكامل قد تلاشت. فلا تزال بعض المبادرات تصور أفغانستان كممر تجاري محتمل أو همزة وصل اقتصادية، بصفة خاصة في آسيا الوسطى وفي مناقشات تشارك فيها الهند وإيران وروسيا. ومع ذلك، فإن هذه الجهود مقيدة بشدة وتفترض أن نظام الحكم الداخلي لطالبان لن يطرأ عليه أي تغيير. وتعزز التوقعات الاقتصادية المحدودة بشأن أفغانستان، التي تضمنها استعراض عام للبنك الدولي بشأن البلاد.
وتتمثل الخطورة على المدى الطويل في أن يعزز الاحتواء نفسه . وفي الوقت الذي تضخ فيه الدول المجاورة لأفغانستان مزيدا من الاستثمارات لضبط الحدود والردع والعزل، تتقلص أكثر الحوافز التي تدفع إلى مزيد من الانخراط.
ومع مرور الوقت، يمكن أن يؤدي ذلك إلى دورة تتزايد فيها عزلة أفغانستان، ويظل التنسيق الإقليمي ضحلا، ويصبح انعدام الاستقرار وضعا طبيعيا. وتحل إدارة المخاطر محل أي جهد لمعالجة أسبابها. وتعد تداعيات هذا التحول كبيرة. وربما يقلص النهج الذي يركز على الاحتواء هذه التداعيات على المدى القصير، لكنه ليس كافيا صوب تحقيق الاستقرار على المدى الطويل.
ويقلص التعامل مع أفغانستان كونها في الأساس مصدرا للمخاطر، فرص التغيير ويعمق عزلتها لم تختف أفغانستان من الحسابات الإقليمية، حيث لا تزال مصدر قلق مستمر وحاضر دائما ولكن لم يتم علاجه، ويكمن الخطر في تطبيع هذا الوضع. وفي الوقت الذي يصبح فيه الاحتواء هو الوضع المعتاد، هناك خطر يتمثل في قبول انعدام الاستقرار كحالة دائمة وليس مشكلة يجب معالجتها.
واختتمت آمان تقريرها بالقول إن حقبة الاستقرار أفسحت المجال أمام نهج الإدارة والتخفيف من حدة الوضع. وما زال من غير المؤكد ما إذا كان هذا النهج يمكن أن يمنع المزيد من التدهور أم يؤخره فقط. وأن الأمر الواضح هو أن الدبلوماسية الإقليمية بشأن أفغانستان دخلت مرحلة أكثر تقييدا وواقعية، يشكلها على نحو أقل الطموح و على نحو أكثر الضرورة.
