حرب بعيدة وأثرها قريب: كيف يعيش الغزيون تداعيات الحرب بين إيران وإسرائيل
د.حكمت المصري
بينما تتجه أنظار العالم إلى التصعيد العسكري المتسارع بين إيران وإسرائيل، وما يرافقه من دعم وتحركات عسكرية تقودها الولايات المتحدة في المنطقة، يعيش سكان قطاع غزة حالة من القلق والترقب الثقيل.
فبالنسبة للغزيين، لا تبدو هذه الحرب بعيدة كما قد يعتقد البعض؛ إذ إن كل تصعيد إقليمي يحمل في طياته تداعيات مباشرة على حياتهم اليومية، في قطاع يعاني أصلًا من حرب وحصار طويل وأزمة إنسانية غير مسبوقة.
فالقطاع الذي يقطنه أكثر من 2.2 مليون فلسطيني يعيش منذ أشهر طويلة تحت وطأة الدمار والنزوح الجماعي والانهيار الاقتصادي، فيما يعتمد جزء كبير من السكان على المساعدات الإنسانية لتأمين الحد الأدنى من الغذاء والاحتياجات الأساسية.
وفي ظل هذا الواقع الهش، يخشى كثير من السكان أن يؤدي اتساع دائرة المواجهة في المنطقة إلى تشديد القيود على المعابر وتعطل وصول المساعدات الإنسانية، ما قد يعيد شبح المجاعة ونقص الأدوية إلى الواجهة من جديد.
الأسواق تعكس القلق: ازدحام وشراء بدافع الخوف
في أحد الأسواق الشعبية وسط غزة، تبدو علامات القلق واضحة على وجوه المواطنين، يقف عشرات منهم أمام محال بيع المواد الغذائية، بينما يسارع آخرون إلى شراء الدقيق والمواد الأساسية وتخزينها.
يقول أبو محمد، وهو نازح يقيم في خيمة منذ عدة أشهر:
"كلما سمعنا عن حرب جديدة في المنطقة نشعر أن الوضع هنا سيسوء أكثر. نحن خرجنا بالكاد من مرحلة جوع قاسية، ولا نريد أن نعيشها مرة أخرى. نتابع أخبار المعابر ودخول المساعدات طوال اليوم، هناك تقليص واضح لأعداد شاحنات المساعدات التي تدخل غزة، خصوصًا بعد بدء الحرب الإيرانية الإسرائيلية."
وبحسب تقديرات منظمات إنسانية، فإن أكثر من 80% من سكان غزة يعتمدون اليوم على المساعدات الغذائية كمصدر أساسي للعيش، بعد أن فقد عشرات الآلاف مصادر دخلهم نتيجة تدمير المؤسسات الاقتصادية وإغلاق كثير من الأنشطة التجارية خلال الحرب.
كما تشير بيانات إنسانية إلى أن مستويات انعدام الأمن الغذائي في غزة وصلت إلى مستويات خطيرة، حيث تواجه آلاف العائلات صعوبة في تأمين وجبات يومية كافية.
في هذا السياق، يقول حسن قاسم، وهو أحد التجار في سوق اليرموك الشعبي، إن الأخبار القادمة من المنطقة تؤثر مباشرة على سلوك الناس في الأسواق.
"بمجرد انتشار أخبار عن حرب جديدة، يبدأ الناس بشراء كميات أكبر من الطعام خوفًا من نقص الإمدادات. الخوف واضح على المواطنين الذين عانوا من المجاعة في السنوات الأخيرة."
المرضى: معاناة مضاعفة وانتظار بلا موعد
لكن الأزمة الأكثر قسوة تظهر في المستشفيات والمراكز الطبية، حيث يعيش آلاف المرضى حالة انتظار طويلة للسفر وتلقي العلاج خارج القطاع.
فمع استمرار إغلاق معبر رفح، وهو المنفذ الرئيسي لسفر المرضى والجرحى، تتعطل فرص العلاج أمام مئات الحالات التي تحتاج إلى تدخلات طبية متقدمة غير متوفرة داخل غزة.
تشير تقديرات طبية إلى أن آلاف المرضى مسجلون في قوائم السفر للعلاج في الخارج، بينهم مرضى سرطان وأطفال يعانون أمراض القلب وأمراضًا مزمنة معقدة.
إيمان حمدونة، وهي والدة طفلة تبلغ من العمر ثلاث شهور تعاني من مشاكل في الكبد والطحال، تقول إن الأطباء أكدوا ضرورة إجراء عملية جراحية عاجلة لابنتها خارج غزة.
تقول وهي تحمل أوراق التحويلة الطبية الخاصة بطفلتها داخل مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح:
"الأطباء قالوا إن العملية يجب أن تتم في أقرب وقت، لكن المعبر مغلق ونحن ننتظر. فقدت ابني نضال ذو الثلاث سنوات قبل أسبوعين، كان يعاني من نفس المرض، قضى معظم وقته داخل المستشفى، لكنه لم يستطع السفر بسبب إغلاق المعابر."
وتضيف بصوت خافت: "كل يوم يمر وأنا في حالة خوف من تدهور حالة طفلتي التي تسوء حالتها يومًا بعد يوم."
أما محمود بنات، الذي يعاني من مرض السرطان، فيقول إن تأجيل سفره للعلاج عدة مرات جعله يشعر أن حياته معلقة بقرار سياسي:
"الحرب ليست هنا، لكن تأثيرها علينا كبير. العلاج يتأخر والوقت يمر."
ويقول محمود إن متابعة الأخبار أصبحت جزءًا من حياتهم اليومية، لأن أي تطور سياسي أو عسكري قد ينعكس مباشرة على ظروفهم المعيشية.
ويؤكد أطباء أن المنظومة الصحية في غزة تعمل فوق طاقتها، في ظل نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، إلى جانب تضرر عدد من المستشفيات خلال الحرب.
مخيمات النزوح: حياة مؤقتة بلا أفق
بعيدًا عن الأسواق والمستشفيات، يعيش مئات الآلاف من الفلسطينيين في خيام النزوح التي تحولت إلى مشهد دائم في مناطق واسعة من غزة. تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن مئات الآلاف من السكان ما زالوا يعيشون في مراكز إيواء أو خيام مؤقتة بعد أن دمرت منازلهم أو اضطروا للنزوح عدة مرات خلال الحرب.
في أحد المخيمات المؤقتة، تقول أم مهند، وهي أم لخمسة أطفال، إنها نزحت عشر مرات منذ بداية الحرب: "نحن نعيش في خيمة منذ سنوات. لا يوجد ماء كافٍ ولا كهرباء ولا مقومات للحياة، والآن نخاف أن تؤدي الحرب في المنطقة إلى توقف المساعدات." وتضيف: "إذا أغلقت المعابر أكثر، كيف سنعيش؟ العالم كله منشغل بحرب إيران وإسرائيل ونسوا ما يحدث في غزة منذ سنوات."
محللون: غزة أول المتأثرين بأي تصعيد إقليمي
ويرى محللون سياسيون أن قطاع غزة غالبًا ما يكون من أول المناطق التي تتأثر بأي اضطراب في المنطقة. ويقول الكاتب والمحلل السياسي الدكتور سفيان صيام إن التصعيد بين إيران وإسرائيل يحمل أبعادًا إقليمية معقدة قد تؤثر على الوضع الإنساني في غزة. "في حال توسعت المواجهة، قد تتجه إسرائيل إلى تشديد القيود الأمنية على المعابر والإمدادات القادمة إلى القطاع."
ويضيف: "غزة تعيش أصلًا وضعًا إنسانيًا هشًا للغاية، وأي اضطراب إقليمي يمكن أن يفاقم الأزمة."
ويرى صيام أن انخراط الولايات المتحدة في دعم إسرائيل عسكريًا وسياسيًا قد يزيد من احتمالات اتساع الصراع في المنطقة. وأشار إلى أن أي مواجهة واسعة قد تؤدي إلى إعادة ترتيب أولويات الدول والجهات الدولية، ما قد ينعكس على مستوى الاهتمام بالأزمة الإنسانية في غزة. ويرى أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة حساسة، حيث يمكن لأي خطأ في الحسابات العسكرية أن يؤدي إلى مواجهة أوسع قد تمتد آثارها إلى عدة دول.
غزة تدفع الثمن دائمًا
في غزة، لا يحتاج السكان إلى أن تسقط الصواريخ فوق رؤوسهم كي يشعروا بآثار الحرب.
فالحروب في المنطقة تصل إلى القطاع بطرق مختلفة: إغلاق المعابر، تأخر المساعدات، ارتفاع الأسعار، وتعطل سفر المرضى. وفي خيمة صغيرة وسط أحد مخيمات النزوح، يقول حاتم سعود وهو يتابع الأخبار عبر هاتفه المحمول: "نحن تعبنا من الحروب. حتى عندما تقع في أماكن بعيدة، نجد أنفسنا ندفع ثمنها. كل ما نريده هو أن نعيش حياة طبيعية مثل بقية الناس."
لكن بالنسبة لكثير من سكان غزة، تبدو الحياة الطبيعية حلمًا بعيد المنال. فبين الحصار المستمر والدمار الواسع والنزوح الجماعي، يعيش السكان حالة من الانتظار الدائم: انتظار خبر يخفف من معاناتهم، أو قرار يفتح المعابر، أو نهاية لحروب لا يملكون فيها قرارًا. وفي ظل التصعيد المتسارع في المنطقة، يبقى السؤال الذي يتردد على ألسنة كثيرين هنا: هل تتحول هذه الحرب البعيدة إلى أزمة جديدة تضيف فصلًا آخر من المعاناة في غزة؟
