No Image
العرب والعالم

حرب المسيّرات تُرعب المدنيين في السودان

30 مارس 2026
30 مارس 2026

الخرطوم "أ. ف. ب": يراقب التاجر حامد حميدان السماء باستمرار في كردفان، التي تحولت إلى إحدى أعنف ساحات القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، خشية الطائرات المسيّرة التي باتت تبث الرعب في حياة السكان.

وقال حميدان (53 عاما) لوكالة فرانس برس في رسالة نصية من مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، حيث تمكن الجيش في يناير من كسر حصار فرضته قوات الدعم السريع، إن "المسيّرات لا تغيب عن المدينة، وقد سببت لنا رعبا مستمرا".

وبعد ثلاث سنوات من اندلاع النزاع، أصبحت الضربات شبه اليومية بالمسيّرات توقع عشرات القتلى في كل مرة، مستهدفة أسواقا ومنازل ومستشفيات من دون إنذار مسبق.

وازداد اعتماد الطرفين على هذه الطائرات في سعيهما للسيطرة على مناطق ميدانية، ما أثار إدانات متكررة من الأمم المتحدة، وكشف استمرار تدفق الإمدادات من داعمين خارجيين.

وقالت الأمم المتحدة هذا الأسبوع إن ضربات المسيّرات أسفرت عن مقتل أكثر من 500 مدني بين يناير ومنتصف مارس، في مؤشر إلى "الأثر المدمر للأسلحة عالية التقنية والمنخفضة الكلفة نسبيا في المناطق المأهولة".

يمكننا التمييز بينهما

في مدينة الأبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، حيث تحاول قوات الدعم السريع إعادة فرض حصار منذ أشهر، يقول السكان إنهم باتوا قادرين على التمييز بين أنواع الطائرات المسيّرة التي تحلق في الأجواء.

وقال عثمان عبد الكريم (46 عاما)، وهو موظف حكومي، "قبل شهر رمضان كانت المسيرات لا تغيب عن سماء المدينة"، مضيفا لفرانس برس "لكنها الآن خفت كثيرا وصرنا نعرف أنواعها الانتحارية والاستراتيجية".

ويستخدم الطرفان نوعين رئيسيين من المسيّرات: طائرات صغيرة منخفضة الكلفة، يُركّب بعضها من مكونات متاحة تجاريا وتُزوّد بمتفجرات، وتُعرف بـ"الكاميكازي" أو الانتحارية لأنها تنفجر عند الاصطدام. وأخرى "استراتيجية" أكثر تطورا وكلفة، يصل مداها إلى مئات الكيلومترات وقادرة على حمل أوزان كبيرة والعودة إلى قواعدها.

وتقول منظمة العفو الدولية إن قوات الدعم السريع تمتلك مسيّرات صينية حصلت عليها عبر حلفائها، الإمارات العربية المتحدة التي تنفي ذلك، فيما يستخدم الجيش طائرات مسيّرة تركية وإيرانية.

وأدى هذا التهديد المستمر إلى اضطراب واسع في المجتمع.

وقالت غريس وايريما ندونغو من منظمة "ميرسي كوربس"، وهي من بين المنظمات القليلة التي لا تزال تعمل في كردفان، إنه "عندما تضرب هذه الطائرات المسيرة أي موقع - سوقا أو مستشفى أو مدرسة، كما رأينا مؤخرا - يتجاوز الأثر الخسائر البشرية المباشرة".

وأضافت لفرانس برس أن العائلات "تفقد إمكانية الحصول على الغذاء"، مع مغادرة التجار إلى مناطق أكثر أمانا وارتفاع الأسعار في مدن مهددة أصلا بالمجاعة، فضلا عن تعقّد وصول المساعدات.

الجميع يفرونّ

ومع عجز الطرفين عن تحقيق نصر حاسم ميدانيا، لجآ إلى استخدام المسيّرات لإلحاق أكبر قدر من الضرر بأقل المخاطر على قواتهما المنهكة، ما أدى إلى استهداف مناطق كانت بمنأى نسبيا عن القتال. وفي مارس، هزّ انفجار قرية شكيري الواقعة غرب الدويم في ولاية النيل الأبيض شرق كردفان.

وقال هاشم الصالح "كنا نظن أن الحرب ابتعدت عنا، حتى ضربت تلك المسيّرة"، مشيرا إلى أنه فقد خمسة من أقاربه بينهم طفلان.

وطالت الضربة مدرسة ثانوية وعيادة، ما أسفر عن مقتل 17 مدنيا على الأقل، وفق الأمم المتحدة.

وأضاف الصالح "بعد ما رأيناه، نخشى أن تتعرض القرية لغارة جديدة".

وشهدت ولاية النيل الأبيض هذا الشهر غارات متقطعة بطائرات مسيّرة، خصوصا على مدينة كوستي الكبرى، حيث أدى هجوم على سكن جامعي إلى إصابة سبعة طلاب، فيما استهدفت ضربة أخرى محطة أم دباكر لتوليد الكهرباء، متسببة بانقطاع واسع في التيار.

وعلى بعد أكثر من 700 كيلومتر غربا، في مناطق خاضعة لقوات الدعم السريع، استهدفت ضربة للجيش الأسبوع الماضي مستشفى الضعين التعليمي في شرق دارفور، ما أسفر عن مقتل 70 شخصا وإصابة 146 آخرين.

وقال المزارع محمد ساير (63 عاما)، الذي شهد قبل أسبوعين غارة أخرى أدت إلى حريق هائل في سوق المدينة، في اتصال عبر الإنترنت بالأقمار الاصطناعية "كنت قريبا ورأيت القتلى والجثث متفحمة".

وفي أسواق عدة في أنحاء البلاد، بات تجار مثل حميدان معتادين على هذا المشهد المأساوي المتكرر. وقال "بمجرد ظهور المسيّرات، نجمع بضاعتنا ويختفي الزبائن خوفا على أنفسهم".