No Image
العرب والعالم

جرافات الاحتلال تعيد رسم حدود غزة تحت غطاء «خطة ملادينوف»؟

30 مارس 2026
30 مارس 2026

غزة- «عُمان»- بهاء طباسي

بينما تتجه أنظار العالم صوب الجبهات المشتعلة إقليمياً وترقب مآلات الصراع بين طهران وتل أبيب، يبدو أن جرافات الاحتلال في قطاع غزة تعمل بصمتٍ لا يقل ضجيجاً عن أزيز الطائرات؛ إذ تكشف صور الأقمار الصناعية الحديثة عن واقعٍ جيوسياسي جديد يتجاوز فكرة «التموضع العسكري المؤقت» ليرسخ ما بات يُعرف بـ«الخط الأصفر» كحدود فعلية بديلة، تُقضم من خلالها مساحات شاسعة من عمق القطاع.

هذا التحول الميداني، الذي رصدته صحيفة «هآرتس» العبرية عبر تحليل صور الأقمار الصناعية، كشف عن إنشاء 32 بؤرة استيطانية وجدار بري يمتد لعشرة أميال، في خطوة تقوض آمال الانسحاب التدريجي المنصوص عليه في تفاهمات وقف إطلاق النار.

وأفاد تقرير «هآرتس» المستند لبيان «Planet Labs PBC» المؤرخ في 6 مارس 2026، أن جيش الاحتلال استبدل الخيام المؤقتة بمنشآت ثابتة تضم طرقًا معبدة بالأسفلت وأبراج مراقبة ذكية ومنظومات استشعار، مما يحول مناطق التماس إلى «منطقة عازلة محصنة» تتوغل لمئات الأمتار داخل أراضي بيت حانون، جباليا، وخان يونس.

هندسة القضم.. من الثكنة إلى الحدود

لم يعد «الخط الأصفر» مجرد شريط عسكري عازل، بل تحول وفق القراءة الميدانية إلى «جدار فصل غزي» يقتطع أطراف القطاع.

يرى خليل التفكجي، مدير دائرة الخرائط في بيت الشرق سابقاً، أن ما يجري هو إعادة هندسة شاملة لغزة؛ إذ يقول: «إن الـ32 بؤرة المرصودة ليست مجرد نقاط ارتكاز لوجستية، بل هي رؤوس جسور استراتيجية تهدف لفرض واقع استيطاني وأمني مستدام، يحول القطاع إلى معازل يسهل التحكم بها وفصلها عن بعضها البعض».

ويوضح التفكجي لـ«عُمان» أن المسافات التي تظهرها الصور (من 250 إلى 600 متر داخل العمق الغزي) تعني خسارة آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية والحيوية، مما يجعل أي حديث عن «وحدة جغرافية» للقطاع في أي تسوية قادمة أمراً صعباً جداً.

خطة ملادينوف.. الوجه السياسي للخط الأصفر

بالتزامن مع تحركات الجرافات، برزت خطة الممثل السامي لغزة، نيكولاي ملادينوف، كإطار سياسي يكمل المشهد العسكري. وتربط الخطة دخول «اللجنة الوطنية» لتسلم المهام الإدارية في قطاع غزة بشرط تعجيزي: «نزع سلاح حماس وتفكيك قدراتها العسكرية كشرط مسبق».

تتبلور خطة ملادينوف حول «معادلة الأمن مقابل الإدارة»، حيث تشترط البدء الفوري بمسار تفكيك القدرات العسكرية للفصائل كضمانة دولية للسماح بدخول المساعدات الإنسانية الكبرى وإطلاق عملية الإعمار، معتبراً أن وجود أي «مظهر مسلح» خارج إطار السلطة الرسمية الموحدة سيعطل مهام «اللجنة الوطنية».

هنا، يربط د. هاني المصري، مدير مركز «مسارات»، بين الضغط الميداني والمناورة السياسية، موضحًا لـ«عُمان»: «نحن أمام عملية ابتزاز مركبة؛ فالاحتلال يثبت أقدامه عبر الخط الأصفر ليقول إنه باقٍ، بينما تقدم خطة ملادينوف مخرجاً مشروطاً بنزع السلاح، وهو ما يعني عملياً تسليم القطاع تحت مظلة وصاية دولية وإدارية لا تملك من أمرها شيئاً أمام التفوق العسكري الإسرائيلي المتربص على الحدود الجديدة».

قراءة في العقل الصهيوني

تطرح صور الأقمار الصناعية تساؤلاً حول الموجه الحقيقي لهذه التحركات؛ هل هو الجيش بضروراته الأمنية، أم اليمين المتطرف بطموحاته الاستيطانية؟

الباحث المختص في الشأن الإسرائيلي، أنطوان شلحت، يرى أن التمييز بينهما بات يتلاشى؛ إذ يقول: «إن الخط الأصفر ليس مجرد رد فعل عسكري، بل هو ترجمة لرؤية اليمين التي ترفض الانسحاب الكامل».

ويوضح لـ«عُمان»: «الجيش ينفذ ما يسميه (الحدود الدفاعية المرنة)، لكنه في الحقيقة يفرش السجاد الأحمر لبقاء طويل الأمد يمنع قيام أي كيان فلسطيني متصل». ويؤكد شلحت أن تقارير «هآرتس» تعكس صراعاً داخلياً حول جدوى هذا البقاء، لكن الواقع على الأرض يتجه نحو «الضم الزاحف» تحت غطاء الأمن.

مأزق الشرعية والرفض القاطع

على الجانب الآخر، جاء رد فعل المقاومة حاداً وحاسماً؛ إذ أكد عضو المكتب السياسي لحركة حماس، باسم نعيم، أن خطة ملادينوف تمثل «محاولة لقلب المسار بما يخدم أجندات الاحتلال»، واصفاً إياها بأنها التفاف على «اتفاق شرم الشيخ» وقرارات مجلس الأمن وحتى «خطة ترمب» نفسها.

ويرى نعيم أن ملادينوف يتحدث عن «اختراقات» لوقف إطلاق النار متجاهلاً أن الإسرائيلي هو الطرف الوحيد الذي يخترق الاتفاق، عبر قتل أكثر من 750 مواطناً وجرح 1800 منذ بدء التفاهمات، فضلاً عن تعمده «إزاحة الخط الأصفر» باتجاه العمق الفلسطيني لفرض حدود جديدة بالقوة.

وكشفت وثيقة اطلعت عليها رويترز عن اختلال بنيوي في خطة ملادينوف؛ حيث تدمج الملفين الأمني والإنساني في إطار واحد يقوم على مبدأ «الخطوة مقابل الخطوة»، وهو ما يحول الحقوق الأساسية كالإعمار وتخفيف المعاناة إلى أداة ضغط سياسي، مما يضع السكان أمام مقايضة قاسية بين لقمة العيش وبين واقعهم الأمني والعسكري.

قانونياً، يرى د. شعوان جبارين، مدير مؤسسة «الحق»، أن هذه الإجراءات تمثل خرقاً جسيماً للقانون الدولي؛ ويؤكد لـ«عُمان»: «إن إنشاء بؤر وجدران داخل الأراضي المحتلة هو ضم فعلي ينسف مبدأ وحدة الأراضي الفلسطينية». ويؤكد أن «المجتمع الدولي الذي يسوق لخطة ملادينوف يتجاهل أن الاحتلال يبني حقائق مادية تجعل من أي حل سياسي مجرد وهم قانوني».

غزة بين فكين

ويرى جبارين أن جرافات الاحتلال تتقاطع مع مسودات الوسطاء لترسم مستقبلاً غامضاً لقطاع غزة؛ فبينما يطالب العالم بفتح المعابر، يغلق «الخط الأصفر» آفاق الحرية، وبينما تبحث الدبلوماسية عن «لجان وطنية» لإدارة الأنقاض، تضمن البؤر الاستيطانية الـ32 أن تبقى الكلمة العليا لمن يملك الزناد خلف تلك الجدران. ويؤكد أن المعركة القادمة في غزة قد لا تكون بالصواريخ فحسب، بل ستكون معركة على «المسطرة والقلم»، حيث يحاول الفلسطينيون التمسك بحدودهم التاريخية، بينما يكتب الاحتلال بالأسمنت المسلح فصلاً جديداً من فصول التجزئة والضم.