No Image
العرب والعالم

حرب استنزاف وتقطير يشنها الاحتلال والعالم مشغول

24 مارس 2026
غزة في مرمى الحرب على إيران..
24 مارس 2026

غزة - «عُمان»- بهاء طباسي

استفاق قطاع غزة يوم أمس الاثنين على وقع تصعيد ميداني متسارع، لم يترك للمواطنين فرصة لالتقاط الأنفاس، حيث وجد القطاع نفسه وحيداً في مواجهة آلة استنزاف إسرائيلية تتغذى على انشغال العالم بساحات المواجهة الكبرى في الإقليم. فبينما تتسارع وتيرة الأحداث على الجبهة الإيرانية المشتعلة منذ ثمانية وعشرين فبراير الماضي، كانت أزقة غزة ومياه بحرها تضيق بخروقات الاحتلال التي لم توفر صياداً في قاربه ولا شقة سكنية في قلب الحارة.

الواقع الذي تبلور خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، كشف عن إستراتيجية إسرائيلية تعتمد «تفكيك الاتفاقات» بصمت؛ فمن استهداف مركبات الشرطة في النصيرات إلى خنق المعبر الوحيد المتبقي، تبدو الصورة وكأنها محاولة لإعادة إنتاج الحصار بصور أكثر قسوة. لقد تحول المشهد من مجرد خروقات لوقف إطلاق النار إلى عملية قضم تدريجي لما تبقى من مقومات الحياة والخدمات الإنسانية المتهالكة.

بدورها، ترصد «عُمان»، تفاصيل الساعات الماضية التي شهدت تحولاً خطيراً في ملف معبر رفح، بعد أن أدى اعتقال مسافر عائد إلى تعليق عمل البعثة الأوروبية، مما وضع آلاف المرضى والجرحى في مهب ريح مجهولة، بالتزامن مع قصف مدفعي وجوي طال مختلف محافظات القطاع، مستهدفاً الكوادر الأمنية والمدنيين على حد سواء.

نزيف المعابر

في تطور دراماتيكي أعاد الأوضاع في جنوب القطاع إلى نقطة الصفر، كشفت مصادر محلية، اليوم، عن تعليق بعثة المراقبة الأوروبية لعملها في معبر رفح البري بشكل رسمي. هذا القرار جاء احتجاجاً على إقدام جيش الاحتلال الإسرائيلي على اعتقال المواطن «عطا الهواش» أثناء عودته إلى القطاع مساء الأحد، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ إعادة افتتاح المعبر في الثاني من فبراير الماضي.

وروى شهود عيان من عائلة المعتقل تفاصيل صادمة لـ«عُمان» مؤكدين أن جيش الاحتلال احتجز الهواش عند نقطة تفتيش رغم وجود ممثلي وكالة الأونروا والصليب الأحمر. يقول أحد الأقارب: «انتظرنا سبع ساعات متواصلة، ورغم تأكيدات مندوبي الصليب الأحمر أنهم لن يغادروا بدونه، إلا أن جيش الاحتلال أصر على اعتقاله ونقله إلى مراكز التوقيف».

من جهتها، اعتبرت البعثة الأوروبية أن هذا الإجراء يمثل خرقاً فاضحاً للاتفاقات الموقعة، مما أدى إلى توقف العمل بالمعبر بانتظار نتائج المباحثات المكثفة الجارية للإفراج عن المعتقل وضمان عدم تكرار الحادثة.

قطرة في بحر

هذا الإغلاق المفاجئ جاء ليقطع الأمل الضئيل الذي لاح في الأفق خلال الأيام الماضية. وفي تصريح صحفي كشف إسماعيل الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي، عن إحصائية مفصلة لحركة المعبر، مبيناً أن إجمالي من تمكنوا من المغادرة للعلاج منذ إعادة فتح المعبر في التاسع عشر من مارس الجاري لم يتجاوز 45 حالة فقط، وزعت بين 25 جريحاً في اليوم الأول و20 حالة يوم الأحد.

وأوضح الثوابتة أن المشهد يزداد تعقيداً منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث لم يغادر القطاع سوى 50 مريضاً ومرافقاً فقط، مقابل عودة 53 مواطناً عبر المعبر خلال الفترة ذاتها.

وعلى نطاق أوسع، أشار الثوابتة إلى أن إجمالي المغادرين منذ إعادة فتح المعبر في الثاني من فبراير الماضي بلغ 1125 مريضاً ومرافقاً، بينما سجلت حركة العودة 912 مواطناً، وهي أعداد يصفها بأنها «قطرة في بحر» الاحتياجات الطبية المتصاعدة، إذ يتهدد خطر الموت ما يزيد على 20 ألف جريح ومريض، من بينهم نحو 3000 طفل.

فاتورة الدم

ميدانياً، تُفصح الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة بغزة عن واقع مرير؛ حيث أفادت الوزارة في تصريح لـ«عُمان» بارتقاء 9 شهداء، من بينهم شهيد متأثر بإصابته، وإصابة 30 آخرين، كإجمالي ما وصل للمستشفيات خلال أيام عيد الفطر المبارك.

وتؤكد هذه الإحصائية أن الاحتلال استغل أيام العيد لتكثيف ضرباته، حيث ارتقى أمس الاثنين ثلاثة من ضباط الشرطة في قصف استهدف مركبتهم بمخيم النصيرات، تلاه إصابة سيدة برصاص الاحتلال في مخيم حلاوة، وأربعة مواطنين إثر استهداف شقة سكنية بـ «عمارة التاج» في شارع اليرموك بمدينة غزة.

وبنظرة تراكمية، كشفت الصحة أن إجمالي الشهداء منذ اتفاق وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر الماضي بلغ 687 شهيداً و1845 إصابة، إضافة إلى 756 حالة انتشال. أما الفاتورة الكلية منذ بداية العدوان في السابع من أكتوبر 2023، فقد قفزت إلى 72,263 شهيداً و171,944 إصابة، مع التأكيد على أن أعداداً كبيرة من الضحايا لا تزال تحت الركام وفي الطرقات، حيث تعجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليها نتيجة الاستهداف المباشر أو انعدام الإمكانيات.

استهتار بمشاعر المسلمين

وفي سياق متصل، لم تتوقف الخروقات الميدانية عند اليابسة، بل امتدت لتطال عرض بحر دير البلح وخانيونس والشمال بنيران مكثفة من الزوارق الحربية الإسرائيلية، فيما شهد محيط منطقة «السنافور» بحي التفاح قصفاً مدفعياً وإطلاق نار من الآليات المتمركزة شرقي المدينة.

الناطق باسم حركة «حماس»، حازم قاسم، اعتبر في تصريح صحفي أن هذا التصعيد يشكل انتهاكاً صارخاً واستهتاراً بمشاعر المسلمين، مؤكداً أن الاحتلال يحاول استغلال «الضباب الإقليمي» لمواصلة حرب الإبادة.

إجمالًا، يبقى التساؤل معلقاً في أزقة غزة: هل سيصمد اتفاق وقف إطلاق النار أمام هذه الموجة من التصعيد الإسرائيلي الممنهج أم أن القطاع مقبل على جولة جديدة من المواجهة المفتوحة في ظل إغلاق المعابر واستمرار العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران؟