No Image
العرب والعالم

جنوب لبنان.. هل تعيد إسرائيل رسم الحدود بالنار؟

19 مارس 2026
19 مارس 2026

من بوّابة إعلان إسرائيل البدء بعمليّة عسكريّة بريّة في جنوب لبنان، وتلويح وزير دفاعها يسرائيل كاتس بـ"تدمير البنية التحتيّة لحزب الله، لتأمين الحماية لسكّان المستوطنات الشماليّة"، ومصادقة حكومتها على قرار هدم كلّ المنازل الواقعة في قرى الخطّ الأوّل في الجنوب، إرتفع منسوب الأسئلة المتعلّقة بما تشهده الجبهة الجنوبيّة حالياً، من تقدّم برّي للجيش الإسرائيلي، يعلو زخمه حيناً ويتراجع أحياناً، ومفادها: هل بات الجنوب أمام مرحلة جديدة من المواجهة، تعيد رسم جغرافيّته العسكريّة، وتفتح الباب أمام حرب استنزاف طويلة، أم "توغّل تكتيكي" محدود للسيطرة على نقاط إستراتيجية وفرض وقائع ميدانيّة جديدة؟

وبين قائل بأن العمليّة البريّة لا تُقرأ إلا في سياق محاولة إسرائيليّة متجدّدة لإعادة تشكيل المشهد الحدودي بالنار، في ضوء استمرار تلّ أبيب في تحشيداتها العسكرية، غداة دخول حربها على لبنان أسبوعها الثالث، إذْ بدأ التوغّل الإسرائيلي يتوسّع منذ يوم الإثنين الفائت، بمشاركة قوّات قُدّر عديدها بما بين 75 ألفاً و90 ألف جندي، وبين مؤكد بأن الجنوب سيبقى على حافة مرحلة قد تتحوّل إلى حرب استنزاف طويلة، فإن الثابت، بحسب قول مصادر سياسية متابعة، أن إسرائيل تتحضّر لحرب بريّة طويلة، بدليل حجم التحضيرات غير المسبوقة، سواء من حيث التعبئة العسكرية، ورفع منسوب التهديد بتوسيع "المنطقة العازلة" كيلومترات إضافية، للسيطرة على ما أسمتها "خطوط المواجهة" القريبة من حدود لبنان، أو من حيث الخطاب السياسي الذي بدأ يمهّد تدريجياً لمرحلة أكثر خطورة.

وعليه، فإن كلّ ما يحصل على الجبهة الجنوبيّة، من: قضم ميداني للحافة الأماميّة، تدمير للبنى التحتيّة، دفع إضافي نحو التهجير وخلق شريط ضغط أمني يجعل أيّ عودة إلى ما قبل الحرب أكثر تعقيداً، لا يعني، وفق الخبير في الشؤون العسكرية والإستراتيجية، العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر، أن يكون هناك اجتياح برّي إسرائيلي في الوقت الحاضر، فـ"العدوّ الإسرائيلي يريد أن يتوسّع ويتوغّل جنوباً، بهدف تسوية الحدود المشرفة على فلسطين المحتلّة، حيث أمن المستوطنات والمستوطنين بات مفقوداً بفعل نيران قصف المقاومة، وذلك من خلال احتلال المرتفعات المتبقيّة في القرى الخالية من سكّانها"، وفق قوله.

وقائع.. وتقديرات

وفيما التقارير المتداولة تتحدث عن تعبئة قد تتجاوز الـ100 ألف جندي، بين قوّات نظاميّة واحتياط، وهو رقم لا يمكن تفسيره، وفق القراءات المتعدّدة، على أنه مجرد ضغط عسكري محدود أو عملية موضعيّة، فإن ثمّة من يرى أن الأهمّ في كلّ هذه الحسابات، ليس فقط كيفية بدء المعركة، بل مسارها الزمني. ذلك أن هكذا نوع من العمليات لا يُحسم سريعاً، خصوصاً في بيئة جغرافية معقّدة مثل لبنان، حيث التجارب السابقة أظهرت أن الحروب البريّة تتحوّل سريعاً إلى استنزاف طويل.

إلى ذلك، تفيد تقديرات مصدر عسكري بارز، فضّل عدم الكشف عن اسمه، بوجود 3 سيناريوهات محتملة وغير مؤكدة في آن واحد، في ضوء الحشد العسكري الإسرائيلي في منطقة الحدود الشمالية مع لبنان. وذلك، بدءاً من إعادة الاعتبار إلى الشريط الحدودي الذي انسحب منه الجيش الإسرائيلي في 25 مايو عام 2000، أي أن تُقدِم إسرائيل على تجاوز الخطّ الأزرق بضعة كيلومترات (من 6 إلى 7 كيلومترات)، لتأمين "منطقة عازلة" جنوب نهر الليطاني، مروراً باحتلال قد يصل إلى العاصمة بيروت، يحاكي اجتياح 1982، ووصولاً إلى إدراج الأزمة اللبنانية تحت الفصل السابع في مجلس الأمن الدولي، وحينها تقوم قوّة دولية بمهمّة نزع سلاح "حزب الله".

وعلى المقلب الآخر من الصورة، تأكيد من المصدر العسكري نفسه عن أن حجم الألم الذي قد يتمكّن "حزب الله" من إلحاقه مجدّداً بإسرائيل سيبقى عاملاً حاسماً في تحديد مسار المعركة. ذلك أن إسرائيل لم تعد تعتبر أن أمنها يقوم على الردع من خلف الحدود فقط، بل على إنشاء هوامش ميدانيّة أمامية وفرض وقائع إحتلاليّة، قبل الذهاب إلى المفاوضات.

أما "حزب الله"، ووفق تأكيد أوساط مقرّبة منه، فماضٍ بالقتال حتى "النفس الأخير" في هذه المعركة الوجوديّة، بعيداً من التفاوض تحت النار، ورهانه على استنزاف القوّات الإسرائيلية، ولا سيّما إذا طال أمد الانتشار أو اتّسعت رقعة الاشتباك.

منطقة عازلة

وما بين حدَّي التقديرات العسكرية والوقائع الميدانيّة، يستبعد الخبير الإستراتيجي حصول سيناريو الاجتياح الإسرائيلي البرّي بمعناه الحقيقي، مرجّحاً "حصول تقدّم قدر الإمكان، للسيطرة على الحدود، وخلق نوع من المنطقة العازلة، من 5 إلى 10 كيلومترات عرضاً"، وذلك في مقابل "وجود مقاومة شرسة". ولعلّ ما يحصل في مناطق الخيام وعيترون وكفركلا الحدوديّة يقدّم، وفق تأكيده، صورة حقيقة عما يجري هناك من تصدٍّ مقاوم. فـ"الجيش الإسرائيلي، بفرقه الـ3 وبدباباته، لم يستطع حتى الآن أن يدخل إلى الخيام، بفعل هذا الواقع".

والإصرار الإسرائيلي على الدخول إلى "الخيام"، مردّه إلى موقعها الإستراتيجي، إذْ تشرف على عدد كبير من القرى الواقعة جنوب نهر الليطاني، وعلى سهل مرجعيون ووادي الحاصباني، كما تشكّل نقطة التقاء مع قرى في قضاءي حاصبيا وراشيا، وصولاً إلى البقاع الغربي. وعليه، فإن لهذا الإصرار هدفين رئيسيّين، بحسب الرواية الإسرائيلية: القضاء على قدرات "حزب الله" في إطلاق الصواريخ القصيرة المدى من القرى الأماميّة، سواء من نوع "كاتيوشا" أو "أغراد"، واستهداف قدرة الحزب على إطلاق صواريخ "كورنيت" المضادّة للدروع، والتي يتراوح مداها بين 5 و10 كيلومترات. وهنا، تشير المعلومات إلى أن الجيش الإسرائيلي سيطر على نحو 70% من "الخيام"، قبل أن يتراجع إلى جنوبها، بفعل المواجهة التي حصلت مع عناصر من "حزب الله".

أما أن يقول الإسرائيلي إن هدف الاجتياح البرّي هو نزع السلاح الثقيل لدى "حزب الله"، فمعناه، بحسب جابر، ضرورة طرح السؤال: "أين هو السلاح الثقيل الذي يُحكى عنه؟"، لافتاً إلى أن هذا السلاح، وخصوصاً منه الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى، غير موجود في جنوب الليطاني، بل في أماكن بعيدة، إنْ كان في شمال الليطاني أو في الأنفاق وبواطن الجبال، وخصوصاً أن مداها يتجاوز الـ100 كلم. وبالتالي، يضع جابر كلّ ما يُحكى عن الاجتياح البرّي، بهدف تفكيك قدرات "حزب الله"، في خانة "الادعاء الفارغ"، وإلا فإن "على إسرائيل أن تجتاح لبنان من أوّله إلى آخره"، إذْ لن يكفيها الدخول بعمق 8 أو 15 كيلومتراً، وهذا "أمر مستحيل"، يؤكد خاتماً.

.. والكلمة للميدان

وفي الانتظار، فإن ثمّة إجماعاً على أن كلّ الحسابات تبقى مرهونة بالميدان أولاً وأخيراً.. ميدان لم يعد مجرّد ساحة اشتباك، بل تحوّل إلى أداة لصوغ توازنات ما بعد المعركة. وميدان تشير مواجهاته إلى مأزق قد تواجهه إسرائيل، إذْ كلّما وسّعت نطاق احتلالها، سعياً إلى تحقيق قدر أكبر من الأمان، إزدادت احتمالات تحوّل هذا التوسّع إلى مصدر استنزاف دائم. فالتوغّل البرّي الموسّع محفوفٌ بالمخاطر، بفعل التضاريس الجبليّة وطبيعة القرى المتداخلة، مع ما يعنيه الأمر من احتمال تعرّض القوّات المتقدّمة لكمائن واشتباكات مباشرة. أما "المنطقة العازلة"، التي تُطرح بوصفها حلاً أمنياً، فقد تتحول إلى عبء أمني إضافي. وعندها لا يعود السؤال فقط: ماذا يستطيع الجيش الإسرائيلي أن يحتلّ؟ بل ما الذي يمكنه أن يحتفظ به، وبأيّ كلفة، وإلى أيّ مدى يمكن لهذا الاحتلال أن يغيّر التوازنات من دون أن يستدعي أشكالاً جديدة من المقاومة والاستنزاف؟.. ولهذا، بدأت ترتفع داخل إسرائيل أصوات تحذّر من الغرق في "مستنقع لبناني" جديد!