No Image
العرب والعالم

إسرائيل "تغتال" الصوت والصورة.. وتتباهى بـ"إنجازاتها"!

30 مارس 2026
30 مارس 2026

بيروت - وفاء عواد

كم صحفيا لبنانيا قتلت إسرائيل في السنوات الأخيرة؟ وكم مرّة رثينا من كان يفترض أن يروي لا أن يُروى؟.. سؤالان لم يأتيا من العدم، بل اقتضاهما فعل كون الميدان الجنوبي، شهد يوم السبت الفائت، فصلا جديدا من فصول جريمة، هي ليست الأولى في سجلّ إسرائيل، بل مؤرّخة منذ العام 2023 ولحينه على استهداف 26 صحفيا وعاملا في مجال الإعلام في لبنان.

مراسلون صحفيّون ومصوّرون كانوا يقفون على تخوم الحدث، متسلّحين بالحقيقة والصورة، من نقطة تختلط فيها الجغرافية بالدم، والخبر بالانتماء، وأغلبهم لم يغادر الحدود ولم يستبدلها بمنصّات أكثر أمانا، إلى أن وجدوا أنفسهم تحت مرمى النيران الإسرائيليّة.. وذلك، بدءا من المصوّر في وكالة "رويترز" عصام العبدالله (13 أكتوبر 2023)، وصولا إلى علي شعيب وفاطمة فتوني وشقيقها محمد في 28 من الجاري، والذين اندرج اغتيالهم جميعا ضمن نمط متكرّر يقوم على نزع الصفة المهنيّة عن الصحفيين لتبرير قتلهم والتباهي فوق دمائهم، لا لسبب سوى أنهم الأقرب إلى الميدان وداخله، والأدقّ في نقل الأحداث والحقيقة، وهذا ما لا تريده إسرائيل.

وعن سابق رصد وتصوّر وتصميم، تبدّى لاحقا في كلام صادر عن المتحدث باسمه، أفيخاي أدرعي، الذي أكد متباهيا أن الاستهداف الأخير كان متعمّدا ومباشرا، واصل الجيش الإسرائيلي عملية نزع الأقنعة عن "بنك أهدافه"، واستهدفت آلة حربه، على طريقِ جزّين الجنوبية، الإعلامي "العتيق" في قناة "المنار" علي شعيب، الذي كان يُعرف بكونه يحفظ الجنوب كما يحفظ الصلاة، يعرف بلداته وخلّاته، أسماء ناسه ووجوههم ووجعهم، يحفظ مواقع العدو كما يحفظ نبضه، ويعرف الحجر والبشر، التراب والطين، وحتى الصمت حين يثقل. أما عدسته، فتحوّلت على مرّ السنوات إلى ما يشبه "حارسا حدوديا"، يلاحق الخروقات الإسرائيلية على امتداد الحدود الجنوبية، ويوثقها بالصورة والخبر.

كان شعيب شاهدا على محطات كبرى، بدأت من تبادل الأسرى وعدوانَي 1993 و1996، مرورا بتحرير العام 2000 وعدوان يوليو 2006، ووصولا إلى حرب الـ66 يوما عام 2024 وما قبل 28 من الجاري. ومن هنا، يمكن فهم كيف تحوّل، مع الوقت، من مراسل حربي من الطراز الأوّل، إلى مرجع إعلامي ثابت في كلّ ما يتصل بجبهة الجنوب. ومن هنا أيضا، لا تبدو التهديدات الإسرائيلية التي لاحقته تفصيلا ثانويا في سيرته، بل جزءا من تعريفه المهني. فقد كان شعيب، بالنسبة إلى جمهوره "مراسل الجنوب"، وكان بالنسبة إلى العدوّ "عينا ثابتة" على الحدود يصعب إسكاتها. أما يوم استشهاده، فبدا الخبر أقلّ من أن يختصر سيرة بهذا الثقل، فيما إسرائيل لم تخجل ممّا فعلت، بل احتفلت بما اعتبرته "إنجازا"!

كما استهدفت آلة الحرب الإسرائيلية مراسلة قناة "الميادين" فاطمة فتوني، المتدرّجة على سلّم نقل الخبر من أرض قرى المواجهة، والتي لطالما أحبّت أن تُلقّب نفسها بـ"تلميذة علي شعيب"، ومعها شقيقها المصوّر في "الميادين" محمد فتوني.. فكانت النتيجة أن تعمّد الحبر بالدمّ المراق بين ضفّتَي نهر الليطاني. وبصورة معكوسة من جديد، أصبح صانعو الخبر وناقلوه هم الخبر.

حقيقة "تحت النار"

وفيما المعطيات الميدانية أفادت بأن الاستهداف الأخير لم يقتصر على ضربة واحدة، بل تكرّر بضربات متتالية ومباشرة، وبصواريخ عدّة، وصفت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الاستهداف المتعمّد للطواقم الإعلامية بـ"جرائم حرب، تهدف لإسكات الشهود على الجرائم الميدانية"، وكتب أحدهم: "إذا أصبح الصحفي هدفا، فإنّ الحقيقة نفسها باتت تحت النار. وهذا يجب أن يخيفنا جميعا"، ورأى آخر أن ما يحصل هو "استهداف للحقيقة نفسها، إذْ يُراد لها أن تُدفن مع أصحابها تحت الركام"، في حين سألت أخرى: "كيف يغيب من صار جزءا من التراب؟ كيف يُقتل من توزّع قلبه على القرى والوديان، على الزيتون والتبغ، وعلى الحجارة التي تحفظ خطاه؟"، لتخلص إلى القول: "بات دم الصحفي مباحا، والقاتل مطمئن إلى غياب الحساب".

وعلى مشارف انتهاء شهر الحرب الأوّل في لبنان، والتي سجّل عدّادها في آخر تحديثاته: 1238 شهيدا و3543 مصابا، وفيما لا تزال الكلمة المرجّحة للميدان، بضفتّيه، حتى إشعار آخر، وتحديدا في الأرض المحروقة جنوبا، ولا صوت يعلو فوق صوت الرصاص، فإن للكواليس كلاما آخر.. كلاما عن أن الإسرائيلي سكب الدم على عدسات كاميرات الإعلاميّين، بهدف حجب الحقيقة عن واقع إخفاقاته وحال قوّاته الصعبة في الميدان، وذلك في سياق فرض "العمى القسري" على الميدان، من خلال تصفية الصحفيّين ومنع وصول الصورة الحقيقية لما يرتكبه الجيش الإسرائيلي من جرائم حرب واستهداف للمدنيّين. وغياب "الشاهد" (الصحفي) يمنح الاحتلال فرصة أكبر للتلاعب بالرواية، ونشر أخبار مضلّلة دون وجود من يفنّدها ميدانيّا.. إلا أن هذه العدسات كانت وثّقت دبّاباته وهي تحترق مباشرةً على الهواء، بجنودها، وأخرى تُصاب بنيران المقاومين في بلدة دبل الحدوديّة، كما في "الخيام" و"الطيبة" و"القنطرة" وأخواتها.

.. وعدّاد "مفتوح"

ومع استهداف الشهود الشواهد، الذين كانوا "ذاكرة الأرض حين تُنسى، وعينها حين تُستهدف، وصوتها حين يُراد له أن يُخنق"، وفق تعبير أحدهم، تجدر الإشارة إلى أن استهداف شعيب وفتوني أكد مرّة جديدة، وفق قول مصادر قانونيّة لـ"عُمان"، أن إسرائيل لا تحترم "اتفاقية جنيف" لعام 1949 ولا البروتوكولات الإضافية الملحقة بها، والتي تنصّ على أن "المراسلين الحربيّين"، بشكل خاص، يتمتّعون بالحماية خلال النزاعات المسلّحة بموجب القوانين الدوليّة، مع ما يعنيه الأمر من أن أيّ استهداف مباشر للصحفيّين يشكّل "جريمة حرب". كما تجدر الإشارة إلى أن هذا الاستهداف لم يكن الأوّل من نوعه، وتحديدا منذ بداية الحرب الإسرائيليّة على لبنان في 2 من الجاري، بل سبتقه استهدافات أخرى. وذلك، بدءا من 3 من الجاري، حيث تعرّض الصحفي اللبناني محمد الجنّون لإطلاق نار إسرائيلي في نقطة كان يسعى الجيش الإسرائيلي للتمركز فيها داخل الأراضي اللبنانية، وتحديدا عند مثلّث تلّ النحاس- القليعة- كفركلا. وآنذاك، نجا الجنّون من الحادثة من دون أن يُصاب بأذى، وقد وثّق ما حصل معه بالصدفة عبر مقطع فيديو.

وفي 18 من الجاري، استهدفت إسرائيل منطقة زقاق البلاط في وسط بيروت، ما أودى بحياة مدير البرامج السياسيّة في قناة "المنار" محمد شرّي داخل منزله. وذلك، قبل أن يُصاب مراسل قناة "روسيا اليوم" ستيف سويني والمصوّر علي سبيتي بجروح، إثر استهداف إسرائيلي لجسر القاسميّة- جنوب لبنان، في 19 من الجاري، خلال تغطية إعلامية هناك. وحينها، وثّق مقطع فيديو مشاهد ذاك الاستهداف. ولاحقا، وتحديدا في 23 من الجاري، أغار الطيران الحربي الإسرائيلي على جسر القاسميّة مجدّدا، حيث كانت يتجمّع عدد من الصحفيين هناك لرصد أضرار عدوان استهداف الجسر، حيث قُطعت الطريق تماما بين مدينتَي صور وصيدا.

إلى ذلك، وبصرف النظر عن هويّة الوسيلة الإعلاميّة أو توجّهها السياسي، فإن ثمّة إجماعا على أن الرسالة الأكثر وضوحا هنا هي أن الصحفي في لبنان بات يعمل داخل مساحة مفتوحة على النار، حيث لا تكفي الخوذة ولا سترة "الصحافة" لتأمين الحماية، وخصوصا خلال الاقتراب من خطوط النار.. سيارة وكاميرا وخبر، ويكون السبب كافيا للاستهداف.. وهنا، يجدر التذكير برسالة مباشرة، وجّهتها فتوني في أكتوبر من عام 2024، إذْ حملت يومها سترتها الواقية من الرصاص المكتوب عليها "صحافة"، وهي ممزّقة من آثار الضربة، إضافة لخوذة وميكروفون، وخلفها سيارة مدمّرة وآثار الغارة، وقالت في رسالتها: "هذا ما تبقّى من درعي وخوذتي والسلاح الذي نحمله.. هذا هو الصاروخ الذي من أجله أغارت علينا الطائرات الحربية الإسرائيلية"، وتابعت بتأثر بالغ: "لا أدري لماذا نرتدي هذه السترات والخوذ إذا كان الاحتلال لا يعيرها أيّ اهتمام".

ومن بوّابة هذه الرسالة، بفارقها الزمني فقط، أقفل يوم أمس على مشهد تشييع فاطمة وشقيقها محمد إلى مثواهما المؤقت على سبيل الوديعة في منطقة الشويفات (جبل لبنان)، بانتظار نقل رفاتهما إلى بلدتها الطيبة (قضاء مرجعيون).. وبقيت في ذاكرة الكثيرين صورة "أيقونة الإعلام المقاوم"، التي اعتادوها على مرّ أكثر من 3 عقود: قبّعة، قميص من لون الأرض، ميكروفون، خطوة واثقة، إصبع يشير، ورسالة مباشرة على الأثير الجنوبي: أنظروا، أرجو من زميلي أن يدير عدسة الكاميرا خلف الشريط!