العرب والعالم

ثلاثةُ "طِلِبات" ونكبتان.. حكاية سُلالة فُلسطينية لم يغادرْها البحرُ والوجع

16 مايو 2026
16 مايو 2026

غزة- بهاء طباسي:

يقف الحاج أبو طِلِب سعدان (95 عامًا) أمام بسطة الفاكهة في سوق جباليا، شمال قطاع غزة، يطيل النظر في حبات التفاح الأحمر، لكن كبرياءه يمنعه من السؤال عن ثمنها؛ فهو يدرك أن جيوبه الخاوية لن تُسعف رغبته. يمضي صامتًا وهو يقول بمرارة تختصر عجز ثمانية عقود: «أكتفي بشم رائحتها، والله على ما أقول شهيد». هذه الغصة الإنسانية ليست مجرد فقر عابر، بل هي امتداد لـ«نكبة مستمرة» بدأت برصاصة في عرض البحر عام 1948، وانتهت بخيمة مهترئة تستر ما تبقى من سلالة طاردها الملح والوجع.

على خارطة وجهه الأسمر، رسم الزمان أخاديد غائرة؛ كل تجعيدة هي ممر ضيق سلكه في نزوح قديم، وكل شيبة في لحيته هي شاهد عيان على خيام نُصبت ثم رُحلت. واليوم، يجد الحاج نفسه مستندًا بضعفه الجسدي إلى كتف حفيده الصغير، ليخطوا معًا خارج حدود الخيمة الضيقة نحو مستقبل مجهول، يجرّون خلفهم 78 عامًا من الانتظار المرّ، في مشهد تراجيدي يُسلِّم فيه الشتاتُ الشتاتَ.

«طِلِب» الأول: الشباك التي صارت كفنًا

تبدأ الحكاية التي ترويها «عُمان» من رائحة الملح التي لا تفارق ذاكرة الحاج أبو طِلِب. في عام 1948، كان والده «طِلِب سعدان» صيادًا بارعًا يلقي شباكه في بحرٍ كان ملكًا لأصحابه. يروي الحاج مشهدًا سينمائيًا لا يزال حيًّا أمام عينيه: كان مراهقًا يقف على الشاطئ يحمل ملابس والده الجافة، بانتظار عودة السفينة. وفجأة، تحول المشهد الساكن إلى جحيم؛ قناصةٌ تمركزوا فوق جسرٍ يبعد مسافة كيلومتر ونصف، صوبوا بنادقهم نحو صدر الصياد.

«أصابته رصاصة في رأسه، فسقط في الماء وغاب جسده»، يتذكر الحاج بصوت مخنوق. ظل الأب مفقودًا لثلاثة أيام، بينما الابن يقف على الشاطئ يراقب الموج الذي سرق معيله. حين طفا الجسد أخيرًا، كان قد انتفخ تمامًا، وهنا تجلت المفارقة القاسية؛ فقد اضطر الأبناء لاستخدام «شباك الصيد» ذاتها كمرساة لسحب الجثة. ربطوا جسد والدهم بشباكه التي كان يقتات منها، وسحبوه إلى اليابسة ليدفنوا معه أول أحلامهم بالاستقرار. منذ ذلك اليوم، صار البحر بالنسبة لعائلة سعدان مقبرةً وذكرى، وصار اسم «طِلِب» مرادفًا للرحيل المبكر.

«طِلِب الثاني»: مقارنة موجعة بين نكبتين

بين نكبة الـ48 وما يعيشه اليوم في منطقة جباليا النزلة، يعقد الحاج «أبو طِلِب» مقارنةً فلسفية موجعة. يقول بعفوية تقطر مرارة: «الصهاينة في نكبة 48 كانوا أكثر عقلانية، أما في هذه المرة فهم كالشياطين تمامًا». يسرد كيف كان الجنود قديمًا يمرون ويسألون الأطفال عن المخابئ ويعطونهم الحلوى، بينما كانت المقاومة تلوذ بالأشجار. أما اليوم، فالإبادة لا تترك حجرًا ولا بشرًا؛ «لقد أهانوا العالم، وقتلوا الناس، وهدموا كل البيوت، وجرفوا الأرض، ولم يتركوا شيئًا على حاله».

لقد عاش «أبو طِلِب» سنواته بين النكبتين صامدًا؛ تزوج أرملة أخيه الشهيد ليرعى أيتامها الخمسة، وكافح في البحر ليوفر لقمة العيش. لكنه اليوم يواجه وضعًا لا يطاق؛ فهو لا يجيد استخدام الهواتف المحمولة، ولا يملك من حطام الدنيا قرشًا. «نحن هنا، أتوا بنا ورمونا في هذا المكان»، يقول واصفًا حياة النزوح الحالية التي سلبته كل شيء «البيت، والمال، والولد»، وجعلته يكتفي بشم رائحة الفواكه بدلًا من تذوقها، في مشهد يجسد ذروة العجز الإنساني أمام جبروت حرب الإبادة الإسرائيلية التي لم ترحم شيبةً ولا ضعفًا.

«طِلِب» الثالث: هندسة الأحلام التي صارت عجينًا

كان الرهان الأكبر على الحفيد، الذي حمل أيضًا اسم «طِلِب»، الجد الشهيد، ليغسل بوجاهته غبار اللجوء. تفوق طِلِب في دراسته وصار مهندسًا يُشار إليه بالبنان. وبجهد وعرق السنين، بنى المهندس الشاب بيتًا في منطقة «النزلة» كلفه 30 ألف دينار، كان يطمح أن يكون الملاذ الذي يجتمع فيه شمل العائلة المنكوبة بعيدًا عن الخيام وضيق المخيمات.

لكن لعنة الاسم والقدر كانت أسرع. أصيب المهندس طِلِب بفشل كلوي، ومع الحصار المطبق ونقص الدواء وانهيار المنظومة الصحية نتيجة حرب الإبادة، ظل يصارع المرض عامًا كاملًا حتى توفاه الله صامتًا. لم تكتفِ الحرب بروحه، بل أجهزت على حلمه المادي؛ يصف الحاج «أبو طِلِب» دمار البيت بكلمات بليغة تجسد القهر: «دمروا البيت تمامًا، حتى اختلط ركامه ببعضه البعض كالعجين، وجعلوا الرمال فوق السطوح وهدموه هدمًا كاملًا».

لقد قتل الرصاص الجد «طِلِب»، وقتل الحصار والمرض الحفيد «طِلِب»، وبقي «أبو طِلِب» بينهما يحرس الركام والذكريات، ويتساءل عن جدوى البناء في أرضٍ يبتلع فيها القصف كل أخضر ويابس.

الخيمة.. انتظار مرّ تحت رحمة الله

داخل الخيمة، التي باتت مأوى قسريًا من قماش لا يقي حرًّا ولا بردًا، يوزع الحاج نظراته بين براءة أحفاده الذين «يعرفون كل شيء؛ يعرفون من يقتلهم كل يوم، ومن يطلق النار عليهم، ومن يجوعهم». يروي لهم حكايا البحر الذي صار خلف الحدود، وكيف كانت السفن تعود بالخيرات قبل أن يُحبس السمك في المناطق المحرمة التي تسيطر عليها إسرائيل. وفي لحظة صدقٍ إنسانية مباغتة، تخرج منه صرخة استغاثة تعبر عن حجم الضياع: «يا ريت يودونا بلاد أجنبية يحيونا». هي ليست رغبة في الرحيل عن الوطن، بل هو اليأس من عالم يشاهد ذبحهم بلا اكتراث؛ «المدنيون أين يختبئون؟ نحن تحت رحمة الله».

يتذكر الحاج أيام الـ48 بتلك الألفة التي كانت تجمع الناس، ويقارنها بوحشة النزوح الحالي حيث صادر الاحتلال كل شيء، حتى المدخرات البسيطة، ولم يترك لأمثاله سوى قطعة القماش هذه والانتظار المرّ. هو اليوم يمثل ضمير شعب يرى أن النكبة الحالية هي «النكبة الأكثر إيلامًا»، لأنها لم تترك مجالًا حتى للصحفيين لينقلوا الصورة، حيث «يقتلونهم عمدًا ليخفوا الحقيقة». يسرد الحاج كيف استشهد شخص بالأمس في البحر وأصيب آخر، ولم يأتِ صحفي واحد لتصويرهم، وكأن الموت صار روتينًا لا يستحق الخبر.

رحلة لا تنتهي

تنتهي القصة عند المشهد الذي بدأت منه؛ الحاج «أبو طِلِب» يخرج من الخيمة مستندًا إلى كتف حفيده الصغير. لم تتغير الرحلة منذ ثمانية عقود، فما بدأه «طِلِب» الجد في بحر يافا، ينهيه «طِلِب» الحفيد تحت أنقاض «النزلة». وفي المسافة بين الاسمين، شعبٌ يرفض النسيان رغم أن الجرح لا يزال ينزف ملحًا وصبرًا.

يغادر الحاج نحو أفق مجهول، يجر خلفه ثمانية عقود من الصراخ بلا صدى، فيما تبقى عيناه تبحثان عن ذلك البحر الذي غيبه الرصاص، وعن بيته الذي صار عجينًا من الركام والذكريات. إنها حكاية سلالة فلسطينية لم يغادرها الوجع، ولا تزال تنتظر يومًا تجف فيه دماء «طِلِب» لتبدأ حياةً لم يكتبها القناص ولم يخنقها الحصار، بعيدًا عن أهوال النكبة التي لا تريد أن تضع أوزارها.