تكيات خان يونس صرخة جوع وسط غلاء جنوني
غزة- «عُمان»- بهاء طباسي
في مشهدٍ يختزل وجع مدينة خان يونس وكل قطاع غزة، تتدافع الأجساد المنهكة خلف سياجٍ ضيق من الأمل، حيث تحولت «التكية» إلى ساحة معركة يومية من أجل وجبة إفطار بسيطة. رجال ونساء وأطفال يتزاحمون بأوانٍ معدنية فارغة، يرفعونها عاليًا كأنها إشارات استغاثة تلوح بلا صوت في وجه الجوع. لم يعد توزيع الطعام مجرد عمل خيري، بل صار طقسًا يوميًا للبقاء، يتكرر مع كل مساء رمضاني تحت سماء مثقلة بالحرب الإقليمية والنزوح.
طوابير الجوع
يطغى على المشهد صريخ الجوع، ذلك الصوت غير المسموع الذي يتجلّى في قعقعة الأواني المعدنية الفارغة. ترتفع الأوعية الصغيرة فوق الرؤوس كأنها رايات بيضاء تستسلم لواقعٍ قاسٍ فرضته الحرب والحصار. تختلط أصوات المتدافعين بنداءات المتطوعين الذين يحاولون تنظيم الطوابير، بينما تبدو سترة صفراء يرتديها أحدهم كأنها جزيرة صغيرة وسط بحرٍ من البشر الباحثين عن كسرة خبز أو مغرفة حساء تسد رمق أطفال ينتظرون في الخيام.
لا يصوّر المشهد توزيع الطعام فحسب، بل يصوّر كرامةً إنسانية تُنازع تحت وطأة الحرمان. سواد الحجاب، ولمعان الألمنيوم الفارغ، والغبار المتصاعد من تحت الأقدام، كلها تفاصيل ترسم لوحة حزينة لحياةٍ هائمة بين الخيام. وفي الخلفية، تظل زرقة السماء شاهدة على مأساة لا تتوقف فصولها حتى في شهر رمضان، الذي كان يومًا موسمًا للفرح والموائد العامرة.
داخل مدينة خان يونس وحدها، يعيش 900 ألف نازح فلسطيني من الذين فرّوا من مناطقهم خلال الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين. كثير من هؤلاء يقيمون في خيامٍ مؤقتة تفتقر لأبسط مقومات الحياة، ومع ارتفاع الأسعار وانعدام مصادر الدخل، أصبحت التكيات مصدرًا رئيسيًا للغذاء بالنسبة لآلاف العائلات التي لم تعد قادرة على تأمين وجبة إفطار يومية.
معاناة تتفاقم في رمضان
ترتسم على وجه السيدة هند حجازي خارطة من الأخاديد التي حفرها النزوح الطويل. تقف في طرف الطابور ممسكة بوعاء معدني صغير، تحاول أن تبقيه ثابتًا رغم الازدحام الشديد. عيناها المتعبتان تراقبان حركة المتطوعين، بينما يتسرب القلق إلى ملامحها مع كل دقيقة تمرّ.
تقول هند، البالغة من العمر 44 عامًا، إنها تتردد يوميًا على هذه التكية منذ بداية الحرب. تضيف بصوت يختلط فيه الغضب بالحزن: «نأتي كل يوم تقريبًا إلى هنا، لأننا لم نعد قادرين على شراء الطعام. الحصار اشتدّ علينا أكثر مما كان في السابق، ولم يعد أمامنا سوى انتظار ما تقدمه التكيات».
وترى هند أن الحديث عن الهدنة لا يعكس ما يعيشه الناس فعليًا. تقول لـ«عُمان»: «يقال إن هناك هدنة، لكننا لا نشعر بها. بالنسبة إلينا تبدو مجرد بروباغندا أو دعاية لا علاقة لها بالواقع. الحرب مستمرة في حياتنا اليومية، والأسعار مرتفعة جدًا، بل إن معاناتنا اليوم أكبر مما كانت عليه في بداية الحرب».
غير بعيد عن التكية نفسها، يقف أبو سامر النجار، وهو أب لأربعة أطفال، ممسكًا بوعاء بلاستيكي كبير. كان يعمل قبل الحرب في مجال البناء، لكن العمل توقف تمامًا بعد الدمار الواسع الذي طال قطاع غزة، وعدم دخول مواد البناء عبر المعابر.
يقول أبو سامر لـ«عُمان» إن البطالة فرضت عليه واقعًا لم يتخيل يومًا أنه سيعيشه. «لم أكن أتخيل أنني سأقف في طابور للحصول على وجبة إفطار. كنت أعمل طوال حياتي وأعيل أسرتي بكرامة، لكن الحرب أخذت منا كل شيء».
في الخيمة الصغيرة التي تقيم فيها عائلته، ينتظر الأطفال عودته كل مساء. يوضح الرجل أن الوجبة التي يحصل عليها من التكية غالبًا ما تكون الطعام الوحيد الذي تأكله الأسرة طوال اليوم. «أحاول أن أقسم الطعام بينهم، وأحيانًا أكتفي أنا بالماء».
اقتصاد محاصر وغلاء الأسعار فوق 100%
شهدت الأسعار انخفاضًا نسبيًا بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، لكن ذلك الانخفاض لم يكن كافيًا لإعادة السوق إلى مستويات ما قبل الحرب. فمعظم السلع الأساسية ما تزال أسعارها أعلى بأكثر من 100% مقارنة بالفترة السابقة للحرب.
يرى الخبير الاقتصادي محمد أبو جياب أن ما يحدث اليوم في غزة هو نتيجة تداخل عاملين رئيسيين: ارتفاع الأسعار من جهة، والانهيار شبه الكامل في سوق العمل من جهة أخرى.
يوضح أبو جياب، لـ«عُمان»، أن معدل البطالة في القطاع كان قبل الحرب في حدود 43%، لكنه قفز اليوم إلى نحو 80%، ما يعني أن معظم الأسر فقدت مصادر دخلها الأساسية. بالتوازي مع ذلك، ارتفعت معدلات الفقر من نحو 80% إلى ما يقارب 90% من السكان، مع انتقال أعداد كبيرة من الناس إلى دائرة الفقر المدقع.
ويشير إلى أن معالجة الأزمة الاقتصادية تتطلب خطوات جذرية تبدأ برفع القيود المفروضة على دخول البضائع إلى القطاع وإنهاء حالة الاحتكار التي تسيطر على السوق. فبحسب تقديره، لا يتجاوز عدد التجار المخولين بالاستيراد حاليًا عشرة تجار فقط يعملون عبر أربع شركات إسرائيلية، وهو ما يحدّ من المنافسة ويرفع الأسعار.
رمضان خلف أسوار التكية
مع اقتراب موعد الإفطار، يبدأ الزحام بالتراجع تدريجيًا أمام التكية، لكن أثره يبقى في العيون المتعبة التي تعود إلى الخيام حاملة أوعية صغيرة من الطعام. وفي تلك اللحظة، يبدو رمضان في خان يونس مختلفًا تمامًا عن كل رمضانات ما قبل الحرب؛ فبدل الموائد العامرة، هناك طوابير انتظار، وبدل روائح الطعام في البيوت، هناك رائحة الغبار المختلط بمرق العدس.
ورغم ذلك، يظل الناس متمسكين بخيطٍ رفيع من الأمل، لعل يومًا يأتي يعود فيه الإفطار إلى موائده الطبيعية، بعيدًا عن أسوار التكيات وطوابير الجوع الطويلة.
