بيوت الصفيح في مواجهة عصابات المستوطنين
رام الله - عُمان - محمـد الرنتيسي
حالة من الإنتظار القلِق، يعيشها سكان الأغوار الفلسطينية هذه الأيام، تتحرك مشاعرهم صعوداً وهبوطاً، مع كل تحرك إسرائيلي جديد، لمشروع الضمّ والتهويد، لكنهم على يقين، بأن البقاء في أحضان الوطن الأم، والخلاص من الاحتلال، آت لا ريب فيه.
وعلى وقع تصاعد ملحوظ في هجمات عصابات المستوطنين في الأغوار المحتلة، تظهر النوايا الإسرائيلية بتنفيذ مشروع "جدار الأغوار" ما يمهد لخطوات يسعى كيان الاحتلال لتنفيذها منذ زمن، وقوامها تهجير السكان والسيطرة على الأرض، وصولاً للضم، وإن زعم قادة الاحتلال بأن المشروع سيقام لدوافع "أمنية".
وفق مراقبين، فإقامة الجدار تتجاوز الذرائع الأمنية، وتهدف إلى تفريغ الأغوار من سكانها، من خلال تشديد الحصار عليهم، ومضاعفة "القبضة الحديدية" بحقهم، فضلاً عن توسيع رقعة الاستيطان، وخلق ظروف معيشية صعبة، تدفعهم نحو الرحيل والبحث عن البديل، في ضم صامت، يعيد تشكيل خريطة المنطقة، بما يخدم المد الاستيطاني الزاحف.
وعندما يسارع كيان الاحتلال لتنفيذ مشروع الجدار، فإنه يسعى من وراء ذلك، لإصابة قلب الحياة الاقتصادية الفلسطينية، بحسبان الأغوار "سلّة غذاء فلسطين" وعليه، فالجدار سيعزل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الخصبة، ويقطع موارد الإنتاج، بعد تقليل وصول المياه، وهذا من شأنه أن يضع آلاف العائلات الفلسطينية، في مهب خسارة مواردها المعيشية الأساسية.
ذهنية مسكونة بالاحتلال
في الطريق إلى الأغوار، تلمح الأرض الخضراء، والقطوف الدانية من خيرات الأرض، التي تقدم للضيوف في "قعدة" غورية عربية تحت "العريشة" المكونة من الصفيح، وترى أهلها وقد ازدادوا تمسكاً بعاداتهم وتقاليدهم وأصالتهم، وعزمهم على الإنعتاق من الاحتلال.
وفي التنقل من قرية إلى أخرى ، تعتاد على الوقوف أمام الحواجز العسكرية "الرمادية" في انتظار إشارة جندي الاحتلال، التي لا تأتي إلا وفق تساهيل "المزاج".. فتسمع صوت امرأة تقول "يا ربّ فرجك" وطفلة تتنقل بين السيارات المحتجزة، ربما ضجراً من الحبس الظالم لطفولتها، ومزارع يحاول المرور محمّلاً بما تيسر من حبوب، كي يزرع، وأمامه دورية عسكرية مخصصة للقلع.. تحاول قلع البشر والشجر على حد سواء.
الفلسطينيون هنا، لا ينتظرون اجتياز نقطة حدودية، للعبور من دولة إلى أخرى، بل بين قرية وجارتها.. هنا يسلكون الطريق الطويلة، إلى المكان القريب!.
إنها الذهنية المسكونة بفكرة الاحتلال، يتولى تنفيذها جنود لا تستطيع أن تُفرّق بينهم وبين البنادق التي يحملونها، كأنهم كُتل من حديد، وهي إجراءات تهدف إلى عزل قرى الأغوار الفلسطينية بعضها عن بعض.
مشاهد تقطع أوصال الأغوار، وتتكرر حد الملل، فمئات الأطفال والنساء والمرضى، يتم شبحهم جماعياً على الحواجز وقرب المعسكرات لساعات طويلة، في مشاهد يمكن تسميتها بالعقوبات الجماعية، ولكن معلوم أن العقوبة تكون على ذنب ما ارتكبه أحد، أما هنا، فلا ذنب سوى رفض الاحتلال ووجوده.
تطهير عرقي
في الوقت الذي كانت فيه جرافات الاحتلال وآلياته العسكرية، تهدم عدداً من المنازل البائسة في الأغوار، بحجة بنائها دون ترخيص، كان رئيس وزارء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتانياهو يُخرج من درج مكتبه خطته "جدار الأغوار" للسيطرة على المنطقة بالكامل، وهو مخطط كان أعده إبّان رئاسته لحكومة الاحتلال قبل نحو 30 عاماً، ضمن خريطة ما أسماه في حينه "المصالح الحيوية الإسرائيلية" في منطقة الأغوار.
من بين ما ساقته حكومة الكيان في تبريرها لهدم أشباه البيوت هذه (جدرانها من الطوب وسقوفها من الصفيح) هو البناء غير المرخص، ومن بين ثنايا خطتها لتعزيز السيطرة والهيمنة الإسرائيلية على هذه المنطقة بالغة الأهمية، من الأراضي الفلسطينية المحتلة، تكمن سياسة احتلالية عنصرية، حتماً ستقود إلى تشريد آلاف الأسر الفلسطينية، وزرع أعداد كبيرة من المستوطنين اليهود، مكانها وعلى أرضها.
وتنهج سلطات الاحتلال في منطقة الأغوار، التي تمتد من مدينة بيسان الفلسطينية المحتلة شمالاً، وحتى الشاطىء الشمالي للبحر الميت جنوباً، سياسة أقرب ما تكون إلى التطهير العرقي، تقوم على ضرب كل أشكال الوجود الفلسطيني فيها، وتعزيز الوجود اليهودي بأشكاله الإستيطانية والعسكرية المتنوعة.
وتتمثل هذه السياسة في منع إقامة أية مبان أو إنشاءات للفلسطينيين، وفي المقابل فتح الأرض على مصراعيها أمام المستوطنين وجيش الاحتلال لإقامة المستوطنات الزراعية، وميادين التدريب العسكري فيها.
أهمية إستراتيجية
وكانت منطقة الأغوار مأهولة بأكثر من 80 ألف فلسطيني قبل احتلالها عام 1967، واضطرغالبيتهم إلى تركها تحت العمليات العسكرية التي استهدفت طردهم وتهجيرهم، وعقب الاحتلال اتبعت حكومات الكيان سياسة هدفت إلى الحد من الوجود الفلسطيني في هذه المنطقة، باعتبارها ذات أهمية أمنية ومائية واستراتيجية كبيرة.
كما يستخدم كيان الاحتلال وسائل ضغط، وقيوداً كثيرة أخرى على أهالي الأغوار، للحد من وجودهم وإقامتهم فيها، مثل حرمان أصحاب المواشي من إقامة خيام لهم، ومنع رعي مواشيهم في مراعي هذه المنطقة الواسعة.
وتعمد قوات الاحتلال إلى هدم كل منزل أو منشأة تقام في هذه المنطقة حتى لو كانت بدائية، ومن جانبهم يحاول أهالي المنطقة، التحايل على جيش الاحتلال بإقامة مساكن لهم من القماش والصفيح، إلا أن جيش الكيان أخذ يلاحق هذه البيوت ويسارع إلى هدمها.
هدم حد الملل
ويروي مواطنون من الأغوار أن أياً من هذه الوسائل لم تحل دون قيام جيش الاحتلال بهدم المساكن الجديدة، رغم أنه ليس لها من المساكن سوى الاسم، فهي أقرب إلى المساكن البدائية منها إلى البيوت.
من هؤلاء، المزارع حسن أبو سعدة، الذي هدم الاحتلال بيتاً له في وقت سابق، وعاد قبل أيام ليهدم بيته الثاني، الذي أقامه على بعد مائة متر من موقع البيت المهدوم، لافتاً إلى أن جنود الاحتلال يجوبون المنطقة طولاً وعرضاً لرصد البيوت المقامة حديثاً، ويقومون بهدم كل جديد منها، وثمة من السكان لا مأوى لهم غيرها.
ويشرح لـ"عُمان": "من يعيد بناء بيته، تعيد قوات الاحتلال هدمه ثانية وثالثة.. لكن ليس أمامنا إلا أن نبني، رغم معرفتنا بالمصير الذي ينتظر ما نبنيه".
ويرى أبو سعدة في الشكل الجديد الذي ترتديه سياسة هدم المنازل في الأغوار، استكمالاً لسياسة إفراغ المنطقة من سكانها الفلسطينيين، وضرب كل أشكال وجودهم.
صورة مغايرة
في مقابل هذه الصورة القاتمة والضاغطة، التي يعيشها أهالي الأغوار، تبرز الصورة الأخرى التي يمثلها الوجود الاحتلالي بصوره الإستيطانية والعسكرية المتنوعة.
إذ يقيم كيان الاحتلال على أراضي المواطنين في هذه المنطقة 23 مستوطنة، ويمنحها مساحات واسعة من الأراضي الزراعية المروية.
ومن الوجهة السياسية، يرى الباحث المختص في الشأن الإسرائيلي سليمان بشارات، أن الكيان الإسرائيلي ذاهب في هذه المرحلة، نحو حسم مباشر، لشكل وطبيعة حدوده المستقبلية، من خلال تسريع إقامة جدران فصل عنصري، وعلى رأسها "جدار الأغوار" بما يمثله من تجسيد للحدود التي تريد الكيان تكريسها لما يطلق عليه "الدولة اليهودية".
ويقرأ بشارات في محاولة الكيان الإسرائيلي، إلباس مشروعه الإستعماري التوسعي في منطقة الأغوار "الثوب الأمني" ذريعة لتبرير خطواته الميدانية والسياسية، واندفاعه المتسارع نحو ضم الأراضي الفلسطينية، وفرض الهيمنة الإسرائيلية عليها، وفي المقابل، يدفع الاحتلال بالوجود الفلسطيني في الأغوار، نحو التهجير، من خلال فرض واقع معيشي صعب.
أرض خضراء وأيام سوداء
وتشي مشاهد التدريبات والمناورات العسكرية، التي يجريها جيش الاحتلال، في المناطق الزراعية "الخضراء" بأيام "سوداء" تتهدد أهالي الأغوار، الذين تربطهم بهذه المنطقة "عِشرَة عمر" تفوق عمر الاحتلال.
فهذه المناورات، تلحق دماراً هائلاً بمساحات واسعة من الأراضي الزراعية، التي تئن تحت المجنزرات الضخمة، والدبابات المصفحة، في وقت تحبس فيه أنفاس المواطنين، خصوصاً وأن منازلهم في غالبيتها مكونة من الصفيح، الأمر الذي يعرض حياتهم للخطر.
في الطريق المتعرج، وأنت تودّع الأغوار، تشاهد بأم العين "الرعاع" من المستوطنين، يمارسون طقوس وهوايات الإعتداء على "الرعاة" الفلسطينيين، تودّعك أيادي الأطفال ملوحة، ولسان حالهم يقول: صوّروا واقع حياتنا الصعبة واذهبوا.. صوّروا سنبقى.
