بعد حظر اسرائيل لمنظمات الإغاثة في غزة .. كارثة مفتوحة يدفع ثمنها المدنيون
غزة- «عُمان»- بهاء طباسي:
في صباحٍ باردٍ يثقلُه الغيم، كان المطر ينقر بقايا الخيام المهترئة كما لو أنه يختبر صمودها الأخير. في إحدى مخيمات مواصي خان يونس، جنوب قطاع غزة، جلس المسن الفلسطيني يوسف عبد الرحمن، المصاب منذ أكثر من 3 شهور، يلف جسده النحيل ببطانية رطبة لا تردّ عنه قسوة المنخفض الجوي ولا تُسكِت أنين الألم المتجذّر في عظامه. لم يكن يوسف يطلب أكثر من ليلة نوم بلا وجع، أو دواء يخفف التهاب الجرح الذي لازمه منذ إصابته، لكنه وجد نفسه فجأة في مواجهة فراغٍ قاسٍ بعد أن توقفت يد المنظمات الإنسانية التي كانت تسنده في رحلة العلاج الطويلة.
يوسف يتألم على حدود «الأطباء»
يوسف، الذي تجاوز السبعين من عمره، لم يعد يحتمل الجلوس طويلًا ولا الوقوف، بعدما تركت الإصابة آثارها الثقيلة على ظهره وأطرافه. كان يعتمد في علاجه اليومي على أدوية وفّرتها له منظمة «أطباء بلا حدود»، تلك التي كانت بالنسبة إليه أكثر من مؤسسة طبية؛ كانت طوق نجاة وسط بحر الحصار. ومع قرار الاحتلال بوقف عمل عشرات المنظمات الإنسانية، انقطع الدواء فجأة، وبات الألم ضيفه الدائم في ليلٍ بلا نوم.
بصوتٍ مبحوح يختلط فيه الغضب بالعجز يقول يوسف خلال حديثه لـ«عُمان»: «أنا في حاجة ماسة للعلاجات والأدوية ولكل مقومات الحياة، لم أعد أحتمل؛ فأنا لا أستطيع النوم طوال الليل، ووضعي الصحي متدهور للغاية. لا أملك المال لشراء الأدوية، فأين الناس؟ ولماذا يسيطر الاحتلال على كل شيء؟ نحن نريد للأدوية أن تصل، وأتساءل أين الدول الخارجية؟ أين العالم؟».
كلماته لم تكن مجرد شكوى، بل صرخة رجلٍ يشعر أنه تُرك وحيدًا في مواجهة الألم.
في كل مرة يحاول فيها يوسف تغيير وضعية جسده، يلسعه الألم في مكان الجهاز الطبي المثبّت في ظهره منذ ثلاثة أشهر، والذي يحتاج إلى ستة أشهر أخرى قبل إزالته. الالتهاب يزداد، والدواء مفقود، والليل أطول من قدرته على الاحتمال. «لقد قتلتنا إسرائيل في الحرب، وأغلقت المنافذ ومنعت وصول الأدوية»، يختم حكايته وهو يحدّق في الفراغ، «نطالب بعودة المؤسسات الأجنبية، ونريد للبعثات الطبية أن تواصل عملها، فالدواء لم يعد متوفرًا تمامًا».
قرار يغلق النوافذ القليلة
لم تأتِ معاناة يوسف من فراغ، بل كانت نتيجة مباشرة لقرار حكومي إسرائيلي جرى تبليغه رسميًا للمنظمات غير الحكومية الدولية في 30 ديسمبر 2025، قضى بفرض حظر على أنشطة 37 منظمة إنسانية دولية كانت تشكّل شريانًا حيويًا لتوفير العلاج والأدوية والغذاء والمأوى لآلاف المرضى والجرحى في قطاع غزة، بدعوى عدم «تلبية معاييرالأمن والشفافية المطلوبة».
وبموجب القرار، انتهى تسجيل هذه المنظمات في 31 ديسمبر 2025، على أن يدخل حيّز التنفيذ مع مطلع يناير 2026، مترافقًا مع فترة مدتها 60 يومًا تُلزمها بوقف عملياتها بالكامل في قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وهو ما اعتبرته المنظمات إجراءً «ينتهك، أو على الأقل يقوّض، القانون الإنساني الدولي».
وقبل هذا القرار، كانت 53 منظمة دولية غير حكومية تعمل في الأراضي الفلسطينية، وتضطلع بدور مركزي في سدّ العجز شبه الكامل في المنظومة الصحية والغذائية، سواء عبر تشغيل العيادات الميدانية، أو توفير الأدوية المنقذة للحياة، أو توزيع الطرود الغذائية والخيام ومواد الإيواء.
وقد حذّرت هذه المنظمات، في بيانات أصدرته في الثاني من يناير 2025، من أن إجراءات التسجيل الإسرائيلية الجديدة تهدّد بوقف عملها بشكل عام، وتفرغ العمل الإنساني من مضمونه في لحظةٍ يواجه فيها سكان غزة مستويات غير مسبوقة من الفقر والمرض وسوء التغذية فضلًا عن المنخفضات الجوية الباردة التي تضرب القطاع.
وأوضح البيان إلى أن 37 منظمة غير حكومية دولية من بينها «أطباء بلا حدود» و«المجلس النرويجي للاجئين» و«كير» و«وورلد فيجن» و«أوكسفام» تلقت إشعارًا رسميًا بانتهاء تسجيلها، ما ينذر بتحويل الأزمة الصحية والغذائية والإيوائية في القطاع من حالة طوارئ إلى كارثة مفتوحة، يدفع ثمنها المدنيون وحدهم.
أطفال بلا سقف أو لقمة
لم يكن يوسف وحده من دفع ثمن هذا القرار. في إحدى مخيمات النزوح المطلة على البحر بمدينة، تجلس أم محمد السالمي، سيدة فلسطينية فقدت زوجها في حرب الإبادة، وتحوّلت فجأة إلى أمٍّ وأبٍ لخمسة أطفال. كانت خيمتها، التي بالكاد تحميهم من الريح، قد جرفتها الأمطار خلال آخر منخفض جوي، لتجد نفسها وأطفالها في العراء، بلا مأوى ولا قدرة على تدبير خيمة جديدة.
تقول أم محمد لـ«عُمان» وهي تضم طفلها الأصغر إلى صدرها: «نعيش على وجبة واحدة في اليوم، وأحيانًا لا تكفينا. كنت أعتمد على مساعدات المنظمات الإنسانية في الطعام وبعض المستلزمات، لكن كل شيء توقف فجأة». عيناها المتعبتان تحملان خوفًا لا تخطئه العين، خوفًا من ليلٍ بلا سقف، ومن بردٍ يلسع أجساد أطفالها.
القيود التي فرضها الاحتلال على عمل المنظمات ودخول المساعدات جعلت حياة أم محمد أكثر قسوة. لم يعد هناك من يوزّع الغذاء بانتظام، ولا من يوفّر خيامًا بديلة، ولا من يلتفت إلى أمٍّ تحاول وحدها أن تُبقي أطفالها على قيد الحياة. «أطفالي يسألونني كل ليلة أين سننام، ولا أملك جوابًا»، تقول بصوتٍ منكسر، «كل ما نريده أن نعيش بكرامة».
الحقوق تحت الحصار
ووفقًا لبيان صدر عن وزارة شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية الإسرائيلية، فإن المنظمات الإغاثية الـ37 «لم تزوّد السلطات بقائمات أسماء موظفيها الفلسطينيين عملا بالتشريع جديد» والذي يهدف لمنع تسلل عناصر إرهابية، حسب تعبيرها.
بدورها أكدت «أطباء بلا حدود» في بيان أنها تطبق «سياسات داخلية صارمة لضمان احترام القوانين ومنع أي تحويل للمساعدات أو أي ارتباط بجماعات مسلحة». موضحة أنها «لم تقدّم قائمة بموظفيها لعدم حصولها من إسرائيل على ضمانات وتوضيحات بخصوص هذا الطلب المقلق».
في هذا السياق، يؤكد أمجد الشوا، مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، أن قرار الاحتلال يشكل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني. يقول الشوا إن «منع المنظمات الإنسانية من العمل، خاصة في قطاع غزة، يعني عمليًا تجريد السكان من حقهم في الصحة والغذاء والمأوى، وهي حقوق مكفولة بموجب القوانين الدولية».
ويضيف خلال حديثه لـ«عُمان» أن اشتراط تقديم بيانات تفصيلية عن الموظفين، بهذه الطريقة، «لا يهدف إلى الشفافية بقدر ما يهدف إلى تقييد العمل الإنساني وابتزازه سياسيًا»، مشيرًا إلى أن الاحتلال يستخدم هذه الإجراءات كأداة ضغط جماعي على السكان المدنيين.
ويرى الشوا أن توقيت القرار بالغ الخطورة، إذ يأتي «في ظل أوضاع إنسانية كارثية، ومع انخفاض درجات الحرارة، ووجود عشرات آلاف الجرحى والمرضى الذين يعتمدون بشكل شبه كامل على خدمات المنظمات الدولية». ويشدد على أن غياب هذه المنظمات سيؤدي إلى «انهيار ما تبقى من المنظومة الصحية والاجتماعية في القطاع».
ويطالب الشوا المجتمع الدولي بتحمّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، والعمل الجاد لإجبار الاحتلال على التراجع عن هذا القرار، وضمان استمرار عمل المنظمات الإنسانية دون قيود، «لأن البديل هو ترك ملايين البشر يواجهون مصيرهم وحدهم».
مخاوف أممية وتحذير
لم تغب هذه التطورات عن أنظار الأمم المتحدة. فقد دعا الأمين العام أنطونيو غوتيريش الاحتلال الإسرائيلي إلى وقف تعليق عمليات عدد من المنظمات الدولية غير الحكومية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، معربًا عن قلقه العميق من هذا الإجراء.
وقال المتحدث باسم الأمين العام، ستيفان دوجاريك، إن هذا الإعلان «يأتي إضافة إلى القيود السابقة التي أدت بالفعل إلى تأخير دخول الإمدادات الغذائية والطبية والصحية والمأوى الضرورية إلى غزة»، محذرًا من أن «هذا الإجراء الأخير سيزيد من تفاقم الأزمة الإنسانية التي تواجه الفلسطينيين».
قرار سياسي وليس أمني
من جانبه، يرى سامي الأسطل، المحلل السياسي والمحاضر بجامعة الأقصى، أن قرار الاحتلال بمنع تجديد عمل أكثر من ثلاثين مؤسسة دولية في غزة «سياسي يطال قطاعات حيوية، على رأسها الصحة». ويوضح أن هذه المؤسسات كانت تقدم خدمات أساسية للمرضى، وكبار السن، والأطفال، والنساء، وأن غيابها يخلق فراغًا لا يمكن للمنظومة المحلية المنهكة أن تسده.
ويشير الأسطل خلال حديثه لـ«عُمان» إلى أن هذا القرار «يلقي بظلاله السلبية الكبيرة على المواطن الفلسطيني، ويحرم آلاف الجرحى والمصابين من العلاج والرعاية»، معتبرًا أن الاحتلال يسعى من خلال هذه الخطوة إلى فرض شروط جديدة على المانحين والمؤسسات الدولية.
ويؤكد أن استمرار هذا المنع سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، داعيًا الجهات الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار إلى التدخل العاجل للضغط على الاحتلال من أجل العدول عن قراره.
