الكبار ما زالوا ينسجون الحكايات والصغار يقبضون على مفاتيح العودة
يصبغ الإحتلال الإسرائيلي الذكرى الـ78 للنكبة الفلسطينية بالدم، فيواصل عمليات القتل والتهجير ذاتها في غزة والقدس وجنين وطولكرم ونابلس، ما يجعل إحياءها هذا العام، يتخذ شكل الإحتجاج الصارخ والمواجهة العنيفة، فتمر الذكرى الأليمية على وقع حرب عدوانية لم تنته في قطاع غزة، ولم توقفها "التهدئة" الهشة، بل ما زالت مستعرة، عنوانها العريض "نكبة ثانية".. وقودها الناس والحجارة، سقط على إثرها ما يزيد عن 73 ألفاً من الشهداء، وأضعاف أضعافهم من الجرحى والنازحين والمفقودين.
"كل أيامنا نكبة" قال المواطن عبد الكريم حماد (87) عاماً من قرية سلمة قضاء حيفا، ويسكن في مخيم الأمعري للاجئين قرب مدينة رام الله، والذي قلّبت ذكرى النكبة أوراق حياته اليومية، مبيناً أنه ذاق مرارة التهجير طفلاً، إذ كان بعمر 11 عاماً، لكنه لا زال يذكر تفاصيل قريته، و"يومياً يتجول في حاراتها" وفق تعبيره.
يروي لـ"عُمان": "زرت قريتي سلمة قبل عدة سنوات، فوجدتها موحشة.. أبواب المنازل مفتّحة، والدمار والخراب في كل مكان، كأنه ضربها زلزال.. صعقت للمشاهد التي رأيتها، وتذكرت البيارات التي كنا نسرح ونمرح فيها، واليوم نعيش في أزقة مكتظة، تضيق علينا كلما تعاقبت الأيام والسنين" متسائلاً: "أليس الدم الذي يراق اليوم في قطاع غزة والضفة العربية نكبة؟.. ألا يشكل تدمير المنازل وتشريد ساكنيها نكبة؟.
-نكبات تتوالى-
هي سلسلة نكبات تتوالى طالما ظل الاحتلال الإسرائيلي يجثم على الأرض الفلسطينية، وبعد 78 عاماً على النكبة الأولى، ما زال الفلسطينيون يعيشون تفاصيلها وإن بصور وأشكال مختلفة، فهناك في مخيمات الشتات الملايين من الفلسطينيين الذين ما زالوا يعيشون بعيدين عن أرضهم وأوطانهم، التي هجروا منها تحت تهديد السلاح، فيما على الأرض الفلسطينية لا زالت قذائف الاحتلال وصواريخه، تلاحقهم صباح مساء.
رغم ذلك، لم تتراجع آمال اللاجئين الفلسطينيين الذين شردتهم النكبة، في العودة إلى أرضهم وديارهم، وفقاً لما نصت عليه القرارات والقوانين الدولية، كما لم تتأثر مواقفهم وأحلامهم تجاه قضيتهم، فمشاعر الحنين والذكريات والعواطف، وكل أشكال الإرتباط الوجداني بين الإنسان ووطنه الضائع، ظلت قائمة وماثلة في الأذهان إلى يوم العودة الحتمي.
"كيف لنا أن ننسى أرضنا ووطننا"؟.. قال حسن الجوابرة "أبو خالد" من قرية عراق المنشية المهجرة قضاء المجدل، ويعيش في مخيم العروب قرب مدينة الخليل، مضيفاً: "حتى صغارنا نعلمهم ونربيهم على أن أرضهم وبلدهم هناك، قرب المجدل وعسقلان وحيفا ويافا وعكا، وأن هذه المخيمات ما هي إلا محطات مؤقتة على طريق العودة".
يوالي الجوابرة لـ"عُمان": "خرجنا من أرضنا وقرانا تحت الرصاص والقذائف.. أوهمونا أنها (جمعة مشمشية) وسنعود، وها هي الجمعة تستمر لـ(جُمعات) وتمتد إلى سنوات، لكن لدينا إيمان راسخ بأن عودتنا حتمية، وإن لم تتحقق في حياة جيلنا (يقصد جيل النكبة) ففي حياة الأجيال القادمة".
-لم يفقدوا أمل العودة-
الجوابرة، الذي الذي خرج من قريته شاباً يافعاً، ومضى به قطار العمر في الأزقة المضغوطة في مخيم العروب، حيث يقارب التسعين اليوم، لم يفقد أمله باليوم الذي يسترد فيه أرضه، موضحاً: "لا زلت أذكر"عراق المنشية" وأتخيل ثناياها شبراً شبراً، وسنرجع يوماً إلى بياراتها وحقولها".
وفي 15 مايو من كل عام، يتجدد وجع النكبة في نفوس من عايشوها، فيتجدد معها تمسكهم بالعودة، حتى لو كان ذلك من خلال الأبناء أو الأحفاد، الذين عاشوا أحداثها من خلال روايات الآباء والأجداد "الذين أُخرِجُوا من ديارهم بغير حق" ففقدوا أرضهم ووطنهم، لكنهم لم يفقدوا أمل العودة، وإن قست عليهم الأيام والسنين، وأطالت عليهم عودتهم.
وعلى تخوم الذكرى الـ78 للنكبة، لا زال في مخزون الذاكرة الفلسطينية المزيد عن وجعها، وما تفرع عنها من نكبات بفعل الاحتلال الجائر، الذي طالما استمر على الأرض الفلسطينية، ستبقى الجراح نازفة، والنكبات متعاقبة، وسيبقى الآباء والأجداد ينسجون الحكايات للأبناء والأحفاد، عن موسم الحراث لأرضهم، وجني محصول قمحهم، الذي تركوه في حقولهم أخضر، وما زال ينتظر الحصاد، فيما صغارهم يحفظون وصية الكبار، فتراهم يقبضون على مفاتيح العودة، وكواشين الأرض، يستلهمون الصبر على وجع السنين، وينتظرون أجراس العودة أن تُقرع.. فلتُقرع.
