No Image
العرب والعالم

التحالف الأخضر الأمريكي - الباكستاني يعزز التعاون المناخي في مجال الطاقة

30 مارس 2026
30 مارس 2026

واشنطن "د. ب. أ": يمكن للولايات المتحدة وباكستان أن تعززا استقرارهما الاقتصادي والاستراتيجي عبر التعاون في مواجهة تغير المناخ وتطوير الطاقة المتجددة.

وتقول الباحثة سايمة أفضال في تقرير نشرته مجلة "ناشونال إنتريست" الأمريكية إنه على مدى عقود، لعبت الولايات المتحدة دورا هادئا لكنه مهم في بناء البنية التحتية للطاقة في باكستان. وأسهم الدعم الأمريكي في تنفيذ مشاريع كهرومائية كبرى مثل سدي مانجلا وتاربيلا، وساعد في تعزيز أنظمة نقل الكهرباء في البلاد. وأسهمت هذه الجهود في دعم التنمية الصناعية المبكرة لباكستان، وشكلت هيكل قطاع الكهرباء فيها.

وتقول أفضال إن محور هذا التعاون يتغير اليوم. فالتغير المناخي، والطلب المتزايد على الطاقة، والتطورات التكنولوجية في مجال الطاقة المتجددة تدفع البلدين نحو نموذج مختلف من الشراكة. ويتيح التعاون في مجال الطاقة النظيفة لواشنطن فرصة ليس فقط لدعم تحول باكستان في مجال الطاقة، بل أيضا لتعزيز حضورها الاستراتيجي في جنوب آسيا، في وقت أصبح فيه الاستثمار في البنية التحتية ساحة مهمة للتنافس الجيوسياسي.

ويتمثل حجر الأساس لهذا الإطار الناشئ في "التحالف الأخضر الأمريكي-الباكستاني". وأطلق هذا التحالف في عام 2022، ويهدف إلى توسيع التعاون في مجالات الطاقة المتجددة، والقدرة على التكيف مع تغير المناخ، والتنمية المستدامة. ويجمع هذا التعاون بين الهيئات الحكومية ومؤسسات البحث وفاعلين من القطاع الخاص لتعزيز الاستثمار في الطاقة المتجددة وتقوية شبكات الكهرباء، ودعم جهود التكيف المناخي. وعمليا، يركز التحالف على نقل التكنولوجيا والتعاون البحثي وآليات التمويل التي يمكن أن تسرع انتقال باكستان نحو أنظمة طاقة أنظف وأكثر موثوقية.

وترى أفضال أن قطاع الكهرباء في باكستان لا يزال يواجه مشكلات هيكلية تعيق النمو الاقتصادي. فقد أدى التوسع العمراني السريع والتوسع الصناعي إلى زيادة الطلب على الكهرباء، بينما حدت البنية التحتية القديمة وخسائر النقل من قدرة النظام على تلبية هذا الطلب بشكل موثوق. كما أن انقطاع التيار الكهربائي وارتفاع تكاليفه أثرا سلبا على الاستثمار وأبطآ النشاط الصناعي. وغالبا ما تعتمد الشركات على مولدات احتياطية للحفاظ على الإنتاج، ما يزيد من تكاليف التشغيل ويضعف القدرة التنافسية.

ويزيد تغير المناخ من تعقيد هذه التحديات. فقد شهدت باكستان في السنوات الأخيرة فيضانات وجفافا وموجات حر أكثر تكرارا، وهي أحداث تضغط على الموارد المائية وتلحق أضرارا بالبنية التحتية للطاقة. وتبرز هذه الضغوط الحاجة إلى تنويع مصادر الكهرباء وتحسين قدرة النظام الكهربائي على الصمود.

ولذلك، وضعت باكستان هدفا يتمثل في توليد 60% من الكهرباء لديها من مصادر متجددة بحلول عام 2030، وهو ما يتطلب توسعا كبيرا في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب تحسينات كبيرة في شبكات نقل الكهرباء.

وأصبحت الطاقة الشمسية عنصرا محوريا في التخطيط طويل الأجل للطاقة في باكستان. إذ تتمتع البلاد بأشعة شمس وفيرة على مدار العام، خاصة في إقليمي السند وبلوشستان، ما يوفر فرصا مناسبة لتوليد الطاقة الشمسية على نطاق واسع.

كما أن انخفاض تكاليف تقنيات الخلايا الكهروضوئية جعل الطاقة الشمسية أكثر جاذبية. وتشهد المزارع الشمسية وأنظمة الأسطح توسعا في أنحاء باكستان، مع سعي الشركات والأسر إلى مصادر كهرباء أكثر موثوقية.

وبالنسبة للصناعات الموجهة للتصدير والمناطق الاقتصادية الخاصة، فإن الإمداد المستقر بالكهرباء يعد أمرا أساسيا. ولهذا، أصبحت أنظمة الطاقة الشمسية اللامركزية أداة مهمة لتحقيق استقرار الإمدادات الكهربائية وتعزيز القدرة التنافسية الصناعية. وترى أفضال أنه يمكن للشركات الأمريكية أن تلعب دورا مهما في هذا التحول، إذ لا تزال رائدة في تقنيات الطاقة الشمسية، وأنظمة تخزين البطاريات، وتقنيات إدارة الشبكات. ويمكن للتعاون في إطار التحالف الأخضر أن يسهم في تسهيل الاستثمار ونقل التكنولوجيا وتوفير الخبرات الفنية اللازمة لتوسيع قدرات الطاقة المتجددة.

ولطالما شكلت الطاقة الكهرومائية حصة كبيرة من كهرباء باكستان. غير أن التغيرات البيئية بدأت تعقبد الاعتماد على هذا المصدر.

فذوبان الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا وتغير أنماط الرياح الموسمية يؤثران في تدفقات الأنهار التي تغذي خزانات المياه في باكستان، ما يزيد من حالة عدم اليقين في إنتاج الطاقة الكهرومائية، خاصة خلال فترات الجفاف أو عدم انتظام الأمطار. ومن ثم، فإن التوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح يوفر وسيلة مهمة للحد من هذه المخاطر، إذ يتيح مزيج طاقة متنوع للحفاظ على استقرار إنتاج الكهرباء رغم تقلب الظروف البيئية.

ويعزز التحالف الأخضر أيضا التعاون في مجالات مثل إدارة المياه والزراعة المستدامة والتكف مع تغير المناخ، وهي قطاعات ترتبط ارتباطا وثيقا بالاستقرار الاقتصادي في باكستان.

ولا تزال الزراعة أحد أكبر مصادر التوظيف في البلاد، غير أن ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الأمطار يجعلان ظروف الزراعة أكثر تقلبا. ويمكن للممارسات الزراعية الذكية مناخيا، مثل أنظمة الري الفعالة وتحسين إدارة المحاصيل، أن تساعد المزارعين على التكيف مع هذه التغيرات.

كما يشمل التحالف تطوير القوى العاملة، إذ تعمل مؤسسات بحثية وجامعات في البلدين على توسيع برامج التدريب في مجالات الطاقة المتجددة والإدارة البيئية والبنية التحتية المستدامة.

ويحمل التعاون في مجال الطاقة مع باكستان أبعادا استراتيجية أوسع بالنسبة للولايات المتحدة، إذ أصبح الاستثمار في البنية التحتية عنصرا مهما في التنافس الجيوسياسي، خاصة في الدول النامية.

وقد وسعت الصين بشكل كبير دورها في قطاع الطاقة الباكستاني من خلال مشاريع مرتبطة بمبادرة الحزام والطريق، ركز كثير منها على محطات الطاقة الكبرى والبنية التحتية للنقل.

وترى أفضال أنه رغم أن هذه الاستثمارات ساعدت في معالجة نقص الطاقة في باكستان، فإنها تسلط الضوء أيضا على الأهمية الاستراتيجية المتزايدة لتطوير البنية التحتية. وفي هذا السياق، يوفر التعاون في الطاقة المتجددة فرصة للولايات المتحدة للتفاعل مع باكستان في مجالات تدعم التنمية الاقتصادية، مع تعزيز ممارسات الاستثمار الشفافة والابتكار التكنولوجي.

ومن ثم، فإن تعزيز التعاون في مجال الطاقة يمكن أن يسهم في استقرار الاقتصاد الباكستاني وفي تحقيق توازن أكبر في مشهد التنمية الإقليمية.

و يمثل التحول من مشاريع البنية التحتية التقليدية إلى التعاون في الطاقة المتجددة انتقالا مهما في العلاقات بين الولايات المتحدة وباكستان. ويوفر التحالف الأخضر إطارا يمكن من خلاله للبلدين مواجهة التحديات المناخية، مع تعزيز الروابط الاقتصادية والاستراتيجية. وبالنسبة لباكستان، يوفر التوسع في الطاقة المتجددة مسارا نحو أمن طاقة أكبر وتنمية اقتصادية مستدامة. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن التعاون في الطاقة النظيفة يمثل فرصة لتعزيز دورها كشريك في التنمية الإقليمية، في وقت أصبح فيه الاستثمار في البنية التحتية عنصرا محوريا في المنافسة الدولية.

ومع إعادة تشكيل أنظمة الطاقة العالمية بفعل تغير المناخ، من المرجح أن تزداد أهمية الشراكات القائمة على الابتكار التكنولوجي والتنمية المستدامة. ويشير العصر الجديد من التعاون الطاقي بين الولايات المتحدة وباكستان إلى أن الدبلوماسية المناخية يمكن أن تخدم ليس فقط الأهداف البيئية، بل أيضا المصالح الاستراتيجية الأوسع في جنوب آسيا.