الأسرى الفلسطينيون في رمضان.. جوعٌ على جوع
يختار الفلسطينيون المواقيت والأسماء لموجات المواجهة المستمرة مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، بمقاربات قاسية ودلالات صعبة، عادة ما تترك بصماتها ونتائجها رهناً بصبرهم وصمودهم، تماماً كما هو الحال في معادلة الصدام المستمر منذ سنوات.
ويمكن للتسمية أن تأتي تحالفاً مع مواجهة ما، ولذا فإن العدوان على الأسرى الفلسطينيين الرازحين خلف قضبان وأسلاك سجون ومعتقلات الاحتلال (سرّها وعلانيتها) ليس سوى محطة أخرى من مواجهة تكاد لا تستثني أحداً من الشعب الفلسطيني، إذ نحو 10 آلاف أسير سجلوا قفزة قاتلة أخرى في الصدام مع الكيان الإسرائيلي، في ضوء حالة عدم التوزان القائمة منذ الاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين عام 1948.
في تدشينهم للمواجهة المفتوحة مع سجانيهم، يكثر استخدام مصطلحات من قبيل "حرب الأمعاء الخاوية" و"معركة الصبر" من خلال نضال "الإضراب المفتوح عن الطعام" والذي تكرر في محطات كثيرة، ولإقدام الأسرى على مثل هذه المجازفة ما يبرره، فممارسات سلطات الاحتلال وإدارات السجون، ودرجة القمع والتنكيل هي من تدفعهم إلى تلك المخاطرة.
في سنوات التفاوض المتواترة والمتوترة، بين الفلسطينيين والكيان الإسرائيلي، لم يُسجل أي تقدم بملف الأسرى الفلسطينيين، سوى من خلال بعض الصفقات المصبوغة بالدم، ومع انسداد الأفق السياسي تبقى قضيتهم مفتوحة على الإنتظار المؤبد.
ولا يخلو ملف الأسرى من أسباب سياسية، إذ ظلت قضية المعتقلين في سجون الاحتلال علامة فارقة في مجمل العمل السياسي والنضال الجماهيري الفلسطيني، وفي ظل المعاناة المفروضة عليهم، وسياسة "القتل البطىء" التي تمارسها سلطات الاحتلال بحقهم، وامتهان كرامتهم، يبقى "الإضراب عن الطعام" السلاح الوحيد بين أيديهم.
صيام مفتوح
مع حلول شهر الصيام، يروي الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال، رمضاناً مختلفاً، وأشبه بجردة حساب إنساني، يفضح الوجه البائس للكيان الإسرائيلي، وهم يضعون أيديهم المكبلة بأصفاد جلاديهم، على حريتهم بكلفتها الباهظة "الحرية أو الشهادة".
واستناداً إلى أسرى فلسطينيين مُفرج عنهم، تحتاج الضحية من أجل تسويغ خسارتها، والإلتفاف على وجعها، إلى الكثير من "الحِيَل" ومفردات المكابرة، فتتراكم الأوجاع في شهر رمضان، بصيام مفتوح، ويمكن لمن هو خارج أقبية السجون، أن يسمع بكلمات من قبيل: "سجن، زنزانة، قيد" لكن انعكاسات هذه المفردات لا تفارق الأسير الفلسطيني، فالزنازين غدت مكاناً للقتل الآدمي جسداً وروحاً، والسلاسل باتت تحدٍ من الأسير لسجانيه، أما القيد فهو محاولة جائرة لتقييد حرية الإنسان بالكلمة والجسد.
وليس من الغريب أن ينطق الأسير المفرج عنه (محمد) من إحدى قرى غرب رام الله (إكتفى بذكر اسمه الأول تجنباً للاعتقال ثانية) بما لا يصدقه عقل بشر، مبيناً أنه صام (قبل رمضان) أكثر من 50 يوماً بشكل متواصل، اعتاد خلالها على فك صيامه على ملعقة أرز، أو شربة ماء، مشدداً: "هذا حال الكثيرين من الأسرى، وفي شهر رمضان يشرع الأسرى بصيام مفتوح، يفطرون على "وجبات" من الضرب ويتسحرون على المقع والتنكيل، ولا يسمعون صوتاً للآذان، وبعضهم يقيمون الصلاة "خلسة" ويقتصر طعامهم وشرابهم على الماء والملح".
ويروي لـ"عُمان": "لا تعير قوات الاحتلال أي اهتمام للشعائر الدينية، فتمنع الآذان وإقامة الصلاة، وتتعمد تقديم (أشباه الوجبات) المقدمة للأسرى قبل الإفطار، وتأخير وقت السحور.. كنا نصوم دون معرفة وقت الإمساك أو الإفطار، ونواجه التعذيب النفسي والجسدي".
ويواصل: "تتعمد إدارة السجون، الرد على صيام الأسرى، بعمليات قمع وتنكيل واسعة، وتصميم على إفساد طقوس الشهر، من خلال رفض التعامل مع مطالب الأسرى الانسانية، بل إن ممارسة الشعائر الدينية أصبحت تهمة بحد ذاتها، وتُواجه بالضرب والشبح لساعات طويلة".
الموت وقوفاً
وحسب احصاءات مؤسسات حقوقية فلسطينية، يعاني قرابة 10 آلاف فلسطيني، الجوع والحرمان في سجون الاحتلال، لكن الحالة العامة للمعتقلين الفلسطينيين الموزعين على أكثر من 20 سجناً، تظل الدافع الأكبر وراء صمودهم وإصرارهم على خوض تجربة المواجهة القاسية.
ولا يمكن للرد الذي تقدم به ما يسمّى "وزير الأمن القومي الإسرائيلي" المتطرف إيتمار بن غفير، بإعدام الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، إلا أن يكون تلبية لدواع انتقامية ونوازع عدوانية، تجاه أسرى مكبلين ومجوّعين، وتستند على توصيات من جهات قضائية إسرائيلية، بتشديد القبضة الحديدية على الأسرى الفلسطينيين، وليس أدل على ذلك من استشهاد نحو (70) منهم داخل السجون، منذ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.
في شهر الصيام، فإن صيام الأسرى الفلسطينيين وجوعهم لا يتعلق فقط بوضعهم الإنساني الخاضع لسطوة وقهر السجان، بل يمتد ليطال كرامتهم المنتهكة، فالسجون الإسرائيلية التي تقفل أبوابها الفولاذية الغليظة، وتنصب أسلاكها الحادة والعالية على كتل بشرية قوامها شبان ورجال ونساء وأطفال، تنتظرهم عائلات موجوعة تُقدر أعدادها بالآلاف، إنما تقتل الحياة وتمزق الأواصر.
وتنص المعاهدات الدولية، على ضرورة احترام كرامة أسرى الحرب، لكن سلطات الاحتلال الإسرائيلي لا تقيم وزناً ولا شأناً لهذه القرارات والمواثيق، وفي ظل الظروف القائمة، فإن صمود الأسرى الفلسطينيين، أو موتهم وقوفاً، يعدّ إنجازاً معتبراً، إلى حين حرية.
ثمة سجن آخر كبير يضم الفلسطينيين، اسمه الضفة الغربية، ولا يلوح في الافق سوى شمس تشرق على خجل في الأجواء الباردة، هي لا تضيف عطشاً ولا جوعاً على الأسرى المعذبين والمنهكين، فقط تعطيهم الأمل بأن شمس الحرية ستشرق ولو بعد حين.
