أمنيات مؤجَّلة.. ومخاوف لا تنتهي
د.حكمت المصري -
مع انبلاج عام 2026، لا تستقبل نساء غزة الأرامل عامًا جديدًا بصفحات بيضاء، بل يفتحن دفاتر مثقلة بثلاث سنوات من الفقد، والجوع، والبرد، والخوف، والتشرّد.
هنا، لا تُقاس البدايات بالأحلام، بل بقدرة الأم على النجاة بيوم آخر، وحماية أطفالها في واقع ينهار فيه كل شيء.
الماء... بداية النهار ونهايته في دير البلح، تبدأ سمر حمودة (37 عامًا)، أرملة وأم لستة أطفال، نهارها قبل شروق الشمس.
تحمل جالون الماء الفارغ برفقة ابنها قصي (9 أعوام)، وتسير مسافة طويلة وسط الطين والركام، تاركة أطفالها نائمين في خيمة مهترئة.
تقول سمر:"أخاف أن أتركهم وحدهم، لكن إن لم أحضر الماء فلن نشرب. لا أحد من أقاربي هنا. نحتاج يوميًا إلى كمية وفيرة من الماء لغسل الصحون والملابس.
نعاني من شُح المياه منذ بداية الحرب. الجالون ثقيل، لكن الأثقل أن أعرف أنه يجب أن يكفينا ليوم كامل." تعود بعد ساعات، لتبدأ معركة أخرى: إعداد الطعام.
لا مطبخ في أماكن النزوح، كل شيء بدائي، إشعال النار يتطلب حطبًا مفقودًا، والوقت يُستهلك في التدبير لا في الراحة.
تضيف سمر، وقد بدا الإرهاق واضحًا على ملامحها: "كبرت مسؤولياتي. مطالب الأولاد كثيرة. أُعدّ الطعام وأُطعمهم أولًا، وأقول إنني شبعت. الجوع يمكن احتماله، لكن الأطفال لا يستطيعون. أقوم بدور الأب والأم معًا، فُقد والدهم أثناء ذهابه للحصول على المساعدات." ومع دخول 2026، لا تحمل سمر أمنيات كبرى: "أخاف من المرض، من البرد، من أن تتمزق الخيمة في ليلة عاصفة. أدعو الله أن تنتهي هذه الحرب، وأن لا تعود المجاعة، وأن لا أفقد أبنائي. هذا كل ما أفكر به مع بداية العام." الخيمة... البيت الأخير في خانيونس، تقضي أم العبد الدبس (33 عامًا)، أرملة وأم لثلاثة أطفال، جزءًا كبيرًا من يومها في محاولة الحفاظ على خيمتها قائمة.
الأمطار الغزيرة لم تهدأ منذ أيام، ومنخفض يتلوه آخر.
تقول:"الخيمة أصبحت بيتنا. إذا سقطت، لا نملك غير السماء. لم أنم طوال الليل، كنت أسدّ الثقوب بقطع نايلون وأربط الحبال بيدي. كان ابني محمد (10 أعوام) يساعدني." الطعام في خيمتها ليس وجبة، بل تدبير يومي: "أصطف كل يوم في الطابور للحصول على وجبة ساخنة لأطفالي. يتذمرون لأن أغلب طعامنا عدس، لكن المهم أن يناموا دون صراخ." ومع بداية العام الجديد، يرافقها خوف آخر: "أخاف أن يكبروا هنا، أن ينسوا المدرسة وذكريات البيت الذي أصبح ركامًا. ثلاث سنوات من التشرد والخوف والفقد. أتمنى أن نعود إلى بيت لاهيا، مسقط رأسي." الأطفال... مسؤولية مضاعفة في بيت لاهيا، تقف أم حسن المصري (40 عامًا) أمام قبر زوجها برفقة أطفالها الأربعة.
استُشهد قبل أشهر أثناء وجوده في رفح بحثًا عن لقمة العيش.
تقول بصوت يختلط فيه الألم بالإيمان:"خرج وهو حامل همّنا، راح وما رجع. راح بطريق الشقاء، طريق الناس البسيطة اللي كل يوم بيحاربوا الحياة عشان يطعِموا أولادهم." وتضيف وهي تحتضن طفلها الصغير، الذي لا يزال يسأل عن والده:"ترك وجعًا ما بينوصف، وحياة فاضية من دونه. كل مرة أبكي أقول: يا رب، هو راح في سبيلك، ما كان بدّه إلا يعيش بكرامة ويأمّننا من الحرام. اكتب له أجر الشهيد، واملأ قبره نورًا ورضا." الخوف على الطفولة أما فاطمة محمود (27 عامًا)، أرملة وأم لطفلين، فتمضي يومها في مراقبة طفليها أكثر مما تطعمهم.
تقول: "الحياة داخل المخيم تتطلب الحذر. أخاف على أطفالي من مخلفات الحرب، الركام، الحفر، وآبار الصرف الصحي. الطفل هنا لا يحتاج لعبة، يحتاج أمًّا بعينين لا تنامان." تغسل الملابس بكمية ماء قليلة، وتعلّم طفليها ألا يسكبا نقطة واحدة:"الماء أثمن من أي شيء. أعلّمهم الاقتصاد في كل شيء. حياتنا صعبة، ولا يد تساعدنا بعد فقد زوجي." أمنيتها لعام 2026 بسيطة ومؤلمة: "أريد مدرسة حقيقية، لا خيمة تعليم." المرض... حين يصبح الخوف دائمًا ضحى عرفة (26 عامًا)، أرملة وأم لطفل يعاني مرضًا مزمنًا في الصدر، تواجه عبئًا مضاعفًا.
الدواء مفقود، والمتابعة الطبية شبه معدومة.
تقول وهي تضم طفلها لتدفئه: "أخاف من الليل، البرد يشتد ولا دواء. أتنقل بين النقاط الطبية دون جدوى.
يقولون: لا يوجد علاج. أعود وأحتضنه وأحسب أنفاسه، وأستخدم بدائل الأعشاب لتخفيف السعال." بالنسبة لها، عام 2026 ليس رقمًا جديدًا: "أمنيتي أن ينجو ابني هذا الشتاء... هذا كل شيء." عام جديد بلا بدايات مع مطلع 2026، تقف نساء غزة الأرامل على عتبة عام جديد وهنّ المعيلات الوحيدات لأطفالهن، في ظل انهيار شبه كامل لمنظومات الغذاء والصحة والحماية الاجتماعية، ونقص حاد في المساعدات، وصعوبة متزايدة في العيش.
أرقام تفجّر الواقع تشير تقارير رسمية صادرة عن مكتب الإعلام الحكومي إلى أن الحرب خلّفت أكثر من 14 ألف أرملة في قطاع غزة، ونحو 38 ألف طفل يتيم فقدوا أحد الوالدين أو كليهما.
الخلاصة مع بداية عام 2026، تتفق شهادات الأرامل على حقيقة واحدة ان العام الجديد لا يبدأ بخطط، بل بمحاولة النجاة من يوم آخر.
يحملن الماء، يطعمْن الأطفال من القليل، يصلحن الخيام بأيديهن، ويكتمْن الخوف في صدورهن، يدخلن العام الجديد بأكتاف محمّلة بما يفوق الاحتمال، لكنهن يواصلن الوقوف لا لأن الطريق سهل، بل لأن السقوط ليس خيارًا حين يكون الأطفال في الانتظار.
وفي غزة، يبقى العام الجديد وعدًا مؤجَّلًا إلى أن يتغيّر الواقع.
