العرب والعالم

أطفال غزة.. جروح لا تُرى وصدمات نفسية تتراكم

11 فبراير 2026
ذاكرة مثقلة بالرعب وفقدان الأمان
11 فبراير 2026

في غزة، لا يبدأ الصباح بصوت المنبّه، بل بنداء الخوف. أطفال يستيقظون قبل أعمارهم، يحملون الماء بدل الألعاب، ويحفظون أسماء الطائرات التي تجوب السماء ليل نهار، بدل أسماء الرسوم المتحركة. لم تعد الطفولة مرحلة عابرة في حياتهم، بل ذكرى بعيدة سرقتها الحرب، وتركَت مكانها ذاكرة مثقلة بالرعب، والنزوح، والخوف وفقدان الأمان.

لم تترك الحرب في قطاع غزة أثرها على الحجر وحده، بل حفرت عميقًا في ذاكرة الأطفال ونفوسهم. فبين القصف، والنزوح المتكرر، وفقدان الأحبة، وانهيار الحياة اليومية، يعيش أطفال غزة واحدة من أقسى الأزمات النفسية المركّبة التي يشهدها العالم المعاصر.

طفولة تعيش في الظل "أطفالي كبروا فجأة"

تقول ولاء محمود (36 عامًا)، أم لخمسة أطفال نازحة من شمال غزة داخل خيمة ضيقة، مفروشة ببطانية مهترئة تفصل الجسد عن الأرض الرملية الباردة، تجلس الأم تحدّق في طفلها الصامت.

تقول بصوت خافت: "كانوا أطفالًا الآن أشعر أنهم كبروا فجأة، ليس لأن أعمارهم زادت، بل لأن الحرب سرقت طفولتهم، بين حمل جالونات الماء، والاصطفاف للحصول على الطعام"، تشرح أن طفلها، البالغ من العمر عشر سنوات، لم يعد ينام ليلًا. "يستيقظ مذعورًا ويصرخ: الطائرة فوقنا. أضمه وأقول له إننا في خيمة، لكن الخيمة نفسها تخيفه. صوت الريح فيها يشبه صوت الصواريخ".

لم يعد يلعب، ولم يعد يضحك. "حتى لو وجد كرة، لا يعرف كيف يلعب. ينظر حوله أولًا، كأنه يتأكد أن الموت لن يأتي فجأة. سألني مرة: لو لعبت، هل سيموت أحد؟". تضيف أن أبناءها الأصغر سنًا يقلّدونه في كل شيء: خوف من الذهاب إلى حمّام المخيم وحدهم، صراخ أثناء النوم، وتبول لا إرادي في كثير من الأحيان.

خالد عبد القادر (48 عامًا)، أب يعيش في مركز إيواء داخل مدرسة تحولت إلى ملجأ. يشير إلى ابنته الجالسة في زاوية الفصل: "كانت تحب الرسم. الآن ترسم بيوتًا بلا نوافذ، وأشخاصًا بلا وجوه". منذ أن فقدت والدتها وعمتها في قصف منزل العائلة، تعيش الطفلة حالة عزلة وخوف دائم.

"كانت الأصغر، مدللة أمها. أحاول تعويض غياب الأم، لكن لا أحد يستطيع أن يكون بديلًا عنها". يضيف الأب أن الصمت أصبح عدو ابنته الأكبر: "عندما يهدأ المكان، تبدأ بالارتجاف. الصمت يذكرها بالثواني التي سبقت الغارة لحظة انتظار الموت".

"أطفالي لا يسألون عن شيء فقط عن النجاة"

سوسن سمير (29 عامًا)، أم لثلاثة أطفال. في مخيم نزوح مفتوح، حيث تمتد الخيام بلا ترتيب، ورائحة الغبار والدخان لا تفارق المكان، تقول بحزن: "كنا ننتظر المرحلة الثانية من الهدنة، الآن أطفالي يسألون فقط: هل سنعيش اليوم؟" ابنها الأصغر يرفض الابتعاد عنها: "حتى للحمّام يجب أن أكون معه. فقد جدّه تحت الركام، ومنذ ذلك اليوم وهو يخشى الفقد". وتختم: "لم يعودوا يحلمون بالمستقبل. لا يقولون ماذا يريدون أن يصبحوا، فقط يقولون: نريد أن ننجو".

الصدمة من منظور نفسي: ماذا يحدث لهؤلاء الأطفال؟

في هذا السياق، يقول محمد المصري، الأخصائي النفسي العامل مع الأطفال في قطاع غزة، إن ما يتعرض له أطفال القطاع يتجاوز مفهوم الصدمة الواحدة، ويدخل في إطار ما يُعرف بالصدمة المركّبة والمتراكمة.

ويشرح المصري: "أطفال غزة لا يواجهون حدثًا صادمًا ثم يعودون إلى حياة طبيعية، بل يعيشون في بيئة تُعيد إنتاج الصدمة يوميًا. القصف، النزوح المتكرر، فقدان الأحبة، الجوع، وانعدام الإحساس بالأمان؛ كلها عوامل تتراكم فوق جهازهم النفسي الصغير وتُنهك قدرتهم على التكيّف". ويؤكد أن أخطر ما يواجه هؤلاء الأطفال هو تحطّم مفهوم الأمان الأساسي: "الطفل يحتاج إلى بيت ثابت، وروتين، وشخص بالغ يمنحه الإحساس بالحماية.

في غزة، كل هذه العناصر مفقودة، ما يؤثر مباشرة على نموه النفسي والعاطفي، وقد يُشوّه علاقته بالعالم من حوله". ويضيف: "نرصد يوميًا أعراضًا واضحة لاضطراب ما بعد الصدمة، مثل الكوابيس المستمرة، نوبات الفزع الليلي، التبول اللاإرادي، الصمت الطويل، الانسحاب الاجتماعي، أو على العكس نوبات غضب وعدوانية غير مبرّرة". وبحسب المصري، فإن بعض الأطفال فقدوا القدرة على التعبير عن مشاعرهم تمامًا: "نقابل أطفالًا لا يبكون، لا يتحدثون، ولا يسألون. هذا الصمت ليس هدوءًا، بل علامة خطيرة على الانفصال النفسي، وهي آلية دفاع يلجأ إليها الطفل حين يعجز عن تحمّل الألم".

ويحذّر من أن غياب التدخل النفسي المتخصص سيترك آثارًا طويلة الأمد: "إذا لم يحصل هؤلاء الأطفال على دعم نفسي حقيقي، فإن الصدمة سترافقهم إلى المراهقة والرشد، وقد تظهر في شكل اكتئاب مزمن، اضطرابات قلق، صعوبات تعليمية، أو سلوكيات عدوانية". ويشير إلى أزمة حقيقية في القدرة على العلاج داخل القطاع: "الاحتياج النفسي هائل، لكن الإمكانيات شبه معدومة. لا توجد مراكز كافية، ولا برامج علاج نفسي طويلة الأمد للأطفال. معظم التدخلات الحالية إسعافية ومؤقتة، بينما الصدمة تحتاج إلى عمل تراكمي مستمر." ويختم المصري حديثه بالقول: "أطفال غزة لا يحتاجون فقط إلى الطعام والمأوى، بل إلى من يعيد لهم الإحساس بأن العالم ليس مكانًا معاديًا بالكامل. الدعم النفسي ليس رفاهية، بل ضرورة إنسانية عاجلة لإنقاذ جيل كامل".

أرقام تعكس حجم الكارثة النفسية

تقول فانيسا فريزر، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالأطفال والصراعات المسلحة: "أطفال غزة يعانون من أزمات وصدمات نفسية عميقة نتيجة الحرب، وسترافق آثارها حياتهم لسنوات إن لم يتم التدخل العاجل". وفق تقارير اليونيسف، فإن جميع أطفال قطاع غزة دون استثناء بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي، في سابقة لم تُسجّل في أي نزاع آخر.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 90% من الأطفال يعانون مستويات مرتفعة من القلق والخوف نسبًا كبيرة تُظهر أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، آلاف الأطفال فقدوا أحد الوالدين أو كليهما كما أن الغالبية منهم نزحوا أكثر من مرة خلال سنوات الحرب هذه الأرقام لا تمثل إحصاءات مجردة، بل تقف خلفها حكايات يومية موجعة. بيئة غير صالحة للشفاء. الخيام، المدارس المدمّرة، والملاجئ المكتظة، تُعيد إنتاج الصدمة يوميًا؛ حيث لا خصوصية، ولا هدوء، ولا إحساس بالاستقرار. والطفل يحتاج إلى مكان آمن ليشفى، وهو ما لم يعرفه أطفال غزة منذ سنوات.

أطفال غزة لا يعانون فقط من آثار حرب انتهت أو ستنتهي، بل من حرب تسكن داخلهم. حرب تظهر في صمتهم، في كوابيسهم، في خوفهم من اللعب، ومن الصمت، ومن الغد.

إن تجاهل هذه الأزمة النفسية يعني ترك جيل كامل ينمو مثقلًا بالخوف والفقد، ويعني أن الحرب إن توقفت-ستبقى حاضرة في عقول وقلوب الأطفال لسنوات طويلة.