No Image
العرب والعالم

آلاف الغزيين ينتظرون طريقا إلى مكة المكرمة

09 مايو 2026
09 مايو 2026

د.حكمت المصري.

للعام الثالث على التوالي،يتبدد حلم آلاف الغزيين بأداء فريضة الحج عند بوابة معبر رفح، حيث يتحول السفر إلى الديار المقدسة من حق ديني وروحي إلى أمنية مؤجلة، تصطدم بإجراءات الاحتلال التعسفية، وإغلاق المعابر، والتضييق المتواصل على حركة الفلسطينيين في قطاع غزة.

فعلى الرغم من فتح معبر رفح خلال الأشهر الأخيرة بشكل محدود واستثنائي لسفر أعداد قليلة من المرضى والجرحى للعلاج في الخارج، بقي آلاف الحجاج في غزة أسرى الانتظار، يراقبون أسماءهم المعلنة، وحقائبهم المجهزة، وأحلامهم المعلقة منذ ثلاث سنوات، دون أن يُسمح لهم بالمغادرة.

وأعلنت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية رسميًا فشل سفر حجاج غزة للموسم الثالث على التوالي، مؤكدة أن الإجراءات المعقدة المفروضة على معبر رفح، وعدم وجود ضمانات حقيقية لفتح المعبر، حالت دون خروج الحجاج وعودتهم بأمان.

وأوضحت الوزارة أن عدد حجاج غزة الذين استكملوا التسجيل وسددوا الرسوم لموسم 2026 بلغ 2380 حاجًا، جميعهم بقوا في دائرة الانتظار، بينهم كبار سن، ومرضى، وأمهات وآباء شهداء، وزوجات شهداء حصلن على مكرمة رئاسية لأداء الفريضة، قبل أن يتحول الحلم إلى خيبة أمل جديدة.

في غزة، لا يبدو الحج مجرد رحلة دينية، بل حلم عمر كامل، يختصر سنوات طويلة من التعب، والحرمان، والصبر، والرجاء.

الحاجة نوال أبو سعدة.. عمر من الادخار ووحدة تنتظر الفرج في خيمة نزوح جنوب قطاع غزة، تجلس الحاجة نوال أبو سعدة، وهي سيدة في الستينيات من عمرها، تضم كفيها إلى صدرها كأنها تحرس ما تبقى من حلمها.

لم تتزوج نوال يومًا، وعاشت عمرها وحيدة تعمل في مهنة الخياطة منذ شبابها.

كانت تُطرّز أثواب النساء، وتخيط فساتين العرائس، وتدّخر من تعب يديها القليل بعد القليل. لم تحلم ببيت كبير أو سفر للترفيه، بل كان حلمها الوحيد أن تقف يومًا أمام الكعبة وتردد: "لبيك اللهم لبيك".

على مدى سنوات، جمعت المال بصبر الفقراء، تخفي ما تدخره في علبة صغيرة، وتعدّه كلما ضاقت بها الحياة وهي تقول لنفسها: "قربت".

وحين أعلنت وزارة الأوقاف اسمها ضمن المقبولين للحج، بكت طويلًا وقالت: "الآن اكتمل العمر".

لكن العمر لم يكتمل بعد. فمنذ ثلاث سنوات لا تزال تنتظر الخروج من غزة لأداء المناسك. اسمها موجود، وثوبها الأبيض جاهز، وحقيبتها الصغيرة مرتبة، لكن الطريق إلى مكة ما يزال مغلقًا.

تقول بصوت مكسور: "أنا لا أريد من الدنيا شيئًا... فقط أن أصل قبل أن أموت." أم علاء.. مكرمة الشهداء التي لم تصل أم علاء حرب (45 عامًا)، أرملة شهيد من شمال غزة، حصلت على مكرمة رئاسية ضمن مكرمة أهالي الشهداء لأداء مناسك الحج.

كانت ترى في الرحلة عزاءً مؤجلًا بعد استشهاد زوجها في بداية الحرب. فمنذ ذلك الوقت، تعيش بين الخيمة والحداد، تربي أبناءها وحدها، وتنتظر لحظة تقف فيها عند الكعبة لتدعو له وتخبر الله بما تركه الفقد في قلبها.

حين وصلها خبر اختيارها ضمن مكرمة الحج، احتضنت صورة زوجها الشهيد وبكت وهي تقول: "سأحج عنه... سأخبر الله أنه كان يستحق حياة أطول." لكنها لم تسافر. بقيت المكرمة ورقًا، وبقيت الدعوة حبيسة صدرها، فيما لا تزال صورة زوجها معلقة داخل الخيمة تنتظر معها.

أبو محمود.. أب لشهيدين يحمل وجعه إلى الله أبو محمود، رجل سبعيني من غزة، فقد اثنين من أبنائه خلال الحرب.

لم يطلب من الدنيا بعد دفنهما سوى أن يُكتب له الحج، ليرفع يديه عند البيت الحرام ويدعو لولديه بما لم تسعه الأرض.

كان يقول إن قلبه لم يعد يحتمل، وإنه يريد أن "يضع وجعه عند الله".

خرج اسمه ضمن الحجاج، وهنأه الجيران، لكنه لم يغادر.

اليوم يحتفظ بجواز سفره في جيبه وكأنه يخشى أن يضيع الحلم إن ابتعد عنه، ويقول: "كنت أريد أن أذهب محمولًا بدعاء أب مكسور... لكنهم كسروا الطريق أيضًا. أيُعقل أن نُمنع من أداء فريضة من فرائض الله؟" الحاجة أم محمد.. حج مؤجل بين الغسيل والخيمة الحاجة أم محمد (54 عامًا)، نازحة من بيت لاهيا، أمضت سنوات طويلة تؤجل الحج من أجل أولادها.

كانت تقول دائمًا: "حين أطمئن عليهم سأذهب للحج." كبر الأبناء وتزوجوا، وبقي الحلم مؤجلًا حتى خرج اسمها أخيرًا ضمن الحجاج.

لكن الحرب سبقتها؛ فقدت بيتها، ونزحت، وتفرقت العائلة، ثم جاء الدور على حلمها ليُدفن هو الآخر تحت الركام.

في خيمتها تحتفظ بملابس الإحرام داخل كيس بلاستيكي أبيض، وتقول: "كلما غسلتهن شعرت أنني أقترب... ثم يعود كل شيء إلى مكانه." أم يزن.. أم شهيد تنتظر دعوة عند الكعبة أم يزن، والدة شهيد، كانت تعد الحج خاتمة الصبر.

لم تكن تريد من الرحلة سوى دعوة واحدة، أن تقف عند الكعبة وتقول لابنها الشهيد: "وصلت يا أمي." اختيرت ضمن مكرمة ذوي الشهداء، وجهزت نفسها كما لو أنها ستسافر غدًا، لكن الغد لم يأتِ.

ومنذ شهور تعيش على أمل اتصال هاتفي يخبرها أن المعبر فُتح للحجاج، وأن الحافلات ستتحرك، وأن الانتظار انتهى.

لكن الهاتف ما يزال صامتًا، والمعبر مغلقًا، والدعوة مؤجلة.

حجّاج غزة.. شعيرة محتجزة على المعبر أكدت وزارة الأوقاف أن هذا هو العام الثالث على التوالي الذي يُحرم فيه حجاج غزة من أداء فريضة الحج، رغم استكمال جميع الإجراءات الرسمية، بما فيها حجاج مكرمة أهالي الشهداء.

وبحسب الوزارة، فإن 2380 حاجًا من قطاع غزة استكملوا رسومهم وإجراءاتهم هذا الموسم، بعد أن سبق لهم التسجيل منذ عام 2023، لكنهم حُرموا من السفر مجددًا بسبب استمرار تقييد العمل داخل معبر رفح، والقيود المفروضة على أعداد المسافرين.

في غزة، لا يُمنع الناس من السفر فقط، بل يُمنعون من الطمأنينة، ومن الدعاء، ومن حقهم في الوصول إلى الله.

مناشدة من غزة، حيث الخيام تسبق البيوت، والانتظار يسبق الفجر، يرفع الحجاج العالقون نداءهم إلى العالم، وإلى الأمة الإسلامية، وإلى المؤسسات الدينية والحقوقية، وإلى كل من يملك صوتًا أو قدرة على الضغط: افتحوا ممرًا إنسانيًا آمنًا لحجاج قطاع غزة.

لا تتركوا كبار السن، وأمهات الشهداء، وآباءهم، وأراملهم، يموتون قبل أن يلمسوا الكعبة التي انتظروها عمرًا كاملًا.

ففي غزة... ليس الحج رحلة، بل ما تبقى من الرجاء.