الرياضية

مونديال الأعصاب الفولاذية... الأهداف المتأخرة ترسم معالم بطولة درامية استثنائية

04 يوليو 2026
04 يوليو 2026

الرباط «د.ب.أ»: لا يجرؤ أحد في مونديال 2026 على مغادرة مقعده قبل صافرة النهاية، فبين الدقيقة 86 والدقيقة 120 كتبت قصص تأهل وانكسارات وأحلام تبخرت في ثوان معدودة، حتى بدا الدور الثاني وكأنه احتفال عالمي بفكرة واحدة ملخصها ألا شيء يحسم قبل الصافرة الأخيرة، مع إسدال الستار على مباريات الدور الثاني، برزت ظاهرة استثنائية دفعت عددا من المراقبين إلى وصف البطولة بمونديال الدقائق الأخيرة أو مونديال الأعصاب الفولاذية، ففي عدد كبير من المباريات جاءت اللحظات الفاصلة بعد الدقيقة 86 أو خلال الأشواط الإضافية، لتؤكد أن هذه النسخة من كأس العالم ترفض الاعتراف بالنهايات المبكرة وتصر على إبقاء الجماهير معلقة بين الأمل والخيبة حتى آخر لمسة في المباراة.

لم يعد الحديث عن مجرد انطباعات جماهيرية أو مصادفات متفرقة، فالزيادة غير المسبوقة في الأهداف المتأخرة تجعل البطولة تعيش على إيقاع دراما الوقت الضائع، حيث باتت النتائج معلقة فوق صفيح ساخن حتى الثواني الأخيرة، وكأن الدقيقة التسعين فقدت معناها التقليدي بوصفها خط النهاية. كانت البداية مع كندا التي احتاجت إلى هدف ستيفان أوستاكيو في الدقيقة الثانية من الوقت بدل الضائع لإسقاط جنوب أفريقيا وانتزاع بطاقة العبور، فيما انتظرت البرازيل حتى الدقيقة الخامسة من الوقت المحتسب بدل الضائع لتتجاوز صمود اليابان بهدف حمل توقيع جابرييل مارتينيلي.

وفي مواجهة أخرى، خطف عيسى ديوب هدفا في الدقيقة الأولى من الوقت بدل الضائع للمباراة أعاد الحياة للمغرب أمام هولندا، في لقطة وصفت بأنها مزقت السيناريو الهولندي وأجبرت المباراة على كتابة فصل جديد لم يكن أحد يتوقعه، أما البرتغال فاحتاجت إلى هدف متأخر من البديل جونزالو جوميش في الدقيقة الرابعة من الوقت بدل الضائع للمباراة لإقصاء كرواتيا بعد مواجهة بدت متجهة إلى مسار مختلف كليا، ولم يكن المشهد أقل إثارة في بقية المواجهات. فقد أنهى إريلينج هالاند مقاومة كوت ديفوار بهدف في الدقيقة 86 منح النرويج التفوق، قبل أن يكرر هاري كين السيناريو نفسه مع إنجلترا أمام الكونجو.

أما مباراة بلجيكا والسنغال فتحولت إلى واحدة من أكثر مباريات البطولة جنونا بعدما تعاقبت التحولات الدرامية من هدف روميلو لوكاكو في الدقيقة 86 إلى هدف يوري تيليمانس بعده بثلاث دقائق، وصولا إلى ركلة الجزاء الحاسمة في الدقيقة الخامسة من الوقت بدل الضائع للشوط الإضافي الثاني. الأرجنتين نفسها حاملة، وإحدى المنتخبات المرشحة للقب، لم تنج من هذا السيناريو المرهق، إذ احتاجت إلى أزيد من ساعتين وهدف التأهل في الدقيقة 111 لتجاوز مقاومة الرأس الأخضر في مباراة جسدت حجم المعاناة التي باتت تنتظر كبار اللعبة في الأدوار الإقصائية. الوقت الإضافي يغير وجه البطولة وراء هذه الدراما المتكررة تقف تحولات عميقة شهدتها كرة القدم الحديثة. فمنذ تشديد احتساب الوقت الإضافي والحرص على تعويض كل ثانية مهدورة بسبب الإصابات والتبديلات والاحتفالات وإهدار الوقت، ارتفع الزمن الفعلي للمباريات بشكل ملحوظ، وأصبحت الدقائق التسعون مجرد محطة قبل الدخول في مرحلة أخرى لا تقل أهمية. في النسخ السابقة كان كثير من اللاعبين والجماهير يتعاملون مع الدقيقة التسعين باعتبارها نهاية فعلية للمباراة، أما اليوم فقد أصبحت تلك الدقيقة بمثابة بداية فصل جديد قد يمتد عشر دقائق أو أكثر. ولهذا لم يعد مستغربا أن يتردد بين المحللين تعبير مفاده أن الدقيقة 90 أصبحت بداية المباراة الحقيقية. فالفرق التي كانت تعتمد سابقا على قتل الوقت تجد نفسها مضطرة إلى الصمود لفترة أطول، بينما تحصل الفرق المطاردة للنتيجة على مساحة زمنية إضافية قد تكون كافية لقلب كل الحسابات. وساهم ذلك في تغيير الثقافة التكتيكية للمباريات نفسها. فالجماهير لم تعد تنظر إلى الوقت الإضافي بوصفه إجراء شكليا يسبق صافرة النهاية، بل مرحلة مستقلة تحمل احتمالاتها الخاصة. وربما لهذا السبب قد تصبح عبارة "لا تقلب الصفحة حتى تقرأ السطر الأخير" من أكثر العبارات تداولا بين المشجعين خلال البطولة، بعدما أثبتت الوقائع أن أكثر اللحظات إثارة تأتي غالبا عندما يعتقد الجميع أن كل شيء قد انتهى. معركة اللياقة والبدلاء والأعصاب لكن عامل الوقت وحده لا يفسر كل شيء. فكلما امتدت المباريات، برزت الفوارق البدنية بصورة أوضح. ومع دخول المواجهات مراحلها الأخيرة، تبدأ الخطط التكتيكية المعقدة في التراجع أمام معركة التحمل والتركيز. وأشار مدرب جنوب أفريقيا هوجو بروس إلى هذه النقطة بعد خسارة فريقه أمام كندا، معتبرا أن الفارق في القوة البدنية والسرعة خلال الدقائق الأخيرة كان عاملا حاسما في تحديد هوية المتأهل. وهي ملاحظة تتكرر كثيرا في هذه البطولة التي وضعت اللاعبين أمام اختبارات قاسية من حيث الجهد الذهني والبدني، وجعلت من القدرة على الركض والتركيز في الدقيقة الخامسة والتسعين مهارة لا تقل أهمية عن المهارة الفنية نفسها. وفي الوقت نفسه، أكدت مباريات الدور الثاني أن البطولات الكبرى لم تعد تحسم بأسماء التشكيلة الأساسية فقط، بل بقدرة المدربين على استثمار دكة البدلاء.

تحولت مقاعد الاحتياط إلى ما يشبه مخزونا استراتيجيا من الطاقة والحلول. وجاءت أهداف مثل هدف جونزالو جوميش مع البرتغال أو هدف مارتينيلي مع البرازيل لتؤكد أن جودة البدلاء قد تكون أحيانا الفارق بين التأهل والعودة إلى الديار. كما يبرز العامل النفسي باعتباره أحد أكثر العناصر تأثيرا في هذه الدقائق المجنونة. فالفريق المتقدم غالبا ما يقع أسير الخوف من استقبال هدف، فيتراجع بصورة مبالغ فيها ويصبح أسيرا للدفاع عن مكاسبه، بينما يتحرر الفريق المتأخر من الحسابات ويخوض مغامرة هجومية مفتوحة. ومع تزايد الإرهاق الذهني، يصبح هامش الخطأ أكبر، وقد يتحول سوء تمركز أو لحظة شرود قصيرة إلى هدف يغير مصير بطولة كاملة. ظاهرة بات يراها خبراء التحليل الفني أنها تعكس أيضا تقلص الفوارق بين المنتخبات. فاليابان دفعت البرازيل إلى حافة الوقت الإضافي، والرأس الأخضر الوافد الجديد على البطولة أجبر الأرجنتين على خوض معركة طويلة، فيما صمدت الكونجو والسنغال وساحل العاج حتى اللحظات الأخيرة أمام منافسين أكثر خبرة وتاريخا، ولم تعد المباريات تحسم بفوارق شاسعة، بل بتفاصيل صغيرة تظهر عندما تبلغ الأعصاب والعضلات حدودها القصوى. نسخة استثنائية تكتب تاريخها الخاص تعيد هذه المشاهد إلى الأذهان كثيرا من اللحظات الخالدة في تاريخ كأس العالم، من هدف دينيس بيركامب الشهير في مرمى الأرجنتين عام 1998، إلى العودة الهولندية المذهلة أمام الأرجنتين في مونديال قطر 2022 قبل المغادرة بضربات الترجيح، وصولا إلى أهداف قاتلة صنعت أمجادا وأحزانا عبر تاريخ اللعبة. لكن الفارق الجوهري أن تلك اللحظات كانت استثناءات صنعت خلودها من ندرتها، أما في مونديال 2026 فقد تحولت إلى مشهد يومي يكاد يتكرر كل ليلة. لم تعد الدراما حدثا عابرا، بل أصبحت السمة الأبرز للبطولة بأكملها. ولهذا بدأ بعض المراقبين يتحدثون عن نسخة قد تذكر مستقبلا بوصفها واحدة من أكثر نسخ كأس العالم قسوة على الأعصاب وأكثرها احتفاء بفكرة أن المباراة لا تنتهي إلا عندما يقرر الحكم ذلك. وربما يكون هذا هو التفسير الأبلغ لجاذبية هذه النسخة. فالجماهير لم تعد تتابع المباريات بحثا عن النتيجة فحسب، بل انتظارا لما قد يحدث عندما تقترب الساعة من الدقيقة التسعين. هناك، في تلك المساحة الزمنية الضيقة بين النهاية المتوقعة والنهاية الفعلية، ولدت أبرز قصص البطولة حتى الآن، وهناك أيضا سقطت أحلام وولدت أخرى. ومع دخول البطولة مراحلها الأخيرة والحاسمة، أثبتت هذه النسخة الاستثنائية أن التكتيك الإستراتيجي للمدربين لم يعد يقتصر على وضع خطة للمباراة، بل في كيفية إدارة المباراة الثانية التي تبدأ بعد الدقيقة 85، حيث تسقط الحسابات الورقية وتتحكم التفاصيل البدنية والنفسية الصارمة في تحديد هوية البطل والمغادر. الأمر لم يعد يتعلق فقط بأهداف متأخرة، بل بتحول ثقافي كامل في إدارة المباريات. فالدقيقة 90 لم تعد تمثل النهاية النفسية للمواجهة كما كان الحال لعقود طويلة، بل أصبحت في نظر اللاعبين والمدربين مجرد بداية لمرحلة جديدة، وهي المرحلة التي كتب خلالها جزء كبير من قصة مونديال 2026 حتى الآن.