الاقتصادية

معارض التوظيف.. منصات حيوية تجمع بين تمكين الخريجين والتسويق

23 أبريل 2026
23 أبريل 2026

استطلاع - أسيد بن أحمد البلوشي

في مشهد يعكس تقاطع الطموح الفردي مع احتياجات سوق العمل، يتجدد حضور معارض التوظيف كأحد أبرز المنصات التي تجمع آلاف الطلبة والخريجين بممثلي المؤسسات الحكومية والخاصة. وبين أروقتها تتولد الكثير من الأسئلة حول فرص التوظيف مع ما تطرحه الشركات من برامج تدريبية ومسارات مهنية متنوعة.

هذا الحضور الكثيف، الذي يتجاوز مجرد الأرقام إلى حوارات مباشرة وتجارب واقعية، يفتح بابًا أوسع للنقاش: هل تمثل معارض التوظيف بوابة حقيقية للانخراط في سوق العمل، أم أنها مساحة لبناء العلاقات وفهم السوق أكثر من كونها قناة للتوظيف المباشر؟ وبين هذا وذاك، تتشكل صورة متعددة الأبعاد، تكشفها آراء الجهات المنظمة، والشركات المشاركة، والطلبة الباحثين عن فرصهم الأولى.

بيئة تفاعلية 

وحول ذلك، قال علي الفتحي، المكلّف برئاسة قسم العلاقات المهنية في مركز التوجيه الوظيفي بجامعة السلطان قابوس إن من أبرز أهداف المعرض المهني بجامعة السلطان قابوس تسويق البرامج الأكاديمية للجامعة لمختلف القطاعات، إلى جانب توفير بيئة تفاعلية تتيح للطلبة والخريجين الالتقاء المباشر مع ممثلي المؤسسات، والتعرف على طبيعة عملها، والمزايا التي تقدمها، والفرص التدريبية والوظيفية المتاحة لديها خلال العام.

وأضاف أن المعرض يمثل فرصة مهمة للالتقاء المباشر مع مختصي الموارد البشرية، الذين يعدّون الفئة الأساسية المستهدفة في مثل هذه الفعاليات، نظرًا لدورهم في استقطاب الكفاءات وتقديم البرامج التدريبية والتوظيفية.

وأشار إلى أن نسخة هذا العام شهدت مشاركة 39 مؤسسة من مختلف القطاعات، بينها أربع جهات توعوية تشمل هيئة حماية المستهلك ووزارة العمل والبرنامج الوطني للتشغيل، إلى جانب الكلية العسكرية، ما يعكس تنوع الجهات المشاركة.

وبيّن أن من أبرز المستجدات هذا العام اعتماد نظام التسجيل المسبق لدخول المعرض، حيث بلغ عدد المسجلين حتى الأيام الأولى نحو 3 آلاف زائر، مع استمرار التسجيل، وهو ما أسهم في تنظيم عملية الدخول وتسهيل تجربة الزوار.

وأضاف أن المعرض يتضمن برامج مصاحبة، تشمل حلقات توعوية تستهدف تنمية مهارات الطلبة والخريجين، خاصة في مجالات الاستعداد للمقابلات الوظيفية ومراجعة السير الذاتية، إلى جانب تخصيص ركن متخصص لمراجعة السيرة الذاتية بإشراف خبراء في هذا المجال.

كما أشار إلى تنظيم مقابلات وظيفية مباشرة خلال أيام المعرض، ما يتيح فرصًا فورية للباحثين عن عمل.

تسويق الذات 

وفيما يتعلق بجدوى معارض التوظيف، أوضح الفتحي أن هذه الفعاليات لا تقتصر على عرض الفرص، وإنما تمثل منصة مهمة لتسويق الذات، حيث تتيح للخريج فرصة إبراز مهاراته وقدراته أمام مسؤولي التوظيف، خاصة عندما يكون على دراية بالمؤسسات المشاركة ومستعدًا للتفاعل معها.

وأكد أن المعرض يوفر قيمة مضافة تتجاوز التوظيف المباشر، من خلال تمكين الخريجين من فهم متطلبات سوق العمل، والتعرف على التخصصات المطلوبة، وتحديد المهارات التي يحتاجون إلى تطويرها، إلى جانب الاستفادة من التوجيه المهني وحلقات العمل المصاحبة.

من جانبه، قال الجلندى بن خالد الأغبري، رئيس الموارد البشرية والشؤون الإدارية في شركة تأجير للتمويل، إن مشاركة الشركة في معرض الجامعة المهني تأتي في إطار حرصها على التواجد في واحدة من أهم المنصات المهنية في سلطنة عُمان، والتي تجمع بين الشركات والخريجين في نقطة التقاء مباشرة.

وأضاف أن شركة تأجير للتمويل، كغيرها من الشركات المشاركة، تطرح برامج متعددة تستهدف الخريجين، تشمل التدريب والتطوير، إلى جانب برامج التدريب على رأس العمل، بما يسهم في إعداد كوادر وطنية مؤهلة.

وبيّن الأغبري أن الشركة تطرح ثلاثة مسارات رئيسية ضمن مشاركتها، يتمثل الأول في التوظيف المباشر للخريجين، والذي يمر بمراحل الاختبار والمقابلات، فيما يتمثل المسار الثاني في برنامج تدريب مقرون بالتوظيف يمتد لنحو عام، أما المسار الثالث فيشمل برامج تدريب قصيرة تهدف إلى تمكين الشباب العُماني من اكتساب الخبرة العملية والانخراط في سوق العمل.

وحول المهارات التي تستهدفها الشركة، أوضح أن هناك مسارين رئيسيين، أولهما مهارات المبيعات، نظرًا لاحتياج فروع الشركة إلى كوادر قادرة على التواصل مع العملاء واستقطاب الفرص، وثانيهما مهارات التحليل المالي والائتماني، حيث تتطلب طبيعة عمل الشركة تقييم القوائم المالية للعملاء وتحليل تصنيفهم الائتماني قبل اتخاذ قرارات التمويل.

وأضاف أن الشركة لا تركز بشكل كبير على التخصص الأكاديمي بقدر تركيزها على المهارات الشخصية (Soft Skills)، موضحًا أن كل تخصص يحمل معه مجموعة من المهارات، فخريجو التسويق يتميزون بمهارات التواصل، بينما يمتلك خريجو الهندسة قدرات تحليلية، وهو ما يدفع الشركة إلى إتاحة الفرصة لمختلف التخصصات للانضمام إلى منظومتها.

التدريب المقرون بالتشغيل 

من جانبها، قالت جمانة البلوشي، من شركة ستراباج عُمان، إن مشاركة الشركة في معرض الوظائف تأتي بهدف استقطاب الخريجين والباحثين عن عمل، ورغم أن بعض الوظائف المطروحة حاليًا عبر منصة لنكندن تستهدف أصحاب الخبرة، إلا أن الشركة في الوقت ذاته توفر فرصًا تدريبية مستمرة على مدار العام.

Image

وبيّنت أن الشركة تطبق برنامج “التدريب على رأس العمل”، وهو برنامج يمتد لمدة عام كامل، ويُعد هذا العام أول تطبيق له، رغم أن مشاركة الشركة في المعرض هي الثانية على التوالي.

وأشارت إلى أن البرنامج يتيح للمتدربين التنقل بين أقسام الشركة، بواقع شهرين تقريبًا في كل قسم، بهدف اكتساب خبرات متنوعة، على أن تتضمن المرحلة الأخيرة من البرنامج تجربة تدريبية خارجية بالتعاون مع فروع الشركة في دول مثل النمسا أو ألمانيا أو كندا أو إيطاليا، لمدة تتراوح بين شهرين إلى ثلاثة أشهر، ما يمنح المتدربين خبرة عملية دولية.

وأضافت بعد انتهاء فترة التدريب، يُمنح المتدربون حرية اختيار القسم الذي يرغبون في الاستمرار فيه بناءً على تجربتهم خلال البرنامج، مشيرة إلى أن الشركة تمكنت خلال العام الماضي من تدريب عدد كبير من الكوادر، إلى جانب توظيف عدد منهم عبر المعرض.

١٦٨ متدربًا 

وقال معاذ باعمر، أخصائي الموارد البشرية في شركة ميناء الدقم، إن الشركة تجدد مشاركتها في معرض الوظائف بجامعة السلطان قابوس للعام الثاني على التوالي، وأوضح أن الشركة تركز في مشاركتها على برامج التدريب، مشيرًا إلى أنها درّبت نحو 72 متدربًا في عام 2024، فيما ارتفع العدد إلى 168 متدربًا في عام 2025، لافتًا إلى أن جميع المتدربين في العام الماضي تم استقطابهم من خلال التسجيل عبر رمز الاستجابة السريعة (QR) خلال المعرض.

Image

وأضاف أن الشركة تتيح فرص التدريب في مجموعة واسعة من التخصصات، تشمل الموارد البشرية، والمالية، والمشتريات، والتشغيل والصيانة، وتقنية المعلومات، إلى جانب تخصصات الملاحة البحرية والبيئة، مؤكدًا أن عملية الاختيار تمر بعدة مراحل تبدأ بتسجيل المتقدمين عبر QR، ثم مراجعة السير الذاتية والتواصل مع المرشحين لإجراء المقابلات.

وأشار إلى أن الشركة تقدم هذا العام مبادرة تفاعلية داخل المعرض، تتمثل في تنظيم مسابقة يومية ومن خلالها يُختار ثلاثة فائزين يوميًا يحصلون على فرص تدريب مباشرة دون الحاجة إلى مقابلات، وذلك في تخصصاتهم، سواء في الدقم أو مسقط.

وبيّن أن برنامج التدريب يمتد لمدة شهرين (8 أسابيع)، ويتضمن علاوة مالية، إضافة إلى شهادة تدريب في نهاية البرنامج، بما يسهم في تأهيل المشاركين واكتسابهم خبرة عملية.

العلاقات المهنية 

من جانبه، قال أحمد بن حمود المعمري، طالب الهندسة المعمارية في الجامعة الألمانية للتكنولوجيا، إنه على وشك التخرج خلال الفترة المقبلة، وأنه يحرص على حضور معرض الجامعة المهني للتعرف على الفرص المتاحة في سوق العمل.

وأوضح أن المعرض يضم فرصًا متعددة للباحثين عن عمل، إلا أنه لاحظ تكرار تجربة التسجيل لدى بعض الشركات دون تلقي ردود لاحقة، رغم تقديمه في أكثر من جهة، سواء ضمن تخصصه أو خارجه.

وأضاف أنه شارك في عدد من معارض التوظيف سابقًا، إلا أنه لم يتلقَ أي تواصل بخصوص فرص تدريب أو توظيف، لافتًا إلى أن الحصول على الفرص في بعض الأحيان يعتمد بشكل أكبر على المبادرات الشخصية والتواصل المباشر مع الشركات.

وأشار إلى أن حضوره للمعرض هذا العام يأتي بهدف بناء شبكة علاقات مهنية، والتعرف على طبيعة الشركات ومتطلبات السوق، مؤكدًا أن هذا الجانب يُعد من أبرز الفوائد التي يمكن أن يحققها الباحث عن عمل من خلال هذه الفعاليات.

وأكد أن المعرض يمثل فرصة لفهم توجهات سوق العمل والاحتكاك المباشر مع المؤسسات، حتى وإن لم يسفر ذلك بشكل مباشر عن فرص توظيف فورية.

اكتشاف السوق 

في حين قال الحارث البوسعيدي، الطالب في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة السلطان قابوس، تخصص إدارة العمليات، إنه في سنته الخامسة، وقد حرص على زيارة معرض الجامعة المهني للعام الثاني على التوالي.

وأوضح أن نسخة هذا العام شهدت زيادة في عدد الشركات المشاركة، إلى جانب توفر فرص وظيفية وتدريبية أكبر مقارنة بالعام الماضي، وأن طبيعة الفرص تختلف باختلاف التخصصات، وقد لا تتناسب جميعها مع كل الباحثين عن عمل.

وأضاف أنه ركّز خلال مشاركته على التقديم للفرص التي تتناسب مع تخصصه، إلى جانب الاستفسار المباشر من الشركات حول طبيعة الوظائف المطروحة ومتطلباتها.

وأشار إلى أن حضوره للمعرض في العام الماضي أسهم بشكل غير مباشر في حصوله على فرصة تدريبية، حيث قام بمتابعة الشركات التي تعرّف عليها خلال المعرض، ما مكّنه لاحقًا من الالتحاق ببرنامج تدريبي لدى إحدى الجهات المشاركة.

وأوضح أن أهمية المعرض لا تقتصر على التوظيف المباشر، وإنما تمتد لتشمل فهم سوق العمل والتعرف على توجهات الشركات والوظائف المتاحة، حتى في حال عدم الحصول على فرصة فورية.

ودعا الطلبة إلى زيارة مثل هذه المعارض، مؤكدًا أنها لا تمثل خسارة بأي شكل، بل تتيح لهم فرصة لاكتساب المعرفة وبناء العلاقات المهنية، إلى جانب الاطلاع على متطلبات السوق والاستعداد لها بشكل أفضل.