الاقتصادية

الرئيس التنفيذي لـ" شراكة" في حوار خاص لـ "عمان": نوسّع أدوات التمويل ونعزّز الاستثمار في الابتكار لدعم نمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة

07 يونيو 2026
07 يونيو 2026

تتسارع اليوم التحولات الاقتصادية، وتحتدم المنافسة على دعم المشاريع الناشئة، ويعد صندوق تنمية مشروعات الشباب "شراكة" أحد الفاعلين الرئيسيين في منظومة تمكين ريادة الأعمال في سلطنة عمان كونه يجمع بين التمويل والتطوير وبناء القدرات، حيث يعد صندوقًا تنمويًا.

واستطاعت "شراكة" خلال أكثر من عقدين من العمل، أن تطور دورها من جهة تمويلية إلى مؤسسة تنموية متكاملة، تعمل على دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في مختلف مراحل نموها، وتقديم حلول تمويلية واستشارية تستهدف تعزيز استدامة المشاريع ورفع كفاءتها التشغيلية.

Image

وفي هذا الحوار، يتحدث علي أحمد مقيبل، الرئيس التنفيذي لصندوق تنمية مشروعات الشباب "شراكة"، عن ملامح التحول الاستراتيجي في فلسفة التمويل، والمعايير التي يعتمدها الصندوق في تقييم ودعم المشاريع، إضافة إلى رؤيته لمستقبل ريادة الأعمال في سلطنة عُمان خلال المرحلة المقبلة.

كما يركز الحوار على التحولات في فلسفة التمويل، والاتجاه نحو التنويع في الأدوات المالية، بما في ذلك رأس المال الجريء، والتمويل المتوافق مع الشريعة، والتمويل الجماعي، إلى جانب التوسع في الخدمات الاستشارية وبناء القدرات.

وتكشف "شراكة" من خلال هذا اللقاء النقاب عن رؤيتها للسنوات المقبلة، حيث تتجه نحو تعزيز التحول الرقمي، وتوسيع نطاق تأثيرها، والتحول إلى منصة استثمارية متكاملة تربط بين المستثمرين ورواد الأعمال، بما يسهم في دعم أهداف التنويع الاقتصادي وتعزيز بيئة ريادة الأعمال في سلطنة عُمان.

-بداية كيف تقيمون اليوم دور "شراكة" في تمكين رواد الأعمال بعد أكثر من عقدين على تأسيسها؟ وما التحولات التي شهدتها فلسفة التمويل لديكم؟

أكملت "شراكة" اليوم أكثر من 27 عامًا منذ تأسيس الصندوق، وخلال هذه الفترة، استطاع الصندوق أن يتحول من مجرد مؤسسة تمويلية تقليدية إلى مؤسسة تنموية متكاملة، وهو التكامل بين عدة محاور، تشمل الاستثمار في رأس المال، والتمويل الائتماني، إلى جانب تقديم الدعم الفني والخدمات الاستشارية.

وشهدت فلسفة التمويل تطورًا ملحوظًا، حيث كانت تتركز بشكل أساسي على القروض، بينما اليوم أصبحت تشمل حزمة متنوعة من الحلول التنموية، مثل الاستثمار في رأس المال، ورأس المال العامل، بالإضافة إلى أدوات تمويلية متوافقة مع الشريعة الإسلامية.

كما انتقل الصندوق من التركيز على مرحلة واحدة من دورة حياة المشروع، إلى تغطية مراحل متعددة، بدءًا من المراحل المبكرة، مرورًا بمرحلة النمو، وصولًا إلى التوسع، ويبقى الهدف الأساسي توسيع الأثر التنموي في المنظومة الاقتصادية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الاستدامة المالية.

-ما هي المعايير الاقتصادية والمالية التي تعتمدون عليها عند تقييم جدوى المشاريع قبل اتخاذ قرار التمويل أو الدخول كشريك؟

يعتمد تقييم المشاريع قبل اتخاذ قرار التمويل أو الشراكة على مجموعة من المعايير تشمل كفاءة رائد الأعمال وخبرته وشغفه بالمشروع، إلى جانب الأثر الاقتصادي المتوقع، خاصة فيما يتعلق بخلق فرص العمل وتعزيز المحتوى المحلي. كما يتم تقييم القطاع الذي ينتمي إليه المشروع من حيث حجم السوق ومستوى المنافسة وفرص النمو المتاحة.

ويختلف التقييم المالي باختلاف نوع التمويل؛ ففي الاستثمارات الرأسمالية يتم التركيز على الجدوى والعائد المتوقع، بينما تركز القروض على التدفقات النقدية واستقرارها وقدرة المشروع على الوفاء بالتزاماته المالية. كما يشمل التقييم جاهزية المؤسسة من خلال مراجعة أنظمة التشغيل والحوكمة وكفاءة فريق العمل، ويمتد دور الصندوق إلى دعم أصحاب المشاريع وتطوير بعض الجوانب التشغيلية والإدارية لتعزيز فرص نجاحها واستدامتها.

-كيف يوازن الصندوق بين دعم المشاريع عالية المخاطر ذات الطابع الابتكاري، والمشاريع الأقل مخاطرة والأكثر استقرارًا؟

الصندوق يوازن بين دعم المشاريع الابتكارية عالية المخاطر والمشاريع الأكثر استقرارًا من خلال التركيز على معيارين رئيسيين هما الأثر التنموي والاستدامة المالية، حيث يتبنى الصندوق مرونة أكبر في التعامل مع المشاريع ذات المخاطر المرتفعة عندما تحقق قيمة مضافة واضحة للاقتصاد، سواء عبر توفير فرص عمل للمواطنين أو المساهمة في توطين الصناعات والتقنيات الجديدة.

وتتم إدارة المحفظة الاستثمارية وفق نهج يحقق التوازن بين الأثر الاقتصادي والاستدامة، حيث تشكل المشاريع الابتكارية، خاصة في مجالات الاقتصاد الرقمي، نحو 20% من إجمالي المحفظة، ويتم دعمها من خلال أدوات تمويلية مثل رأس المال الجريء. وفي المقابل، يوجه الصندوق نحو 80% من استثماراته إلى المؤسسات القائمة في مراحل النمو والتوسع، لما لها من قدرة أكبر على تحقيق أثر اقتصادي مستدام، بما يضمن التوازن بين المشاريع الناشئة عالية المخاطر والمشاريع الأكثر استقرارًا.

- كيف يسهم الصندوق في رفع كفاءة الإدارة والحوكمة داخل الشركات المدعومة لضمان استمراريتها بعد مرحلة التأسيس؟

يعمل الصندوق على رفع كفاءة الإدارة والحوكمة في الشركات المدعومة من خلال إجراء تقييم شامل للمؤسسة بزاوية 360 درجة لتحديد الفجوات ونقاط الضعف، خاصة في مجالات الحوكمة والأنظمة التشغيلية. ويشمل ذلك مراجعة القوائم المالية، وآليات اتخاذ القرار، وأنظمة المشتريات والإجراءات الداخلية.

ويدعم الصندوق المؤسسات عبر توفير نماذج وأطر عمل تساعدها على بناء أنظمة إدارية وتشغيلية أكثر كفاءة، إضافة إلى التركيز على تنمية رأس المال البشري من خلال برامج تدريبية واستشارية تستهدف تطوير القدرات الإدارية والفنية، إلى جانب تحسين كفاءة التشغيل وتطوير الوظائف المالية وإعادة هيكلة بعض الجوانب الإدارية عند الحاجة، فضلًا عن ربط المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بفرص توسع جديدة في الأسواق.

-في ظل التحولات الاقتصادية العالمية وارتفاع تكلفة التمويل، كيف يتعامل الصندوق مع تحديات السيولة والاستدامة للمشاريع الناشئة القائمة على الابتكار؟

يتبنى الصندوق نهجًا متوازنًا في إدارة التمويل والمخاطر لمواجهة التحديات الناتجة عن التحولات الاقتصادية العالمية وارتفاع تكلفة التمويل، حيث حدد سقفًا تمويليًا للمشاريع الناشئة يصل إلى 50 ألف ريال عُماني بما يتناسب مع طبيعة هذه المشاريع ومرحلتها التشغيلية.

ويعمل الصندوق على تنويع مصادر التمويل عبر بناء شراكات استراتيجية تتيح الوصول إلى قنوات تمويل متعددة وتوفر بدائل لمواجهة تقلبات الأسواق. كما يتجه إلى التوسع في أدوات تمويل حديثة، مثل التمويل الجماعي، بهدف استقطاب مصادر تمويل إضافية وتعزيز مرونة المنظومة التمويلية، حيث إن تنوع جهات التمويل يسهم في تعزيز القدرة على التعامل مع تحديات السيولة وارتفاع أسعار الفائدة، مع الحفاظ على التوازن بين إدارة المحفظة التمويلية ومستويات المخاطر لضمان استدامة دعم المشاريع الابتكارية.

- ما أبرز القطاعات التي ترون أنها تحمل فرصًا واعدة في المرحلة المقبلة؟ ولماذا تركزون عليها؟

يمثل الأثر التنموي المعيار الرئيس في توجيه استثمارات الصندوق، ويجرى التركيز خلال الفترة الحالية على القطاع الصناعي لدوره في تعزيز المحتوى المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات وزيادة الصادرات.

كما يحظى القطاع اللوجستي باهتمام خاص نظرًا للموقع الاستراتيجي لسلطنة عُمان وما يوفره من فرص واعدة لتعزيز دوره كمحرك للنمو الاقتصادي، إلى جانب القطاع السياحي الذي يمتلك إمكانات كبيرة للتوسع والاستفادة من المقومات السياحية التي تزخر بها البلاد.

مع استمرار الاستثمار في الاقتصاد الرقمي من خلال دعم الشركات الناشئة العاملة في المجالات التقنية والرقمية، إضافة إلى التركيز على قطاع الطاقة المتجددة والطاقة النظيفة باعتباره من القطاعات الواعدة التي ستؤدي دورًا محوريًا في الاقتصاد خلال المرحلة المقبلة.

- كيف تقيمون بيئة ريادة الأعمال في سلطنة عُمان اليوم؟ وما أبرز الفجوات التي لا تزال بحاجة إلى تطوير؟

تعد بيئة ريادة الأعمال في سلطنة عُمان "فترة ذهبية" مدفوعة بتنوع جهات التمويل والدعم، وارتفاع مستوى الوعي الريادي، ووجود مبادرات وصناديق استثمارية تدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة.

ولكن لا تزال هناك عددٌ من الجوانب بحاجة إلى تطوير، أبرزها تعزيز التمويل القائم على المشاركة في رأس المال من قبل الجهات المؤسسية، في ظل هيمنة الحلول التمويلية الائتمانية التقليدية إضافة إلى أن متطلبات الضمانات تشكل تحديًا أمام بعض رواد الأعمال، ما يستدعي توسيع دور الجهات الداعمة والضامنة لتوفير مرونة أكبر في تمويل المشاريع.

كما أن تسريع إجراءات التقاضي وتسوية النزاعات المالية يعد من المتطلبات المهمة لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، لما له من أثر مباشر في تحسين السيولة، وتعزيز استمرارية الشركات، والحد من مخاطر التعثر والإفلاس، حيث إن تطوير هذه الجوانب التنظيمية والتمويلية من شأنه أن يعزز جاذبية بيئة الأعمال ويدفع منظومة ريادة الأعمال في السلطنة إلى مستويات أكثر تقدمًا.

- وكيف يمكن أن ينعكس ذلك على مشهد المشاريع الناشئة في سلطنة عمان؟

الاستثمار في مشاريع تقدم حلولًا تمويلية مبتكرة، لا سيما المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، أسهم في توسيع خيارات التمويل أمام رواد الأعمال واستقطاب شرائح جديدة كانت تفضل هذا النوع من المنتجات التمويلية في ظل محدودية الخيارات المتاحة سابقًا، وإدخال أدوات تمويل جديدة، سواء في مجال رأس المال الجريء أو المنتجات التمويلية المتخصصة، عزز تنوع المنظومة الريادية وأسهم في جذب مستثمرين ورواد أعمال من خلفيات وقطاعات مختلفة.

يسهم هذا التوجه في توسيع قاعدة المستفيدين وخلق فرص أكبر لنمو الشركات الناشئة، خصوصًا الباحثة عن حلول تمويلية مرنة ومبتكرة.

ويتوجه الصندوق خلال المرحلة المقبلة للتحول إلى منصة تجمع المستثمرين، بما يسهل الوصول إلى التمويل ويعزز الترابط بين مختلف مكونات المنظومة الاستثمارية.

- في ضوء مستهدفات التنويع الاقتصادي، كيف ترون مستقبل "شراكة" خلال السنوات الخمس المقبلة؟ وما الدور الذي تطمحون للقيام به في الاقتصاد الوطني؟

يتطلع الصندوق خلال السنوات الخمس المقبلة إلى توسيع أثره من خلال زيادة عدد الشركات المستثمَر فيها، ورفع حجم رأس المال الموجه إلى السوق، إلى جانب توسيع نطاق المؤسسات المستفيدة من خدماته الاستشارية.

ويمثل التحول الرقمي أحد أبرز محاور العمل المستقبلية، حيث يجري تطوير منصات تمويل حديثة، من بينها منصات التمويل الجماعي، بهدف توسيع قاعدة المستفيدين وتعزيز الوصول إلى التمويل.

كما يسعى الصندوق إلى التحول من نموذج الصندوق التقليدي إلى منصة استثمارية متكاملة تربط المستثمرين برواد الأعمال وتوفر حلولًا تمويلية متنوعة لدعم نمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

وتتيح الخبرات المتراكمة على مدى أكثر من 27 عامًا للصندوق فرصًا لتعزيز حضوره محليًا ونقل تجربته إلى أسواق إقليمية ودولية، خاصة في مجال تطوير وتمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. كما يعمل الصندوق على استقطاب رؤوس أموال جديدة من المستثمرين والأفراد عبر منصة استثمارية موثوقة تستند إلى سجل من الإنجازات.

- كم بلغ إجمالي عدد المشاريع التي مولتها "شراكة" خلال عام 2025؟ وما حجم الأثر الذي تحقق؟

موّل الصندوق بشكل مباشر نحو 16 مشروعًا خلال عام 2025، فيما امتد الأثر إلى نطاق أوسع عبر برامج التمويل غير المباشر، خاصة من خلال نموذج تمويل المدفوعات المستحقة، الذي استفادت منه قرابة 50 شركة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة العاملة ضمن سلاسل التوريد للشركات المتعاملة معها.

وقدم الصندوق كذلك خدمات استشارية وبرامج لتطوير القدرات استفادت منها مئات المؤسسات، ليصل إجمالي عدد المؤسسات التي تأثرت بشكل مباشر أو غير مباشر بخدمات الصندوق إلى نحو 140 مؤسسة، سواء عبر التمويل والاستثمار أو التدريب والاستشارات.

ويصل سقف التمويل للمشروع الواحد إلى 350 ألف ريال عُماني وفق السياسات الداخلية، مع مراعاة إدارة المخاطر وتنويع المحفظة الاستثمارية.

- كيف تتم متابعة المشاريع بعد التمويل؟ وما آليات التعامل مع التعثر؟

يتبع الصندوق منظومة متكاملة لمتابعة المشاريع تبدأ منذ مرحلة التقييم المسبق قبل التمويل، وتستمر بعده من خلال زيارات ميدانية دورية للمشاريع لا تقل عن مرة واحدة سنويًا، إلى جانب التواصل المستمر مع رواد الأعمال عبر اللقاءات والفعاليات المختلفة، ووجود دائرة متخصصة للمتابعة والتحصيل.

وعند ظهور مؤشرات تعثر، لا يقتصر التعامل على الجانب المالي، وإنما يتم العمل على إيجاد حلول عملية تشمل إعادة هيكلة الدعم، وتقديم استشارات فنية وإدارية متخصصة، والاستعانة بخبراء في القطاع المعني لمساعدة المشروع على تجاوز التحديات وتحسين أدائه.

- كيف تنظرون إلى مخاطر ريادة الأعمال ونسب النجاح في السوق؟

ترتبط ريادة الأعمال بطبيعتها بمستويات متفاوتة من المخاطر، وتعثر بعض المشاريع يعد جزءًا طبيعيًا من دورة الأعمال في مختلف الاقتصادات حول العالم. وتظهر المؤشرات العالمية تفاوت نسب النجاح بين الأسواق، إلا أن التحديات المرتبطة بالمشاريع الناشئة ليست حالة استثنائية، وإنما سمة ملازمة للعمل الريادي.

وتسجل سلطنة عُمان معدلات نجاح جيدة مقارنة ببعض المتوسطات العالمية، حيث تتراوح نسبة المشاريع الناجحة بين 30% و40%، ما يعكس مستوى من النضج والاستقرار في بيئة ريادة الأعمال المحلية، حيث تعزز هذه المؤشرات الثقة في السوق العُماني، وتبعث برسالة إيجابية لرواد الأعمال بأن التحديات والتعثرات المحتملة تمثل جزءًا من رحلة النمو والتطوير، وأن النجاح يرتبط بالاستمرارية والقدرة على التكيف والتعلم من التجارب.