مختصون : "التعاونيات"رافد اقتصادي واجتماعي واعد لتعزيز القوة الشرائية ودعم المنتج الوطني
تطرح التعاونيات الاستهلاكية نفسها باعتبارها واحدة من الصيغ الاقتصادية التي تجمع بين حاجة المجتمع إلى السلع بأسعار مناسبة، وحاجة السوق إلى نماذج أكثر توازنًا وعدالة في العلاقة بين المستهلك والمورّد والتاجر.
واكتسبت هذه الفكرة في عُمان سلطنة عمان إطارًا قانونيًا واضحًا مع صدور لائحة تنظيم مزاولة نشاط التعاونية الاستهلاكية، التي نقلت المفهوم من دائرة المبادرات الاجتماعية والعرفية إلى صيغة مؤسسية مرخّصة، لها شخصية قانونية، وضوابط حوكمة، والتزامات محاسبية ورقابية، وشروط تتصل بالملكية والإدارة والغرض الاقتصادي.
وأكد خبراء ومختصون لـ"عمان" أن التعاونيات الاستهلاكية تمثل فرصة واعدة لتعزيز القوة الشرائية للأسر العُمانية، ودعم استقرار أسعار السلع الأساسية، وتوسيع حضور المنتجات الوطنية، إلا أن نجاحها يرتبط بتوافر إدارة احترافية، وحوكمة شفافة، وإطار تنظيمي واضح يعزز ثقة المستهلكين ويحول هذا النموذج من فكرة مجتمعية إلى رافد اقتصادي فاعل يسهم في تنشيط المنافسة ودعم المنتجين المحليين.
انخفاض التكلفة
وقال عبدالله العبري باحث في الاقتصاد السلوكي: إن مفهوم التعاونيات الاستهلاكية ليس جديدًا على المجتمع العُماني، إنما هو امتداد لممارسات اجتماعية عرفتها القرى العُمانية منذ سنوات طويلة، حين كانت الأسر تتعاون على شراء السلع الأساسية بكميات كبيرة وتقاسمها فيما بينها للاستفادة من انخفاض التكلفة.
وأكد أن هذا النموذج يقوم اليوم على تحويل تلك الفكرة البسيطة إلى مؤسسة اقتصادية منظمة تمنح المستهلكين قوة تفاوضية أكبر مع الموردين، وتسهم في خفض تكاليف الشراء وتوسيع الخيارات المتاحة، بما يعزز القوة الشرائية للأسر ويمنح المستهلك دورًا أكثر تأثيرًا في السوق.
وأشار العبري إلى أن محدودية حضور التعاونيات الاستهلاكية في سلطنة عُمان لا تعود إلى ضعف الفكرة، وإنما إلى التحديات المرتبطة بالإدارة والحوكمة والتمويل، مشيرا أن كثيرًا من المبادرات تبدأ بحماس ثم تتراجع عند مواجهة تحديات التنفيذ، و أن نجاح هذا النموذج يتطلب إدارة احترافية، وحوكمة واضحة، وثقافة مجتمعية قائمة على المشاركة والشعور بالملكية الجماعية، إلى جانب تشريعات داعمة وتمويل مناسب.
توازن السوق
وبيّن أن التعاونيات قادرة على الإسهام في إعادة التوازن إلى السوق من خلال توفير بديل موثوق للمستهلك، مما يعزز المنافسة ويشجع التجار على تقديم أسعار وخدمات أفضل، مبينًا أن أثرها لن يكون خفض الأسعار بصورة فورية، بل تحسين المنافسة وتعزيز خيارات المستهلك على المدى الطويل.
ولفت العبري إلى أن الثقة حجر الأساس لنجاح التعاونيات، لافتا إلى أن المستهلك لن يشارك بماله أو وقته ما لم يثق بالإدارة القائمة عليها، ولذلك تمثل الشفافية والإدارة المهنية والحوكمة الواضحة الركائز الأساسية لأي تجربة ناجحة.
وأوضح أن التعاونيات تمثل فرصة كبيرة لدعم المنتجات العُمانية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، عبر توفير منفذ تسويقي مستقر يربط المنتج المحلي بالمستهلك، ويساعد أصحاب المشاريع الصغيرة والمزارعين والحرفيين على الوصول إلى شريحة أوسع من العملاء، بما يعزز حضور المنتج الوطني في السوق المحلي.
وأفاد العبري أن التعاونيات الاستهلاكية تعد فرصة اقتصادية كبيرة لم تستثمر بالشكل الكافي في سلطنة عُمان، ومشيرا إلى أن سلطنة عُمان تمتلك مقومات نجاح هذا النموذج، من مجتمع متماسك وثقة اجتماعية واهتمام متزايد بالمنتج الوطني، إلا أن المطلوب هو إطلاق نموذج ناجح وشفاف يشكل قصة نجاح قابلة للتوسع.
تعزيز القوة الشرائية
من ناحيتها قالت قوت القلوب الحسيني، صانعة المحتوى الاقتصادي: إن التعاونيات الاستهلاكية تعيد جزءًا من هامش الربح إلى المستهلك، إذ يكون المستهلك نفسه مالكًا للتعاونية، بما يسهم في توفير السلع بأسعار أقل، ودعم المنتجين والمزارعين العُمانيين، والإبقاء على جزء أكبر من القيمة المضافة داخل الاقتصاد المحلي.
وأشارت إلى أن التجربة الكويتية تؤكد قدرة التعاونيات على التحول إلى لاعب رئيسي في قطاع التجزئة، مؤكدة أن سلطنة عُمان تمتلك مقومات نجاح هذا النموذج، لكنها تحتاج إلى إطار تنظيمي ومؤسسي واضح يحوله إلى قطاع اقتصادي فاعل.
وأوضحت أن التعاونيات يمكن أن تسهم في تخفيف أسعار السلع الأساسية وتعزيز القوة الشرائية للأسر عبر الشراء الجماعي، وتوفر خيارًا أكثر استقرارًا للمستهلك على المدى الطويل.
ولفتت إلى أن نجاح التعاونيات يعتمد بالدرجة الأولى على الإدارة الاحترافية وثقة المستهلك والحوكمة الفاعلة، إلى جانب الاستفادة من التقنيات الحديثة والتمويل والتوعية المجتمعية، مشيرة إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في الإدارة وليس في الفكرة نفسها.
وأكدت قوت القلوب أن التعاونيات في سلطنة عُمان ليست ثروة اقتصادية مهدرة بقدر ما هي فرصة كامنة لم تُفعّل بعد، ويمكن أن تتحول إلى قيمة اقتصادية حقيقية متى ما توفرت لها البيئة التنظيمية والإدارية المناسبة.
