الاقتصادية

حاضنة "رائدات".. تمكين المرأة العمانية من الفكرة إلى المشروع المستدام

29 يونيو 2026
29 يونيو 2026

تعتبر حاضنة "رائدات" من إحدى المبادرات الرائدة التي أطلقتها أكاديمية المرأة العمانية بهدف تمكين المرأة اقتصاديًا وتعزيز حضورها في منظومة ريادة الأعمال والابتكار، فقد انطلقت النسخة الأولى من الحاضنة في أبريل 2024م، لتكون أول حاضنة نسائية متخصصة على مستوى سلطنة عمان والوطن العربي وتعنى باحتضان المشاريع النسائية وتطويرها وفق منهجية متكاملة تجمع بين التدريب والتوجيه والإرشاد والتمكين الاقتصادي.

وقالت فاطمة البلوشي، رئيسة أكاديمية المرأة العمانية، إن الأكاديمية حرصت منذ إطلاق الحاضنة على أن تتجاوز مفهوم التدريب التقليدي، لتكون منصة عملية لتحويل الأفكار الريادية إلى مشاريع وشركات ناشئة قابلة للنمو والاستدامة، مؤكدة أن الأثر الذي حققته الحاضنة لم يقتصر على تأسيس المشاريع، بل امتد إلى ترسيخ ثقافة ريادة الأعمال لدى المرأة العمانية وتعزيز ثقتها بقدراتها وتمكينها من الانتقال من مرحلة الفكرة إلى مرحلة تأسيس مشاريع مستدامة تسهم بفاعلية في دعم الاقتصاد الوطني.

وأوضحت أن الدفعة الأولى شهدت تخريج 50 امرأة عمانية تمكنت كل واحدة منهن من تأسيس مشروعها الخاص والانطلاق في مسيرتها الريادية، فيما تخرجت في العام التالي دفعة ضمت 90 رائدة أعمال تنوعت مشاريعهن بين الشركات التقنية، والمشروعات الحرفية، ومشروعات الأزياء العمانية، إلى جانب شركة ناشئة متخصصة في تطوير الألعاب الإلكترونية. أما في الدفعة الثالثة لعام 2025 فقد ضمت 120 رائدة أعمال، مع تركيز ملحوظ على الشركات الناشئة في المجالات التقنية، لاسيما في قطاع التقنية المالية وقطاع الطاقة، بما يعكس توجه الحاضنة نحو دعم المشاريع ذات القيمة المضافة والقطاعات المستقبلية المتوافقة مع مستهدفات رؤية عمان 2040.

ونظرًا للنجاح الذي حققته الحاضنة والأثر الإيجابي الذي أحدثته في دعم رائدات الأعمال، تم إطلاق النسخة الثانية في أبريل 2025م ضمن مشاركة أكاديمية المرأة العمانية في معرض مسقط الدولي للكتاب، حيث استهدفت الحاضنة فئات متنوعة من النساء العمانيات الطموحات الراغبات في تحويل أفكارهن إلى مشاريع مستدامة وقابلة للنمو.

مشاريع متنوعة

وأشارت البلوشي إلى أن مشاريع المحتضنات تنوعت بين الصناعات الإبداعية، والأزياء والتصميم، والتجارة الإلكترونية، والخدمات المهنية، والصناعات الغذائية، والمشاريع المنزلية، إضافة إلى عدد من المشاريع المرتبطة بالتقنيات الحديثة والتسويق الرقمي، مبينة أن الأكاديمية تحرص على توجيه المشاركات نحو القطاعات ذات القيمة المضافة، ولا سيما مجالات الاقتصاد الرقمي والابتكار والمشاريع القائمة على المعرفة.

وتستمر فترة الاحتضان لمدة ستة أشهر، تتلقى خلالها المحتضنات برامج تدريبية متخصصة، وجلسات إرشادية واستشارية فردية، وزيارات ميدانية، إضافة إلى الدعم الفني والإداري اللازم لتطوير مشاريعهن.

تحديات

ولفتت رئيسة الأكاديمية إلى أن التجربة العملية للحاضنة أظهرت وجود عدد من التحديات الطبيعية التي تواجه رائدات الأعمال في مرحلة تأسيس المشاريع، يأتي في مقدمتها الخوف من خوض تجربة ريادة الأعمال والنظرة إليها باعتبارها مجالًا محفوفًا بالمخاطر ويتطلب جرأة وتحملًا للمسؤولية. وأضافت أن بعض المشاركات يحتجن إلى مزيد من الدعم في إعداد دراسات الجدوى والخطط المالية واكتساب المهارات الإدارية اللازمة لضمان استدامة المشاريع ونموها.

وأوضحت فاطمة البلوشي أن التمويل يمثل كذلك أحد أبرز التحديات، فعلى الرغم من استفادة بعض المحتضنات من برامج التمويل المتاحة، مثل بنك التنمية العماني، فإن فترة السماح الحالية البالغة سنة واحدة قبل بدء سداد القروض قد لا تكون كافية لبعض المشاريع للوصول إلى مرحلة الاستقرار وتحقيق تدفقات مالية تمكنها من الوفاء بالتزاماتها، الأمر الذي يخلق نوعًا من القلق لدى رائدات الأعمال بشأن آلية السداد. وأضافت أن أكاديمية المرأة العمانية عملت خلال الفترة الماضية على استكشاف بدائل تمويلية أكثر ملاءمة لطبيعة الشركات الناشئة، حيث عقدت اجتماعات مع المختصين في جهاز الاستثمار العماني وصندوق عمان المستقبل، باعتبارهما من الجهات الداعمة للاستثمارات ذات القيمة المضافة، خاصة في القطاعات المستقبلية المرتبطة بالتقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة.

وأوضحت أن صندوق عمان المستقبل، الذي أطلقه جهاز الاستثمار العماني برأس مال يبلغ ملياري ريال عماني، يركز على دعم الشركات الناشئة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في عدد من القطاعات الحيوية، من بينها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والطاقة الخضراء والسياحة والصناعة، من خلال خيارات تمويلية مرنة تشمل الاستثمار المباشر والشراكة في رأس المال.

وأضافت أن الموازنة بين المسؤوليات الأسرية ومتطلبات إدارة المشروع تشكل تحديًا حقيقيًا للعديد من المحتضنات، خاصة وأن نسبة كبيرة منهن من الأمهات اللاتي يسعين إلى تحقيق التوازن بين أدوارهن الأسرية وطموحاتهن المهنية. وانطلاقًا من ذلك، صممت حاضنة "رائدات" وفق منهجية متكاملة تبدأ بمرحلة التأسيس والإعداد، مرورًا بإعداد دراسات الجدوى وبناء القدرات، وصولًا إلى مراحل الإنتاج والتسويق والتوسع، إلى جانب توفير الإرشاد والتوجيه والمتابعة من قبل نخبة من المختصين والخبراء، بما يمكن رائدات الأعمال من تحويل التحديات إلى فرص للنمو وبناء مشاريع مستدامة قادرة على الإسهام بفاعلية في الاقتصاد الوطني.

معايير واضحة

وأوضحت ان الحاضنة تتبنى معايير واضحة لضمان جودة المخرجات واستدامة المشاريع، حيث لا تمنح رائدة الأعمال شهادة التخرج من الحاضنة إلا بعد التأكد من جاهزية مشروعها للدخول إلى السوق وتحقيق متطلبات الاستدامة والنمو. كما يعتبر وجود سجل تجاري قائم للمشروع أحد المتطلبات الأساسية للتخرج من الحاضنة، بما يعكس انتقال الفكرة من مرحلة التصور إلى مرحلة المشروع الفعلي القادر على المنافسة والمساهمة في الاقتصاد الوطني.

وأضافت البلوشي أن العلاقة مع المحتضنات لا تنتهي بانتهاء فترة الاحتضان، وإنما تستمر من خلال المتابعة المستمرة، وإتاحة فرص المشاركة في المعارض والملتقيات، وربطهن بالشركاء والجهات الداعمة، إضافة إلى تقديم الاستشارات عند الحاجة، إلى جانب بناء شبكة مهنية تجمع خريجات الحاضنة وتدعم استدامة مشاريعهن.

وأكدت البلوشي أن الشراكات الاستراتيجية تمثل أحد أهم عوامل نجاح الحاضنة، لأن تمكين المرأة اقتصاديًا مسؤولية تكاملية تتطلب تعاون القطاعين الحكومي والخاص ومؤسسات المجتمع المدني، موضحة أن هذه الشراكات أسهمت في توفير برامج تدريبية متخصصة، وإتاحة فرص التمويل والتشبيك، وتعزيز حضور المشاريع في الأسواق والمعارض، وهو ما انعكس إيجابًا على جودة مخرجات الحاضنة وقدرتها على تحقيق أثر تنموي واقتصادي مستدام.

وتستند حاضنة "رائدات" إلى منظومة متكاملة من الشراكات الوطنية الداعمة، حيث ترتبط بشراكة استراتيجية مع هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بما يضمن توفير بيئة داعمة للمشاريع المحتضنة وربطها بالبرامج والمبادرات الوطنية المخصصة لقطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. كما تحظى الحاضنة بمتابعة ودعم من وزارة الاقتصاد، انطلاقًا من أهمية المشاريع النسائية الناشئة في تعزيز التنويع الاقتصادي وخلق فرص العمل وتحفيز الابتكار.

قصص نجاح املهمة

وأشارت رئيسة الأكاديمية إلى وجود العديد من قصص النجاح الملهمة لخريجات الحاضنة، إذ تمكنت نساء عمانيات من تحويل أفكارهن إلى مشاريع قائمة تحقق دخلاً وتسهم في توفير فرص عمل، فيما انتقلت نساء أخريات من مرحلة العمل المنزلي إلى تأسيس مشاريع وافتتاح محلات والتوسع خارج محافظة مسقط. وأضافت أن أجمل قصص النجاح تتمثل في التغيير الذي يطرأ على شخصية المحتضنة نفسها، من حيث تنامي الثقة بالنفس والقدرة على اتخاذ القرار والإيمان بقدرتها على المنافسة وتحقيق النجاح.

وتؤمن فاطمة البلوشي أن رائدات الأعمال المتخرجات من الحاضنة يشكلن رافدًا حقيقيًا للاقتصاد الوطني، من خلال تأسيس مشاريع مستدامة وقادرة على النمو والتوسع، بما يسهم في زيادة مساهمة المرأة في النشاط الاقتصادي، وتعزيز الاقتصاد القائم على المعرفة، ورفع معدلات التشغيل الذاتي، وتحقيق مستهدفات رؤية عمان 2040 في مجال ريادة الأعمال والتنمية المستدامة.

وأضافت البلوشي أن الأكاديمية تتطلع، بعد أن أكملت الحاضنة ثلاثة أعوام من العمل، إلى مرحلة جديدة من التطوير والتوسع، من خلال زيادة عدد المستفيدات، وتقديم برامج أكثر تخصصًا في مجالات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتعزيز الشراكات مع الجهات الداعمة، وتطوير منظومة المتابعة وقياس الأثر.

وأوضحت أن الأكاديمية تسعى أيضًا إلى ترسيخ تجربة حاضنة "رائدات" كنموذج وطني وعربي رائد في مجال ريادة الأعمال النسائية، بما يسهم في تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040 وتعزيز دور المرأة العُمانية كشريك أساسي في التنمية الاقتصادية المستدامة.

وكشفت فاطمة البلوشي رئيسة أكاديمية المرأة العمانية عن تطلعهم إلى تدشين حاضنة "وهج"، لتكون أول حاضنة نسائية متخصصة في احتضان ودعم مشاريع رائدات الأعمال من النساء ذوات الإعاقة، بما يسهم في تعزيز التمكين الاقتصادي لهذه الفئة، وتوفير بيئة ريادية شاملة تتيح لهن تحويل أفكارهن ومواهبهن إلى مشاريع مستدامة وقادرة على المنافسة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 ومبادئ التنمية الشاملة التي لا تستثني أحدًا.

وأكدت البلوشي بأنه سيتم تدشين النسخة الجديدة من برنامج حاضنة رائدات لعام 2026م في 18 أكتوبر 2026م، تزامنًا مع الاحتفال بـ يوم المرأة العمانية، حيث ستحتضن الحاضنة 90 امرأة عمانية موزعات على ثلاث فئات رئيسية، تشمل 30 موظفة من القطاعين الحكومي والخاص، و30 باحثة عن عمل، و30 من صاحبات المشاريع القائمة التي واجهت تحديات أو تعثرًا وتسعى إلى إعادة تطوير مشاريعهن والاستفادة من خدمات الاحتضان والتأهيل.

وتمتد فترة الاحتضان لمدة ستة أشهر، ويُقدم البرنامج بشكل مجاني بالكامل، في إطار التزام أكاديمية المرأة العمانية بتوفير بيئة داعمة ومحفزة تسهم في بناء القدرات الريادية وتعزيز استدامة المشاريع النسائية. ويأتي البرنامج انطلاقًا من إيمان الأكاديمية بأهمية تمكين المرأة اقتصاديًا وتوسيع فرصها في مجال ريادة الأعمال، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني العماني