No Image
الاقتصادية

كيف تصل آسيا إلى الحياد الكربوني؟

21 أكتوبر 2022
21 أكتوبر 2022

عندما انقطع التيار الكهربائي في وقت مبكر من هذا الشهر من شقتها في دكا، كان أول ما شغل بال سابينا ياسمين طفلتُها ذات الثمانية عشرة شهرا. فعاصمة بنغلاديش تَعِجُّ بالبعوض الناقل لحمى الضنك في هذا الوقت من العام، ومن دون تشغيل مروحة أو مكيف هواء لا يمكن لياسمين وضع صغيرتها تحت ناموسية خانقة.

أيضا شحُّ وقود الديزل جعل من غير الممكن تشغيل المولد الاحتياطي في بنايتها السكنية، بل حتى سعر شموع الإضاءة تضاعف أربع مرات.. أوشكت ياسمين على البكاء وبالكاد حبست دموعها.

انقطاع التيار الكهربائي الذي أغرق البناية في ظلام دامس في 4 أكتوبر فعل الشيء نفسه لمعظم بنجلاديش. فأربعة أخماس سكانها الذين يبلغ عددهم 165 مليون نسمة فقدوا الكهرباء لحوالي 7 ساعات. توقفت المصانع وتوقفت المضخات في البنايات السكنية عن العمل وحرمت سكانها من الماء. كان تعطل شبكة الكهرباء أحد الأعراض المستفحلة لنقصٍ في الإمداد الكهربائي تسببت فيه الجيوبوليتيكا.

خلال العقد الماضي أضافت بنجلاديش الكثير إلى طاقة توليد الكهرباء للوفاء باحتياجات اقتصادها المتنامي. تحقق معظم ذلك بتشييد محطات تدار بالغاز الطبيعي المستورد.

لكن الحرب الروسية الأوكرانية دفعت بسعر الغاز إلى أعلى. وفضل منتجو الغاز التصدير إلى أوروبا التي تدفع بالدولار الثمين بدلا من البلدان الفقيرة.

المشاكل التي تواجهها بنجلاديش نذيرٌ بالأشياء القادمة، ستكون اقتصادات آسيا الأسرع نموا في العالم خلال العقد القادم، وسيرتفع طلبها على موارد الطاقة.. في ذات الوقت بلدان القارة هي أصلا من بين الدول الأكثر تأثرا بالتغير المناخي، وستزداد كلفة الفيضانات ودورات الجفاف وموجات الحر.

في الأثناء سيكون توفر الوقود الأحفوري خاضعا للتقلبات السياسية، ونجاح آسيا وازدهار شعوبها في المستقبل بما في ذلك حصولها على الكهرباء الكافية سيعتمد على مدى قدرتها على التحول إلى موارد الطاقة المتجددة بسرعة كافية.

إنه تحدٍّ رهيب، فمن المقدَّر أن يرتفع طلب البلدان العشرة الأعضاء في رابطة بلدان جنوب شرق آسيا (الآسيان) على الطاقة بحوالي ثلث إجمالي الطلب الحالي للاتحاد الأوروبي بحلول عام 2050. الهند لوحدها من المحتمل أن تحتاج إلى طاقة إضافية تساوي حاجة الاتحاد الأوروبي الحالية في عام 2040.

سيقابَل قدر كبير من الطلب الإضافي بواسطة الموارد المتجددة، مع ذلك ستستمر موارد الوقود الأحفوري في الهيمنة على مزيح الطاقة في آسيا، هذه الهيمنة تتعزز وترسَخ من خلال الدعم المالي الحكومي أو المحسوبية السياسية. (مزيج الطاقة هو مجموعة الموارد الأولية المختلفة والمتاحة بِنِسَب متفاوتة للوفاء باحتياجات الطاقة في منطقة أو بلدٍ ما).

في الهند وإندونيسيا وماليزيا والفلبين يسود الفحم وهو الوقود الأحفوري الأكثر تلويثا للهواء. وحددت الهند ثالث أكبر بلد مطلق لانبعاثات الكربون بعد الصين والولايات المتحدة عام 2070 لبلوغ الحياد الكربوني.. إنه موعد يتأخر بعشرين عاما عن بلدان الاقتصادات الغربية الكبيرة، ولم تعلن بعض البلدان أي تعهدات حتى الآن بشأن الحياد الكربوني.

التخلي عن الفحم أولوية وعلى الرغم من أنه ستكون هنالك حاجة لمحطات توليد الكهرباء التي تستخدم الفحم لضمان استقرار الشبكات حول المنطقة لسنوات قادمة لكن يجب إبطاء تشييد محطات جديدة، حيث وعدت الصين واليابان وكوريا الجنوبية التي كانت تمول 95% من مثل هذه المحطات بوقف تمويلها في الخارج على الرغم من عدم التقيد التام بذلك الوعد.

يلزم أن تساعد أشكال جديدة من التمويل على إغلاق المحطات القديمة، وتسعى الهند وإندونيسيا وفيتنام لاستنساخ نموذج تم تجريبه في جنوب إفريقيا. في هذا النموذج تقدم البلدان الغنية منحا وقروضا بتكلفة زهيدة لإغلاق المولدات التي تدار بالفحم، ويريد بنك التنمية الآسيوي مزج العون برأس المال الخاص لإعادة تمويل ديون بارونات الفحم؛ الفكرة هي السماح لهؤلاء البارونات بكسب المال (استرجاع رؤوس أموالهم وتحقيق أرباحهم) قبل الموعد المقرر لذلك بشرط أن يغلقوا محطاتهم في وقت مبكر أيضا.

أما فيما يتعلق بموارد الطاقة الجديدة فالآمال تتعزز في دور الهيدروجين الأخضر الذي يُصنع من فصل الماء باستخدام الطاقة المتجددة، فالهيدروجين وفير ونظيف وكثيف الطاقة لكنّ كلا من تقنيته وبنيته التحتية لم تختبرا لأغراض إنتاجه بكميات كبيرة.

وعلى الرغم من ذلك فالخطط المتعلقة به طموحة؛ ففي منطقة بيلبارا غرب أستراليا يزعم مروجون لمركز خاص بإنتاج الطاقة المتجددة أنه سيغطي 6500 كيلومتر مربع (2500 ميل مربع) من الصحراء وستكون لديه طاقة إنتاجية تصل إلى 26 جيجاوات في العام يتم استخدامها لإنتاج الهيدروجين والأمونيا للتصدير. (الأمونيا طريقة لتخزين الهيدروجين وجعله قابلا للنقل.)

بالنظر إلى أوضاع عدم اليقين التي تحيط بالهيدروجين الأخضر في الوقت الحاضر سيكون التركيز الرئيسي على الطاقة الشمسية وقوة الرياح في انتقال آسيا إلى موارد الطاقة المتجددة.

لدى البعض أحلام كبيرة، فهناك شركة أسترالية تَعِد بتنفيذ مشروع رابط تحت الماء يرسل الكهرباء من ألواح الخلايا الشمسية في المنطقة الشمالية في استراليا إلى سنغافورة باستخدام كوابل بطول 12600 كيلومتر (7800 ميل)، إذا أنجِز هذا المشروع حسب وعد الشركة بحلول عام 2029 سيزود سنغافورة (المدينة-الدولة) بسدس احتياجاتها من الكهرباء.

المشروعات الآسيوية للطاقة المتجددة ستكون في معظمها صغيرة الحجم مع ذلك قد يكون أثرها التراكمي مهمّا.

حيث تتوقع وحدة معلومات الإيكونومست (وهي شركة شقيقة لمجلة الإيكونومست) أن تضاعف الموارد المتجددة حصتها في مزيج مصادر توليد الكهرباء بقارة آسيا من 15% إلى 31% في عام 2031.

سيصل نصيب الهند إلى 21% بإضافة طاقة إنتاجية جديدة مقدارها 200 جيجاوات من الموارد المتجددة غير المائية. أما الصين فيتوقع أن تضيف 700 جيجاوات من مثل هذه الطاقة الإنتاجية. ويقول رئيس وكالة التخطيط الصينية إن مشروعات كهرباء لإنتاج 450 جيجاوات من الرياح سيتم تنفيذها في صحراء جوبي لوحدها.

لكي يتحقق الانتقال يجب أن تكون الطاقة النووية جزءا من مزيج الطاقة كما هي الحال في الصين. في الواقع، بنجلاديش والهند وكوريا الجنوبية كلها تضيف الطاقة النووية إلى مصادر الكهرباء.

سيساعد على ذلك تصنيعُ آسيا الواسع النطاق لمنتجات الطاقة الخضراء. فماليزيا وفيتنام وكوريا الجنوبية أكبر بلدان العالم إنتاجا لوحدات الطاقة الشمسية بعد الصين.

وإندونيسيا أكبر منتج للنيكل الذي هو أحد المدخلات الحيوية للبطاريات نجحت بشكل ملحوظ في محاولتها تحديث معالجة النيكل واجتذاب مصنِّعي البطاريات من كوريا الجنوبية وغيرها من البلدان. إلى ذلك يتوقع تيم جولد، كبير الاقتصاديين بوكالة الطاقة الدولية أن يحقق النيكل لإندونيسيا مكاسب بأكثر مما فعل الفحم الحجري.

مع ذلك لن تكون كل المشروعات مجدية تجاريا. سيتطلب "فطام" آسيا من الكربون استثمارا يتراوح بين 26 تريليون دولار إلى 37 تريليون دولار بين الوقت الحالي وعام 2050، وفقا لتقديرات مجموعة مستثمري آسيا المعنية بالتغير المناخي.(تتبنى هذه المجموعة مبادرة تهدف إلى نشر الوعي والتشجيع على العمل وسط مالكي الأصول والمؤسسات المالية في آسيا بشأن المخاطر والفرص المرتبطة بالتغير المناخي والاستثمار في الحياد الكربوني.)

ستكون هنالك حاجة لمِنَح ودعومات مالية من البلدان الغنية لتحفيز الاستثمار الخاص. لقد حدَّد رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي ثمن موافقته على الحياد الكربوني. إنه تمويل بقيمة تريليون دولار بحلول عام 2030 فقط. وهو يساوي عشرة أضعاف مبلغ سنوي وُعِدَت به كل البلدان الفقيرة بموجب اتفاقية باريس لعام 2015 وصُرف القليل منه حتى الآن.

عندما تجتمع البلدان في مصر الشهر القادم في قمة الأمم المتحدة السنوية للمناخ سيكون المال في قلب المحادثات وسيتعلق مستقبل خفض انبعاثات الكربون الآسيوية بنتائجها.

الترجمة عن الإيكونومست