خبراء لـ"عُمان": ميزانية 2026 تؤسس مرحلة نمو مستدام وتحافظ على الاستقرار المالي
أكد عدد من الخبراء والمختصين في الشأن الاقتصادي لـ «عُمان» أن ميزانية سلطنة عُمان لعام 2026 تعكس انتقالًا مدروسًا للاقتصاد الوطني من مرحلة الاستقرار المالي إلى مرحلة النمو المنضبط، في ظل متغيرات اقتصادية وجيوسياسية إقليمية وعالمية متسارعة. وأوضحوا أن الميزانية جاءت امتدادًا لما تحقق خلال السنوات الماضية من تحسن ملموس في المؤشرات المالية، بعد فترة ركزت فيها السياسات المالية على خفض العجز والدين العام، مشيرين إلى أن التوجه الحالي يعزز الإنفاق التنموي والاستثماري دون الإخلال بالانضباط المالي، بما يدعم استدامة المالية العامة ويعزز قدرة الاقتصاد العُماني على امتصاص الصدمات.
وبين الخبراء أن الميزانية حافظت على توازنها بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، من خلال استمرار دعم الفئات المستحقة وتمويل الخدمات الأساسية، وكذلك تحفيز القطاعات غير النفطية والاستفادة من التحسن في التصنيف الائتماني لسلطنة عُمان، واعتماد تقديرات واقعية للإيرادات والمصروفات وسعر تحوطي للنفط، بما يعكس نهجًا احترازيًا في إدارة الموارد العامة ومتسقًا مع مستهدفات «رؤية عُمان 2040».
متانة الاستقرار المالي
وقال الخبير الاقتصادي والباحث في التشريعات الاقتصادية الدكتور داود بن سليمان المحرزي: تكتسب ميزانية 2026 أهمية خاصة كونها تمثل نقطة انطلاق لخطة تنموية جديدة، وتؤشر إلى مرحلة مختلفة في الإدارة المالية العامة لسلطنة عُمان؛ إذ تعد هذه المرحلة مرحلة انتقال مدروسة من الاستقرار إلى النمو، أساسها الاستقرار المالي الذي تحقق خلال السنوات الماضية. فبعد تلك السنوات من التركيز على تصحيح الأوضاع المالية وخفض العجز والدين، نلاحظ توجهًا حذرًا نحو تعزيز الإنفاق التنموي والاستثماري مع الحفاظ على الانضباط المالي لاقتصاد مستدام، وهذا يشير إلى الثقة العالية بمتانة الاقتصاد الوطني وقدرته على امتصاص الصدمات القائمة على الاستقرار المالي الذي تحقق خلال السنوات الماضية.
التوجه العام للميزانية
وأوضح المحرزي أن الميزانية العامة لعام 2026م تعكس توجهًا متوازنًا يجمع بين الحفاظ على الاستقرار المالي وتهيئة الأرضية لنمو اقتصادي تدريجي، فبعد سنوات ركزت فيها السياسة المالية على احتواء العجز وضبط الإنفاق وإدارة الدين العام بكفاءة، تبدو الميزانية الحالية وكأنها تنتقل إلى مرحلة جديدة أكثر ثقة دون التخلي عن الحيطة المالية؛ حيث تبرز واقعية تقديرات الإيرادات والمصروفات كإحدى السمات الأساسية لهذه الميزانية، خاصة في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية من تباطؤ النمو العالمي وتراجع متوسط أسعار النفط المتوقعة وتشديد السياسات النقدية في عدد من الاقتصادات الكبرى؛ حيث إن هذا النهج الواقعي يعزز مصداقية الميزانية ويقلل احتمالات الانحرافات الكبيرة في التنفيذ.
وأشار المحرزي إلى أن من أبرز نقاط القوة مقارنة بالسنوات السابقة التحسن الواضح في جودة التخطيط المالي ووضوح الأولويات وربط الإنفاق بأهداف تنموية واقتصادية محددة، وكذلك الاستفادة من التحسن في التصنيف الائتماني للدولة.
النفط والإيرادات
وأوضح المحرزي أنه لا يزال النفط عنصرًا محوريًا في الميزانية العامة للدولة، إلا أن اللافت هو الحذر الواضح في اعتماد سعر النفط في الميزانية؛ حيث اعتمدت سعر نفط متحفظًا مقارنة بمتوسط توقعات المؤسسات المالية الدولية، وهو ما يعكس نهجًا احترازيًا يهدف إلى حماية الميزانية العامة لسلطنة عمان من الصدمات السعرية المفاجئة.
وفي حال تحسن أسعار النفط عن المستويات المعتمدة، فإن التوجه الأمثل لاستثمار الفوائض لا يتمثل في التوسع في الإنفاق الجاري، بل في تسريع خفض الدين العام وتقليل أعباء خدمته، وكذلك تعزيز الاحتياطيات المالية وتمويل المشاريع الاستراتيجية ذات القيمة المضافة العالية، خصوصًا في القطاعات غير النفطية التي تعزز اقتصاد سلطنة عمان.
أما على صعيد تنويع الإيرادات، فيمكن القول إن الاعتماد على النفط ما زال قائمًا لكنه آخذ في التراجع التدريجي، فقد أصبحت الإيرادات غير النفطية أكثر حضورًا وإن لم تصل بعد إلى المستوى المنشود، فالطريق لا يزال طويلًا لتحقيق تنويع كامل ومستدام.
الإنفاق والدين العام
وأكد المحرزي أنه على صعيد الإنفاق، فقد عكست سياسة الإنفاق في ميزانية 2026م انضباطًا مرنًا؛ حيث تم ضبط المصروفات الجارية مقابل توجيه موارد أكبر نحو الإنفاق الإنمائي والاستثماري بما يسهم في تحفيز النمو وخلق فرص العمل. فالسياسة المالية التي تنتهجها سلطنة عُمان، والتي باتت واضحة، قد اتسمت بالمرونة المنضبطة، لا تقشف حاد يضر بالنمو ولا توسع غير محسوب، والتركيز على الإنفاق التنموي مع ضبط المصروفات الجارية يعكس نضجًا في إدارة المالية العامة.
وفيما يتعلق بالدين العام، تظهر الميزانية استمرار الالتزام بنهج مستدام لإدارته، لا يقتصر على خفض حجمه فحسب، بل يشمل تحسين هيكلته وإطالة آجاله وخفض كلفة الاقتراض، مستفيدة من تحسن التصنيف الائتماني للدولة؛ حيث يعد هذا التوجه عاملًا مهمًا في تعزيز ثقة المستثمرين وتخفيف الضغوط على المالية العامة مستقبلًا.
كما تعكس الميزانية توازنًا معقولًا بين الإنفاق الاجتماعي والانضباط المالي، إذ تستمر الدولة في دعم الفئات المستحقة وتمويل الخدمات الأساسية دون الإخلال بمسار الاستدامة المالية، وهو توازن بالغ الأهمية للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في آن واحد.
النمو الاقتصادي
وبين المحرزي أن المعطيات الاقتصادية تؤشر إلى أن القطاعات غير النفطية ستكون المحرك الرئيس للنمو خلال الفترة المقبلة، ويأتي في مقدمتها القطاع الصناعي، خاصة الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة، وقطاع اللوجستيات والنقل مستفيدًا من الموقع الجغرافي الاستراتيجي، وقطاع السياحة لما له من أثر مباشر، وكذلك قطاعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر بوصفها ركيزة مستقبلية للتنويع الاقتصادي والاستدامة البيئية.
ويعتمد نجاح هذه القطاعات على استمرار تحسين بيئة الأعمال بشكل أسرع وبوتيرة أفضل، وجذب الاستثمارات، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
التنويع الاقتصادي
من جانب آخر أوضح الدكتور يوسف بن حمد البلوشي مؤسس البواب الذكية للاستثمار والاستشارات وخبير اقتصادي، أن هناك أهمية واضحة في زيادة مخصصات الضمان الاجتماعي ومظلة الحماية الاجتماعية تعكس هذا التوازن، لافتًا إلى أن عدد المستفيدين تجاوز 1.6 مليون مواطن، وهي نسبة كبيرة جدًا، ما يعني أن مظلة الحماية الاجتماعية تغطي شريحة واسعة من المواطنين، وهو أمر إيجابي ومهم.
وأشار إلى أن الموازنة العامة وكذلك الخطط والرؤى الوطنية وُضعت في الأساس لخدمة المواطن، مؤكدًا أن البعد الاجتماعي في الميزانية يعد أمرًا ضروريًا وملحًا باعتبار أن المواطن هو الغاية والهدف النهائي لأي سياسات مالية أو اقتصادية، مشددًا على أن التوازن بين الجانبين الاجتماعي والمالي قائم ومتحقق.
وبين الدكتور البلوشي أن سلطنة عُمان تمر بمرحلة تحولات اقتصادية تتطلب في الوقت ذاته الإنفاق على قطاعات أخرى، من بينها قطاعات التنويع الاقتصادي وتعظيم الاستفادة من الاتفاقيات الاقتصادية، سواء مع جمهورية الهند أو الولايات المتحدة الأمريكية، مؤكدًا أهمية عدم إغفال هذه القطاعات وضرورة زيادة الإنفاق لتعزيز مكانة سلطنة عُمان كمركز تجاري وإقليمي وعالمي.
وأضاف: إن الظروف الاقتصادية والجيوسياسية الحالية وعلاقات سلطنة عُمان المتوازنة مع مختلف الأطراف، سواء مع الهند أو الولايات المتحدة أو الصين التي تسعى للدخول إلى السوقين الهندي والأمريكي، وكذلك علاقاتها مع الأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي ورغبتهم في الوصول إلى الأسواق الأمريكية والهندية، تفرض أهمية العمل على جعل عُمان بيئة جاذبة للاستثمارات وقاعدة انطلاق للاستثمار نحو تلك الأسواق.
وفي رده على سؤال حول انعكاس تنفيذ الميزانية على معيشة المواطن، أكد البلوشي أن المخصصات المتعلقة بدعم الوقود وتعرفة الكهرباء ودعم المياه لا تمس، ما يعني استمرار الدعم واستفادة المواطن منه. مضيفًا إن المشاريع التي تنفذها الميزانية في مختلف القطاعات، سواء في مجال الطرق أو المستشفيات أو قطاع التعليم، صممت لخدمة المواطن بشكل مباشر، ما سيكون له أثر إيجابي وصدى طيب على مستوى المعيشة، مؤكدًا أن المواطن هو المستفيد وصاحب الحق، وأن هذه الخدمات ليست فضلًا وإنما استحقاق أصيل له.
وفيما يتعلق بجاهزية الاقتصاد العُماني للتعامل مع تقلبات الأسواق العالمية، أوضح الدكتور البلوشي أن التجارب التي مرت بها سلطنة عمان خلال الفترة الماضية أسهمت في بناء خبرة اقتصادية وانضباط مالي واضح، مشيرًا إلى أن الحكومة اتخذت عددًا من الاحترازات للتعامل مع المخاطر المحتملة، سواء المرتبطة بالتغيرات المناخية أو تقلب أسعار النفط أو المتغيرات الجيوسياسية.
وأكد أن المرونة تظل عنصرًا أساسيًا، مع أهمية بناء خطوط بديلة وثانية وثالثة للتحوط وتجنب أي صدمات قد تؤثر في مسيرة النمو الاقتصادي في سلطنة عُمان.
سعر نفط تحوطي
من جانبه أكد الدكتور قيس السابعي الخبير الاقتصادي والمهتم بالشؤون التوعوية المالية، أن تقديرات الإيرادات والمصروفات الواردة في الميزانية جاءت واقعية ومدروسة، ولم تكن تقديرات عشوائية، بل استندت إلى تحليل دقيق لواقع الأوضاع الاقتصادية الراهنة.
وأوضح أن هذه التقديرات جاءت متوافقة ومنسجمة مع المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية وتقلبات وتذبذبات أسعار النفط والغاز ومعطيات منظمة «أوبك بلس»، وكذلك ما يشهده الاقتصاد العالمي من تحولات متسارعة.
وأشار إلى أن اعتماد سعر تحوطي لبرميل النفط عند مستوى 60 دولارًا يعكس نهجًا حذرًا واستباقيًا هدفه التحوط من الأزمات المالية المحتملة والاستعداد المسبق لمثل هذه الظروف، كما أوضح أن تقديرات الإيرادات والمصروفات جاءت موائمة ومواكبة لواقع الحال، استنادًا إلى الاستطلاعات المالية والاقتصادية العالمية والرؤى والتحليلات الاقتصادية وآراء الخبراء والأكاديميين والمحللين الاقتصاديين، سواء على المستوى المحلي أو العالمي، وكذلك ما هو متاح من بيانات وتقارير صادرة عن الوكالات والمنشورات الاقتصادية العالمية.
وفي رده على السؤال المتعلق بسعر النفط، أوضح الدكتور قيس أن السعر المعتمد في الميزانية ليس سعرًا تحفظيًا أو تقديريًا فحسب، بل هو سعر تحوطي، وأكد أن تحديد السعر التحوطي عند 60 دولارًا للبرميل جاء تفاديًا وتأهبًا لأي أزمات مالية قد تطرأ، في ظل اقتصاد عالمي متغير ومتجدد وما يصاحبه من ظروف جيوسياسية وسياسية وكوارث طبيعية وتقلبات في أسعار الغاز وتغيرات في العرض والطلب والرسوم الجمركية والحروب العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد، وكذلك الشراكات الاقتصادية والعقود الاستثمارية وغيرها من العوامل المؤثرة في منظومة الاقتصاد العالمي.
مؤشرات الاقتصاد العالمي
وبين السابعي أن التقديرات الحالية وفق مؤشرات الاقتصاد العالمي وآراء الخبراء الاقتصاديين تشير إلى أن سعر النفط خلال عام 2026 قد يتراوح بين 62 و65 دولارًا، وقد يصل في أقصى الحالات إلى 67 أو 70 دولارًا، فيما رجح بعض الخبراء أن أعلى سعر بيع قد لا يتجاوز 70 إلى 75 دولارًا كحد أقصى، بينما توقع آخرون أن يقف الحد الأدنى لسعر البرميل عند مستويات تتراوح بين 61 و63 دولارًا، مع إمكانية ملامسة سقف 60 دولارًا.
وأوضح أنه في حال اعتماد سعر تحوطي عند 60 دولارًا وبيع النفط بأسعار تتراوح بين 63 و65 دولارًا، فإن ذلك سيحقق فائضًا في الميزانية، أما في حال البيع عند 60 دولارًا فستكون الميزانية عند نقطة تعادل صفري، وفي حال انخفاض السعر قليلًا عن ذلك فقد يُسجل عجزًا طفيفًا.
وأكد أن قوة الميزانية تكمن في وضوحها وشفافيتها؛ حيث صرحت بوجود عجز في ميزانية عام 2026 وحددت قيمته بدقة، سواء في حالات الفائض أو العجز أو الإيجاب أو السلب.
وفي إجابته على السؤال المتعلق بتقييم سياسة ضبط الإنفاق، أكد الدكتور قيس السابعي أن سياسة ضبط الإنفاق خلال السنوات الخمس الماضية وحتى اليوم جاءت معتدلة ومنسجمة مع الأهداف المرجوة، وظهرت بأفضل صورها واستمرت بما يتوافق مع «رؤية عُمان 2040» والتوجيهات السامية للحكومة، كما أشار إلى أن جميع المؤسسات الحكومية والقطاع العام أسهمت بشكل إيجابي في تطبيق سياسات ضبط الإنفاق.
وأوضح أن هذه السياسة مستمرة في ظل العمل على خفض الدين العام إلى ما دون 20% من إجمالي الناتج المحلي، مؤكدًا أن سياسة الإنفاق لا تزال قائمة ومحكمة ومحوكمة في هذا الإطار، وبين أن الميزانية تعكس تحسنًا سنويًا ملحوظًا؛ حيث انخفض الدين العام من نحو 21 إلى 22 مليار ريال قبل خمس إلى ست سنوات إلى قرابة 13 مليار ريال حاليًا، كما تراجعت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي من نحو 75% سابقًا إلى ما دون 35%، أي قرابة 30% حاليًا.
وأشار إلى أن هذا التحسن انعكس إيجابًا على التصنيف الائتماني لسلطنة عمان؛ حيث منحتها وكالات التصنيف العالمية أولى الدرجات الاستثمارية والمتمثلة في تصنيف «BBB-»، في مؤشر واضح على متانة الوضع المالي والاقتصادي.
