المرشد السياحي الواجهة الحقيقية للهوية الوطنية
أصبحت الوجهات السياحية تتشابه، فلم يعد كافيًا أن تمتلك الدولة جبالًا شاهقة وشواطئ ممتدة أو مواقع تاريخية عريقة، ولكن كيف يمكن أن نقدم هذه العناصر للعالم؟ وكيف تتحول من مشاهد جميلة إلى هوية متكاملة تستقر في ذهن السائح قبل زيارته لسلطنة عمان، ثم يحملها كذكرى لا تنسى معه عند عودته إلى بلده؟.
ففي هذا الاستطلاع نرصد آراء نخبة من الأكاديميين والمرشدين السياحيين حول دور التسويق السياحي والمرشد الميداني في تشكيل الهوية الوطنية وتعزيزها لدى السياح.
الاستراتيجيات الرقمية
وتبدأ الحكاية من قاعات المحاضرات، حيث تؤكد جناد بنت منصور البلوشي، محاضر أول في التسويق والإدارة بكلية عمان للسياحة، أن التسويق هو الركيزة الأساسية لإيصال أي فكرة أو صورة عن أي منتج إلى المجتمعات المحلية أو الخارجية. موضحة أن "المنتج" في السياحة لا ينحصر في موقع طبيعي أو فندق فاخر، وإنما يتمثل في تجربة كاملة تتضمن القيم، والثقافة، وطريقة العيش، والانطباعات التي تتشكل في ذهن السائح.
وتشير إلى أن الحملات التسويقية هي التي تحدد ما الذي سيبرز أمام العالم، فحين يتم التركيز على كرم العمانيين وأصالتهم، فإن الرسالة لا تبقى مجرد عبارة دعائية، بل تتحول إلى توقع لدى السائح، وهنا تؤكد أن التجربة الواقعية هي الفيصل؛ فإذا عاش الزائر ما تم الإعلان عنه، سينعكس ذلك إيجابًا على صورة سلطنة عمان، أما إذا وجدت فجوة بين الرسالة والواقع، فإن مصداقية العلامة السياحية تتأثر، لذلك، أكدت جناد البلوشي أن التسويق شريك أساسي في تشكيل الهوية الوطنية في عقول وأذهان السياح، وليس مجرد قناة إعلان.
وتتوقف البلوشي عند نقطة جوهرية كثيرًا ما يحدث فيها خلط، وهي الفرق بين الترويج للمقومات السياحية والترويج للهوية الوطنية، موضحةً أن الترويج للمقومات يركز على عرض الأماكن والمزارات والمعالم والفعاليات، أي العناصر الملموسة التي يمكن تصويرها وإدراجها في الكتيبات أو المنصات الرقمية، أما الترويج للهوية، فيتجاوز ذلك ليبني صورة ذهنية عن شخصية الدولة وقيمها وثقافتها، فصورة الحصن أو الجبل لا تكفي وحدها لنقل الهوية، ما لم تربط بالسياق الإنساني والاجتماعي الذي يمنحها معناها، مؤكدةً أن الهوية الوطنية هي جوهر العلامة السياحية للدولة، فالزائر قد يشاهد عشرات الصور قبل قدومه، لكن صورة الهوية الحقيقية لا تتشكل لديه إلا بعد أن يعيش تلك التجربة، ويتفاعل مع الناس، ويختبر تفاصيل الحياة اليومية، فالهوية كما أشارت لا تستورد من الخارج، لكنها تعاش في وسط الأسواق الشعبية، وفي جلسات القهوة العمانية، وفي بساطة التعامل، وفي الاحترام المتبادل.
وعند الحديث عن الاستراتيجيات التسويقية، ترى جناد البلوشي أن الاستراتيجيات الرقمية أصبحت اليوم في الصدارة، فوسائل التواصل الاجتماعي باتت المرفد الأساسي للمعلومات، والمنصة الأولى التي يلجأ إليها السائح لاكتشاف الوجهة قبل اتخاذ قرار السفر، موضحةًَ أن التسويق الرقمي يتيح للسائح رؤية سلطنة عمان ومزاراتها السياحية بضغطة زر، ما يجعل من الضروري توظيف جميع قنوات التواصل الاجتماعي بطريقة احترافية، ورغم تأكيدها على أهمية الوسائل غير الرقمية، إلا أنها ترى أن الاستراتيجية الرقمية هي الأساس في المرحلة الراهنة.
ولا تقف الرؤية عند حدود التقنية، بل تمتد إلى مضمون الرسالة، فعند الحديث عن دمج التراث الثقافي غير المادي كالعادات والفنون واللغة في الحملات التسويقية، أكدت جناد البلوشي أن الأمر يتطلب معالجة واعية، فالتراث ليس مشهد استعراض يعرض في مناسبة ثم يطوى، لكنه جزء من الحياة اليومية، ويمكن للغة المحلية، والمفردات الدارجة، والحكايات المتوارثة، والفنون الشعبية، أن تدمج في الحملات التسويقية بطريقة تعكس العمق الثقافي لسلطنة عمان دون مبالغة أو تنميط.
مشيرةً إلى أن كثير من السياح باتوا يبحثون عن البساطة، والتعرف على تقاليد البلد وتراثه، والابتعاد عن إيقاع المدن المتسارع، وهنا ترى جناد أن سلطنة عمان تمتلك فرصة حقيقية لإبراز نمط حياتها المتوازن والمرتبط بالجذور.
وعند استحضار مثال عملي لحملة عززت الهوية الوطنية، أشارت البلوشي إلى حملة "غير جو" التي نفذتها شركة Visit Oman التابعة لمجموعة عمران، موضحة أنها ركزت على تقديم تجربة متكاملة للسائح، بدءًا من الطيران وانتهاء بالمواقع والمناظر السياحية، ومن أحد العناصر القوية التي استخدمت في هذه الحملة كلمات من اللهجة المحلية في اللغتين، والألوان المعبرة في الهوية البصرية، إضافة إلى الحضور المكثف للإعلانات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
لكن الصورة لا تكتمل من دون الحديث عن إعداد الكوادر، فقد شددت جناد، على أن الجامعات يجب ان تنطلق من مستهدفات رؤية عمان 2040 في دمج الهوية الوطنية في المناهج والمساقات، واستحداث مواد تعليمية تعكس الهوية وتعززها، وربطها بالحياة اليومية للطلبة، مؤكدة على أهمية إقامة ورش تدريبية تتناول الهوية الوطنية، وربطها بمشاريع التخرج، ما يسهم في إعداد كوادر واعية قادرة على تسويق الهوية بمسؤولية، ليظهر المرشد السياحي وفي الميدان بوصفه الواجهة الحقيقية للهوية العمانية.
خط الاتصال الأول
وترى منيرة بنت حمدان البلوشي، محاضرة اللغة الألمانية بكلية عمان للسياحة ومدربة إرشاد سياحي بترخيص دولي من الفيدرالية الدولية للمرشدين السياحيين، أن المرشد هو خط الاتصال الأول مع السائح، مؤكدةً أن سلوكه وطريقة تعامله يتركان أثرًا كبيرًا في التجربة المتراكمة التي يكونها الزائر، فحين يحافظ المرشد على أصالته ولطفه في التعامل، فإنه بذلك يعكس الهوية الوطنية بصورة مباشرة.
وأكدت منيرة البلوشي أن من أهم مسؤوليات المرشد إشراك السياح من خلال السرد القصصي، والحكايات، بمعنى سرد القصص بطريقة مشوقة وطلب رأي السياح فيها او توقعاتهم واتاحة الفرصة لهم للسؤال، بالاضافة الى إشراكهم في الأنشطة التفاعلية، وحتى حضور حلقات العمل إن وجدت، فالسرد في رأيها ليس مجرد نقل للمعلومات، فالمرشد السياحي في الحقيقة يعمل كمفسر للتراث والثقافة، ويعيد تشكيل تلك المعلومات لبناء رواية وطنية تربط الماضي بالحاضر، مشيرةً إلى أن إبراز الرموز الوطنية والشخصيات التاريخية في هذه القصص التي تسرد خلال الجولة غالباً تثير اهتمام السياح، خاصة عند ربطها بالحياة اليومية.
وفي كيفية التعامل مع المعلومات الحساسة أو المثيرة للجدل، شددت على ضرورة تجنب الرأي الشخصي والالتزام بالمهنية، مع إعادة توجيه الحوار نحو مواضيع إيجابية عند الحاجة، لكنها ترى أن بعض القضايا الحساسة قد تكون جزءًا من الهوية، ويمكن تناولها بأسلوب مدروس ومنظم.
وتروي منيرة البلوشي أن من مظاهر تغير وعي السياح بعد الجولات تتجلى في رغبة بعضهم ارتداء الدشداشة أو الكمة العمانية طوال بقية الرحلة، أو شراء الحلوى العمانية لأخذها إلى بلدانهم، أو محاولة تعلم بعض الكلمات باللهجة العمانية، فكل هذه التفاصيل الصغيرة دليل على أن الهوية لم يشرحها المرشد فقط، بل عاشها السائح بتفاصيلها.
شخصية المجتمع
ومن زاوية أخرى يعتبر سعيد خميس الخاطري، مرشد سياحي عام ومدير منتجع سياحي، نفسه سفيرًا لبلده قبل أن يكون مرشدًا سياحياً، موضحاً أن دوره لا يقتصر على شرح معلومات معينه حول موقعاً سياحياً، ولكن يتعداه إلى نقل روح المكان وقصته، فعندما يشرحون للزائر عن التسامح والضيافة والتاريخ البحري العريق، فالسائح لا يرى المباني فقط ، لكنه يفهم شخصية المجتمع العماني وقيمه وعاداته وتقاليده الأصيلة التي تشكل الهوية الوطنية.
ويشير الخاطري إلى أن الجولة السياحية قد تكون هي التجربة الأولى للسائح في سلطنة عمان، ومن خلالها تتكون صورته الأولى عن البلد، لذلك شدد على أن المصداقية وتمثيل البلد بأخلاق عالية من أهم المسؤوليات التي تقع على عاتق المرشد السياحي، ولابد على المرشد أن يعتمد في جولاته على سرد القصص لتعريف السياح بالقلاع والأسواق التقليدية والقهوة العمانية والحرف اليدوية، مع إتاحة فرصة لهم للتفاعل مع المجتمع المحلي بطريقة محترمة، ويلاحظ أن كثيرًا من السياح يعبرون عن اعجابهم بالأمن والاستقرار والتنوع الطبيعي والثقافي في سلطنة عمان بعد انتهاء الجولة.
وشدد سعيد الخاطري بأنه على المرشد السياحي أن يكون مطلع على التاريخ بشكل صحيح ويقدم المعلومات بثقة وموضوعية، وأن يصحح المفاهيم الخاطئة والصورة النمطية التي قدم بها السائح بطريقة لبقة ومحترمة.
ربط الماضي الحاضر
أما محمد الشبيبي، الشريك المؤسس لشركة أرض الكنوز للجولات السياحية، أن إبراز الهوية يبدأ بشرح التاريخ العريق لسلطنة عمان، باعتبارها من أقدم الدول في الشرق الأوسط، مع الاستشهاد بحضارات قديمة مثل مجان، ومزون، مؤكداً على أهمية استحضار الفترات التاريخية المختلفة، من حكم النباهنة إلى اليعاربة ودولة البوسعيد، وذكر متى اعتنق العمانيون الإسلام، وإبراز الشخصيات المؤثرة في تلك المراحل، على أن تكون طريقة العرض بطريقة شيقة وجذابة، وركز الشبيبي على أن الموضوعية في تقديم المعلومات هي أساس العمل السياحي، وأن نجاح المرشد يتجلى في تقييمات السياح عبر المنصات والتطبيقات المختلفة.
تغيير الصور النمطية
وأكد أحمد بن مبارك المقيمي، مرشد سياحي عام، أن دقة السرد والتوضيح والاستدلال عنصر أساسي في نقل الهوية، مع ذكر المكان والشخصيات والتاريخ، ويرى أن المرشد مرآة تعكس إنسان البلد ومكوناته وسلوكياته، فعليه أن يكون حذرًا وحياديًا عند التعامل مع أسئلة السياح المتعلقة بالدين والسياسة.
وأشار أحمد المقيمي إلى أن الهوية الوطنية تتعزز من خلال سلوك المرشد، وارتدائه الزي الرسمي، واهتمامه بالهندام، والانضباط في المواعيد، وإلقاء التحية، ولغة الجسد، والابتسامة. كما أوضح أن من أبرز التحديات التي يواجهها المرشدون تغيير الصور النمطية المسبقة لدى بعض السياح، خاصة تلك المرتبطة بالإرهاب أو الإسلاموفوبيا، مؤكدًا أن الرد الإيجابي المدعوم بالتاريخ والمعلومات الموثوقة، وسرد القصص الواقعية، وشرح الأحداث يسهم في تصحيح المفاهيم وتعزيز الصورة الحقيقية عن المجتمع العماني، مشيراً إلى أن احترافية المرشد السياحي في نقل المعلومة وسردها بطريقة قصصية تجعلها راسخة في أذهان المتلقي.
وفيما يتعلق بالطرق والأنشطة التي يستخدمها لإبراز التراث الوطني والثقافة المحلية خلال الجولات، أوضح المقيمي أن ذلك يتحقق عبر المعرفة التامة ودقة طرح المعلومات المرتبطة بالتاريخ والشخصيات والأماكن، إلى جانب سرد القصص الواقعية والأحداث التي تعكس شجاعة أهل عمان، والتعريف بمكونات الزي العماني للرجال والنساء، وتسليط الضوء على المأكولات العمانية، والفنون الشعبية، وتاريخ الأفلاج ونظم الري، فضلًا عن الحديث عن الزراعة وصيد الأسماك وتجارة اللبان والنحاس وغيرها من الموروثات التي تشكل هوية البلاد.
وأكد المقيمي أن مهنة الإرشاد السياحي في سلطنة عمان تخضع لتنظيم من وزارة التراث والسياحة، حيث يجب أن يكون المرشد مرخصًا ومؤهلًا علميًا وفنيًا، وأن يعتمد في نقل المعلومات على مصادر حكومية وبيانات رسمية معتمدة، بما يضمن دقة المحتوى ومصداقيته.
