الاقتصادية

بعد توترات مضيق هرمز.. هل يواجه الاقتصاد العالمي منعطفا جديدا؟

16 أبريل 2026
كتب: أسيد احمد البلوشي
16 أبريل 2026

أحدثت التوترات في مضيق هرمز تغييرات جذرية في معايير المخاطر لدى أسواق الطاقة والتجارة العالمية؛ حيث يعد هذا الممر المائي معيارا لقياس استقرار الاقتصاد العالمي، ويختبر قدرة سلاسل الإمداد على مواجهة الأزمات، ومدى ثقة الأسواق في استدامة التدفقات.

ويؤكد خبراء أن تداعيات الإغلاق لم تكن محدودة، بل امتدت لتشمل سلاسل إمداد النفط والغاز الطبيعي المسال، إلى جانب حركة السفن التجارية، والخدمات اللوجستية المرتبطة بها، مثل التزود بالوقود وأعمال الصيانة، فضلًا عن تأثيرها على حركة التجارة العالمية بشكل عام، وأوضحوا أن سلطنة عُمان تواجه انعكاسات هذه التذبذبات في أسعار السلع وكلف الشحن، إلا أن موانئها المطلة على البحار المفتوحة توفر مسارات بديلة وآمنة للتجارة، وتقتضي المرحلة الراهنة استثمار هذه الميزة المكانية عبر تطوير منظومة الخدمات اللوجستية، وجذب استثمارات أجنبية مباشرة، وتسريع خطط التنويع الاقتصادي؛ بهدف بناء هيكل مالي صلب يمتص الصدمات الطارئة بكفاءة عالية.

Image

يقول الدكتور قيس السابعي مستشار قانوني وخبير اقتصادي وعضو في الجمعية الاقتصادية العمانية إن مضيق هرمز يُعد من أهم الممرات المائية الدولية في العالم، حيث يشكل ركيزة أساسية لحركة العبور على مختلف المستويات، سواء الاقتصادية أو التجارية أو الاستثمارية، إلى جانب أبعاده الثقافية والمجتمعية.

وأوضح أن أهمية المضيق تنبع من كونه ممرًا حيويًا للطاقة العالمية، إذ يمر عبره نحو 20% من إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال، إلى جانب جزء مهم من سلاسل الإمداد اللوجستية، ما يجعله أحد أكثر الممرات تأثيرًا في استقرار الاقتصاد العالمي، مشيرًا إلى أن هذا الثقل الاستراتيجي يجعل أي تغير في وضع المضيق، سواء من حيث الإغلاق أو إعادة الفتح، ذا تأثير مباشر وفوري على الأسواق العالمية، خاصة أسواق الطاقة، وهو ما ينعكس بدوره على حركة الاقتصاد العالمي بشكل عام.

وأضاف أن إعادة فتح المضيق سيكون لها تأثير فوري على أسعار النفط العالمية، حيث إن ذلك يرتبط بوجود كميات كبيرة من الشحنات النفطية التي تراكمت خلال فترة الإغلاق، وكانت في انتظار استئناف العبور عبر المضيق، مبينًا أن فترة التوقف أدت إلى تكدس السفن وسلاسل الإمداد، وبقت العديد من الشحنات غير قادرة على المرور، وهو ما خلق حالة من الاختلال بين العرض والطلب في الأسواق.

وأضاف أنه مع إعادة فتح المضيق، ستعود هذه الشحنات إلى التدفق، ما يؤدي إلى زيادة المعروض في السوق، مشيرًا إلى أن هذه الزيادة في العرض ستدفع أسعار النفط نحو الانخفاض، بعد أن شهدت ارتفاعًا خلال فترة الإغلاق نتيجة نقص الإمدادات، إلا أن حالة الحذر ستظل حاضرة لدى شركات الشحن والمستثمرين نتيجة استمرار المخاوف المرتبطة بالتصعيد، موضحًا أن هذه الأجواء تؤثر بشكل مباشر على مستوى الثقة في الأسواق، حيث يبقى القلق قائمًا لدى المستثمرين، وهو ما ينعكس على أداء الاقتصاد بشكل عام، ويحد من عودة الانسيابية الكاملة لسلاسل الإمداد كما كانت في السابق.

وأضاف أن أسعار النفط خلال المرحلة المقبلة ستظل عرضة للتذبذب، بحيث تتحرك ضمن نطاقات غير مستقرة، دون تسجيل ارتفاعات أو انخفاضات حادة، مرجحًا أن تميل تدريجيًا إلى الانخفاض بشكل محدود مع عودة الإمدادات، إلى أن تصل الأسواق إلى مرحلة استقرار أوضح، وأن الوصول إلى استقرار كامل في الأسعار لن يكون في المدى القصير، بل يتطلب فترة زمنية متوسطة إلى طويلة تعتمد بشكل رئيسي على تطورات المشهد الجيوسياسي في المنطقة.

تداعيات الإغلاق

وفي معرض حديثه عن تداعيات الإغلاق، قال إن إغلاق مضيق هرمز، حتى وإن كان جزئيًا، ترك تأثيرًا مباشرًا وواضحًا على سلاسل الإمداد والطاقة على مستوى العالم، مؤكدًا أن هذا التأثير كان حقيقيًا وملموسًا، ولم يقتصر على جانب دون آخر، موضحًا أن تداعيات الإغلاق لم تكن محدودة، بل امتدت لتشمل سلاسل إمداد النفط والغاز الطبيعي المسال، إلى جانب حركة السفن التجارية، والخدمات اللوجستية المرتبطة بها، مثل التزود بالوقود وأعمال الصيانة، فضلًا عن تأثيرها على حركة التجارة العالمية بشكل عام.

وفيما يتعلق بالخسائر الاقتصادية، قال إن الخسائر الناتجة عن إغلاق الممرات الحيوية تختلف من دولة إلى أخرى، إلا أن الدول المستوردة تظل الأكثر تأثرًا بهذه الأزمات، خاصة في ظل الظروف الجيوسياسية الراهنة، موضحًا أن الدول التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية احتياجاتها من الغذاء والسلع والخدمات تكون أكثر عرضة للتأثر نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وما يرافقه من ارتفاع في الأسعار وزيادة معدلات التضخم، إلى جانب تراجع توفر السلع الأساسية واضطراب سلاسل الإمداد.

وأشار إلى أن هذه التحديات تسلط الضوء على أهمية تحقيق الاكتفاء الذاتي، خصوصًا في مجال الأمن الغذائي، باعتباره أحد المرتكزات الأساسية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي، حيث إن الاعتماد الكبير على الخارج يجعل الاقتصادات أكثر هشاشة أمام الأزمات، مضيفًا أن دول الخليج، رغم امتلاكها قدرات اقتصادية كبيرة، لا تزال تعتمد بدرجة ملحوظة على الاستيراد، وهو ما يرتبط بجملة من العوامل، منها الطبيعة الجغرافية وقلة الموارد المائية، إضافة إلى اعتبارات اقتصادية وتنموية أخرى.

وبيّن أن معالجة هذه التحديات تتطلب العمل على عدة مسارات، من بينها تعزيز الإنتاج المحلي، وتنويع الشركاء التجاريين، وتطوير مسارات وممرات بديلة أكثر أمانًا، إلى جانب تنشيط التجارة البينية مع الدول القريبة جغرافيًا، مثل الدول العربية ودول آسيا وأفريقيا، مؤكدًا أن تعزيز الترابط التجاري الإقليمي وتوسيع نطاق الشراكات الاقتصادية من شأنه أن يقلل من المخاطر المرتبطة بالاعتماد على ممرات محددة، ويسهم في بناء منظومة اقتصادية أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع المتغيرات.

وفي هذا الإطار، أشار إلى أن التوترات التي شهدها مضيق هرمز دفعت الدول إلى البحث الجاد عن ممرات بديلة، مؤكدًا أن الاعتماد على مسار واحد لنقل الطاقة والتجارة يمثل مخاطرة كبيرة قد تؤدي إلى خسائر اقتصادية جسيمة في حال تعطله، موضحًا أن المرحلة الحالية تفرض تبني استراتيجيات قائمة على تنويع المسارات اللوجستية، بحيث لا تقتصر حركة التجارة على ممر واحد، بل تعتمد على شبكة من البدائل القادرة على ضمان استمرارية التدفقات التجارية في مختلف الظروف.

وأضاف أن إنشاء هذه المسارات البديلة يجب أن يخضع لدراسات دقيقة تأخذ في الاعتبار الجدوى الاقتصادية، وتوازن بين تكلفة الإنشاء والعوائد المتوقعة، لافتًا إلى أن بعض المشاريع قد تتحول إلى عبء مالي إذا لم تحقق مردودًا اقتصاديًا حقيقيًا خلال فترة زمنية معقولة، مشيرا إلى أن التخطيط للممرات البديلة لا يقتصر على الجانب الهندسي فقط، بل يشمل الجوانب الاقتصادية والاستراتيجية بما يضمن تحقيق استقرار طويل المدى، وليس مجرد حلول مؤقتة.

الموازنات والتنويع الاقتصادي وأضاف إن التطورات الجيوسياسية المرتبطة بالمضيق تنعكس بشكل مباشر على موازنات دول الخليج، نظرًا لاعتمادها الكبير على الإيرادات النفطية والغازية، موضحًا أن أي اضطراب في التصدير يؤدي إلى تأثيرات اقتصادية ملحوظة، مشيرًا إلى أن الاقتصادات الخليجية تقوم على مزيج من الدخل الريعي المرتبط بالطاقة، إلى جانب مصادر أخرى مثل القطاع الصناعي والاقتصاد المعرفي، إلا أن الاعتماد على النفط والغاز لا يزال يشكل النسبة الأكبر من الإيرادات.

وأوضح أن هذه الأوضاع أظهرت الحاجة إلى تسريع جهود التنويع الاقتصادي، من خلال تعزيز الاستثمارات في القطاعات غير النفطية، مثل السياحة والخدمات اللوجستية والصناعات المحلية، إلى جانب جذب الاستثمارات الأجنبية وتطوير المنتجات الوطنية، مشيرا إلى أن التحول نحو الاقتصاد المعرفي والابتكار، إلى جانب الاستثمار في الطاقة البديلة مثل الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، يمثل مسارًا مهمًا لبناء اقتصاد أكثر استدامة، في إطار ما تستهدفه «رؤية عُمان 2040».

وأضاف أن هذه الموازنات تجعل المكاسب الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط جزئية، في ظل الضغوط التي تتعرض لها الأسواق، إلى جانب تأثيرات مرتبطة بثقة المستثمرين، وأن الأثر العام لمثل هذه الأزمات يظل سلبيًا في مجمله على المدى المتوسط والطويل ، مشيرا إلى أن سلطنة عُمان تمتلك موقعًا مميزًا يمكنها من توظيف هذا الواقع لتعزيز مكانتها الاقتصادية، إضافة إلى ما تتميز به من بيئة آمنة ومستقرة ومركز للحوار، ما يمنحها ميزة إضافية يمكن البناء عليها.

وأشار إلى أن الاستفادة تتطلب توسيع قاعدة التنويع الاقتصادي، وتطوير مراكز لوجستية وإنشاء ممرات بديلة، إلى جانب تعزيز الإنتاج المحلي لتحقيق مستويات أعلى من الاكتفاء الذاتي، مؤكدًا أهمية دعم القطاع الخاص وجذب الاستثمارات، إلى جانب إنشاء صناديق استثمارية مخصصة للحالات الطارئة، بما يضمن قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات وأن وجود رؤية مستقبلية لإدارة هذه الأدوات، قائمة على أسس اقتصادية وقانونية مدروسة، سيسهم في بناء منظومة اقتصادية أكثر مرونة واستدامة، قادرة على التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية.

Image

أسواق الطاقة

من جانبه قال الدكتور محمود بن سخي البلوشي نائب رئيس الجمعية الاقتصادية العمانية إن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل خطوة مهمة نحو استعادة التوازن الاقتصادي في المنطقة، موضحًا أن عودة الحركة الطبيعية عبر المضيق ستعيد الثقة إلى الاقتصاد الإقليمي والعالمي، وأسواق الطاقة، بحكم تأثر كثير من الاقتصاديات العالمية من عدم مرور المواد الأولية الداخلة في كثير من الصناعات، خاصة المنتجات المستخرجة من النفط والغاز.

وفيما يتعلق بأسواق الطاقة، أوضح أن أسعار النفط تعتمد بشكل أساسي على حركة العرض والطلب، مشيرًا إلى أن عودة انسيابية الملاحة عبر المضيق ستسهم في استقرار الأسواق، وإعادة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، خاصة أن أكثر من 20% من النفط المنقول بحرًا يمر عبر هذا الممر الحيوي، مبينًا أن توفر الإمدادات سيعزز من استقرار السوق العالمي.

وأضاف أن الموازنة العامة لسلطنة عُمان تم بناؤها على أسس متحفظة، في حين رفعت الأحداث الأخيرة أسعار النفط إلى مستويات أعلى، متوقعًا أن تعود الأسعار إلى مستوياتها السابقة دون أن تنخفض عن السعر المعتمد في موازنة عام 2026، مستندًا في ذلك إلى استمرارية الإنتاج وسهولة التصدير، خاصة مع موقع سلطنة عمان خارج المضايق، وهو ما يقلل من التحديات اللوجستية.

التأثيرات والفرص

وعن تأثير الأزمة على الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالتجارة البحرية، أوضح أن العديد من القطاعات تأثرت بشكل مباشر، بل ومن المتوقع أن تستمر بعض هذه التأثيرات خلال الفترة المقبلة، نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد، سواء على مستوى الواردات أو الصادرات.

وفي جانب الفرص، قال إن الموقع الجغرافي لسلطنة عُمان يمثل ميزة استراتيجية، عززت من دورها في دعم الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد في المنطقة، مشيرًا إلى أن الجهات المعنية تفاعلت مع هذه المعطيات من خلال توفير تسهيلات وخدمات تعزز من مكانة سلطنة عمان كمركز لوجستي داعم لانسيابية التجارة العالمية.

وأشار إلى أن الموانئ العمانية، مثل صلالة وصحار والدقم، تمتلك إمكانات كبيرة لتعزيز هذا الدور، لافتًا إلى أن العديد من الشركات العالمية قد تعيد تخطيط عملياتها لضمان وجود بدائل لوجستية مستدامة، وهو ما يفتح المجال أمام سلطنة عمان لتكون أحد المراكز الرئيسية لهذه الشركات في المرحلة القادمة، مؤكدًا أهمية تطوير كفاءة القطاع اللوجستي من حيث القوانين والإجراءات والمرافق، بما يعزز من تنافسية سلطنة عمان إقليميًا.

تحول مسارات التجارة

وبيّن أن التحولات في مسارات التجارة العالمية التي فرضتها التوترات تعزز من أهمية سلطنة عمان بوصفها مركزا لوجستيا إقليميا، خاصة في ظل تركيز «رؤية عُمان 2040» على هذا القطاع كأحد محركات التنويع الاقتصادي، مشيرا إلى أن هذه التحولات تمثل فرصة لإبراز دور سلطنة عمان في دعم التجارة العالمية.

وفيما يتعلق بتكاليف الشحن والتأمين، أشار إلى أنها ارتفعت خلال فترة الأزمة، متوقعًا أن تسهم عودة الاستقرار في إعادة هذه التكاليف إلى مستوياتها السابقة، وهو ما سيدعم انتعاش الشركات في السلطنة والمنطقة.

وأضاف أن مثل هذه الأزمات تدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم خياراتهم الاستثمارية، مع الأخذ في الاعتبار تكاليف الإنتاج والنقل واللوجستيات، ما قد يعيد توجيه الاستثمارات نحو مواقع أكثر استقرارًا وكفاءة.

وقال إن هذه المرحلة تمثل فرصة لتعزيز التنويع الاقتصادي، من خلال دعم القطاع اللوجستي كأحد القطاعات الرئيسية المرتبطة بالصناعة والزراعة والثروة السمكية والتعدين، مشيرًا إلى أهمية تطوير القوانين والإجراءات لزيادة جاذبية هذا القطاع ورفع حجم الاستثمارات فيه.

Image

فتح المضيق

وقال عبدالله العبري باحث في الاقتصاد السلوكي واتخاذ القرار إن التداعيات الاقتصادية المباشرة لإعادة فتح المضيق يمكن قراءتها بوصفها استجابة مزدوجة تتأرجح بين الواقع والتوقع؛ حيث يظهر انخفاض أولي في علاوة المخاطر نتيجة عودة التدفقات النفطية والملاحة، إلا أن هذا الانخفاض لا يكون كاملاً، لأن جزءًا من السعر كان مبنيًا على الخوف من استمرار النقص، وليس فقط على نقص فعلي في الإمدادات.

وأضاف أن هذا السلوك يتسق مع ما طرحه Richard Thaler حول تضخيم الخسارة المتوقعة، حيث تبقى الأسواق محتفظة بما يشبه «قسط تأمين نفسي» ضد عودة الأزمة، وهو ما يفسر بطء التعافي رغم تحسن المؤشرات الفعلية.

وبيّن أن فتح المضيق لا يمثل نهاية الأزمة، بل نهاية مرحلتها الحادة فقط، وأن الأثر السلوكي يمتد لفترة أطول، حيث تبقى الأسواق في حالة يقظة مفرطة، ويستمر المستثمرون في تسعير احتمالات الانتكاس، وهو ما يرتبط بما يُعرف بانحياز التوفر، حيث تبقى الأحداث الحديثة حاضرة في الذهن وتؤثر على القرارات لفترة تتجاوز عمرها الفعلي.

وأوضح أن التفاعل مع إعادة فتح المضيق لا يسير في مسار خطي نحو الاستقرار، بل في مسار متذبذب يعكس صراعًا بين تحسن الإمدادات واستمرار عدم اليقين، مشيرًا إلى أننا ننتقل إلى مرحلة تقلبات أقل حدة لكنها أكثر تعقيدًا، تتحرك فيها الأسعار ضمن نطاقات واسعة مدفوعة بالتوقعات أكثر من الأساسيات، وهو ما يتوافق مع تحليلات Daniel Kahneman حول دور الإدراك الذهني في تشكيل السلوك الاقتصادي.

وعلى صعيد سلاسل الإمداد، قال إن عودة الملاحة لا تعني عودة فورية للوضع السابق، لأن الأزمة غيّرت قناعات الشركات، التي بدأت تعيد تقييم العلاقة بين الكفاءة والمرونة، مشيرًا إلى أن الشركات لن تعود سريعًا إلى الاعتماد الكامل على مسار واحد، بل ستبقي على بدائل حتى وإن كانت أكثر تكلفة، في إطار التحول نحو «المرونة المحسوبة». وأضاف أن تكاليف الشحن والتأمين ستنخفض تدريجيًا، لكنها لن تعود فورًا إلى مستوياتها السابقة، لأن التسعير يعتمد على المخاطر المستقبلية، لا الواقع الحالي فقط، وهو ما يبقي التكاليف عند مستويات أعلى نسبيًا إلى حين ترسخ الاستقرار.

وأشار إلى أن هذه الأزمة قد تمثل نقطة تحول في استراتيجيات الشركات العالمية، التي ستتجه إلى تنويع مصادر الإمداد وزيادة المخزون وتوزيع المخاطر جغرافيًا، بما يعني تراجع نموذج «الإنتاج في الوقت المناسب» لصالح نماذج أكثر مرونة، لافتًا إلى أن هذا التحول لا تحركه الحسابات الاقتصادية فقط، بل «التعلم من الألم» الناتج عن التجربة.

النمو الاقتصادي

وأوضح أن التأثير على النمو الاقتصادي العالمي سيكون متفاوتًا، حيث تتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر نتيجة ارتفاع التكاليف والضغوط التضخمية، ما يؤدي إلى تباطؤ النمو، إلى جانب تأثيرات غير مباشرة تتمثل في تأجيل الاستثمارات وتقليص الإنفاق نتيجة عدم اليقين. وبيّن أن الأزمة كشفت عن تحول أعمق في هيكل الاقتصاد العالمي، يتمثل في إعادة الاعتبار لأمن الطاقة كأولوية استراتيجية، حيث لم يعد النفط مجرد سلعة، بل عنصرًا مرتبطًا بالجغرافيا والسياسة والمخاطر، وهو ما يدفع الدول لإعادة التفكير في مزيج الطاقة والبنية التحتية والعلاقات الجيوسياسية.

وأشار إلى أن المرحلة القادمة ستتسم بمزيد من التعددية في المسارات، والاستثمار في المرونة، والحساسية تجاه المخاطر الجيوسياسية، بحيث يصبح الهدف تحقيق توازن بين الكفاءة والأمان، لا السعي إلى الكفاءة القصوى فقط.

وفي هذا السياق، لفت إلى أن مواقع مثل سلطنة عُمان تبرز كنقاط ارتكاز استراتيجية خارج مناطق الاختناق التقليدية، ليس فقط من حيث الجغرافيا، بل من حيث دورها المحتمل في إعادة تشكيل شبكات الإمداد الإقليمية والدولية.

وختم بالإشارة إلى أن إعادة فتح مضيق هرمز لا تمثل عودة إلى ما كان، بل خطوة ضمن تحول أعمق، حيث يتعلم الاقتصاد العالمي أن الاستقرار ليس حالة دائمة، وأن الكفاءة دون مرونة تمثل هشاشة مؤجلة، وأن القرارات الاقتصادية، رغم طابعها العقلاني، تظل انعكاسًا لعقول بشرية تتذكر وتخاف وتسعى لتجنب الخطأ قبل تحقيق الصواب.