No Image
الاقتصادية

إدارة المخاطر والسياسات المرنة والاستباقية.. ركيزة لتقليص التبعات الاقتصادية المحتملة بسبب الأوضاع الراهنة

06 مارس 2026
06 مارس 2026

مع الأوضاع الراهنة وعدم الوضوح بشأن أفق قريب لانتهائها, تتصاعد المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي وقد يكون لتبعاتها المباشرة وغير المباشرة تأثير على الاقتصاد المحلي, خاصة ان الاقتصاد العالمي حتى قبل اندلاع الحرب كان يعاني لسنوات من نمو هش وتباطوء, وقد يقود طول أمد الصراع إلى معاودة التضخم للارتفاع , ومزيد من تباطوء النمو وعرقلة حركة التجارة العالمية التي وقعت بالفعل تحت ضغوط منذ العام الماضي بسبب سياسة فرض الرسوم الجمركية.

وعلى الصعيد المحلي تأتي الأوضاع الراهنة مع بداية تنفيذ خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة والتي انطلقت مصحوبة بتحسن شامل في الوضعين المالي والاقتصادي, وتستهدف سلطنة عمان خلال الخطة رفع معدلات النمو الى متوسط يتراوح بين 4 بالمائة و5 بالمائة خلال سنوات الخطة, اعتمادا على توسعة قطاعات التنويع الاقتصادي وتحفيز الاستثمار الخاص المحلي والأجنبي وزيادة جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى ما يعادل نسبة نحو 11 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي. وعلى مدى السنوات الماضية, حققت السياسات الاقتصادية والمالية لسلطنة عمان مرونة ملموسة في التعامل والتكيف مع عديد من الأزمات التي صاحبت انطلاقة وتنفيذ الخطة العاشرة تشمل تبعات الأزمة المزودجة للتراجع الحاد في أسعار النفط وتفشي الجائحة, وما تلا ذلك من تفاقم واسع للتضخم ومتغيرات عالمية نتيجة التوترات الجيوسياسية والتجارية, وفي ظل الوضع الحالي واحتمالية توسع أو امتداد الصراع لمدى أطول من المتوقع, يحمل ذلك تحد لا يستهان به ويتطلب حسن إدارة المخاطر المحتملة وسرعة الاستجابة والاستعداد لكافة السيناريوهات المتوقعة في جانب الاقتصاد.

وحتى الآن, يمكن رصد التأثيرات المباشرة والسريعة للأزمة على أسواق المال وقيمة العملات الوطنية واسواق النفط, وفي ظل الأوضاع الراهنة وخلال الأسبوع الأول من الحرب, أبدت معنويات المستثمرين في أسواق المال تماسكا نسبيا وسيكون استمرار ذلك حسب التطورات خلال الفترة المقبلة, وفي سلطنة عمان أنهت بورصة مسقط الاسبوع الماضي على استقرار وحقق المؤشر العام ارتفاعا بنسبة 1.3% في آخر يوم للتداول الاسبوعي, وقد تعادل حجم مشتريات المستثمرين مع عمليات البيع خلال الأسبوع, وتواصل سياسة الارتباط بين الريال العماني والدولار الأمريكي الحفاظ على استقرار العملة الوطنية. وفي أسواق النفط اتجهت الأسعار نحو ارتفاع متوقع نظرا للمخاطر المحيطة بالإمدادات, وتجاوز سعر خام نفط عمان 94 دولار في العقود الآجلة للشحنات تسليم شهر مايو مقارنة مع متوسط في حدود 60 دولارا خلال الأشهر الماضية والتي تأثرت فيها الأسعار بتباطوء النمو العالمي وتوجه مجموعة دول اوبك بلس نحو زيادة انتاج النفط, وفي حال استمرار ارتفاع الأسعار, سيؤدي ذلك لزيادة الايرادات العامة الفعلية لسلطنة عمان خلال عام 2026, حيث حددت ميزانية العام الحالي سعرا تحوطيا للنفط عند 60 دولار للبرميل, كما يقدم ارتفاع أسعار النفط ونمو النشاط النفطي من خلال زيادة في الانتاج أو في قيمة الصادرات دعما لزيادة مساهمة القطاع النفطي في الناتج المحلي وامتصاص جانب من أي تأثيرات محتملة على نمو القطاعات غير النفطية.

وعلى مدى أطول من استمرار الأوضاع الراهنة, من المرجح أن تكون التأثيرات المحتملة للأزمة متباينة في مختلف القطاعات الاقتصادية, والتأثير على النمو وجاذبية الاستثمار سيكون حسب مدى الاستجابة والمرونة التي ستتعامل بها السياسات الاقتصادية والمالية في مواجهة الأوضاع الحالية وقدرتها على احتواء المخاطر, وتظل توجهات تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى سلطنة عمان رهنا بالتطورات في المنطقة, إلا أنه يدعم استمراريتها ما اكتسبته بيئة الاستثمار والأعمال من ثقة على مدى السنوات الماضية, وحكمة وتوازن السياسات الخارجية الحكيمة لسلطنة عمان.

وفيما يتعلق بالقطاعات غير النفطية والتي تم اعتمادها كقطاعات رئيسية او داعمة للنمو الاقتصادي خلال الخطة الحادية عشرة, تمثل الحرب ضغوطا على قطاع السياحة بشكل خاص والذي يعد الأكثر تأثرا بالأزمات وقد ظهر هذا التأثير بوضوح خلال تفشي الجائحة, بينما يستفيد القطاع اللوجستي من فرص محتملة مع تمتع عدد من الموانىء العمانية بموقع خارج مضيق هرمز, وحجم متزايد من التجارة البينية بين دول مجلس التعاون والتي يمر جانب كبير منها عبر المنافذ البرية.

ويمثل التخطيط التنموي الدور الأهم في التعامل مع مختلف السيناريوهات والمخاطر, ووفق وثيقة خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة, تضع الخطة في اعتبارها عددا من المخاطر التي قد تؤثر على الاستقرار المالي ومسار النمو المستدام، أبرزها تقلبات النفط، وتحديات مرتبطة بالتضخم والتغير المناخي والأنواء المناخية، وتصاعد السياسات التجارية الحمائية، إلى جانب مخاطر التوترات الجيوسياسية الإقليمية والعالمية، وقد تم اعتماد المخاطر الاقتصادية من قبل سجل المخاطر الوطنية بهدف دعم صناع القرار في استشراف التحديات المحتملة ووضع سياسات مرنة واستباقية تعزز من قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التحديات. ويعد سجل المخاطر الوطنية أداة استراتيجية لإدارة المخاطر وحماية الأمن الوطني من خلال رصد وتحليل وتقييم المخاطر المحتملة وتحديد خطط الاستجابة الفعالة التي تضمن الجاهزية الاقتصادية والاجتماعية والاستدامة المالية وبما يسهم في التحرك الاستباقي بدلا من الاستجابة المتأخرة، وتحويل المخاطر إلى فرص لتحسين الأداء وبناء اقتصاد مرن ومستدام, وانسجاما مع التوجه الوطني نحو تعزيز الجاهزية لمواجهة المخاطر المحتملة؛ تستجيب الخطة للتحديات المتوقعة من خلال الاسترشاد بالدروس المستخلصة من تجربة إعداد وتنفيذ الخطة السابقة، إلى جانب الاعتماد على نهج استباقي مبني على إدارة المخاطر وتحليل السيناريوهات واستشراف المستقبل. وقد تم إدراج برنامج "إدارة المخاطر الاقتصادية" كأحد البرامج الاستراتيجية للخطة, ويعتمد هذا البرنامج نهجا استباقيا لتعزيز التنبؤ بالتحديات الاقتصادية والبيئية والتقنية والاجتماعية، والتعامل معها بفعالية على المدى القصير والمتوسط والطويل. ويهدف البرنامج إلى بناء منظومة وطنية متكاملة لإدارة المخاطر الاقتصادية تتضمن تطوير قدرات التنبؤ وإعداد الخطط والسيناريوهات وبناء أنظمة إنذار مبكر إلى جانب رفع كفاءة الكوادر وتعزيز الجاهزية المؤسسية. كما تضمنت الخطة عددا من البرامج الاستراتيجية التي تركز على التعامل مع المخاطر المحتملة وبما ينسجم مع التوجهات الحكومية نحو ترسيخ منهجية شمولية لإدارة المخاطر على المستوى الوطني، وذلك لضمان تعزيز الاستقرار المالي والاقتصادي، واستدامة النمو.

ويشار إلى أن سجل المخاطر الوطنية في سلطنة عُمان هو أداة استراتيجية في منظومة إدارة المخاطر الوطنية، ويهدف إلى توفير بيانات ورؤى لمتخذي القرار عن المخاطر المحتملة وتعزيز التكامل الوطني بين الجهات ذات العلاقة وتحديد الفجوات لبناء القدرات وتحسين منظومة الجاهزية لمواجهة المخاطر التي تؤثر على الخطط الوطنية في مختلف المجالات وخاصة الاقتصادية والاجتماعية وتحديد الأولويات الوطنية وترسيخ ثقافة إدارة المخاطر على المستويات الوطنيّة والمؤسسية والفردية وزيادة اهتمام المستثمرين بمقاييس المرونة وانتعاش جذب الاستثمار الأجنبي, وحماية سلامة وأمن الإنسان, واستمرارية الخدمات الأساسية واستمرار تقديمها بالشكل والجودة المطلوبة, ويعد السجل منظومة وطنية مبنية على أسس علمية تختص باستشراف المخاطر المحتمل حدوثها ومن ثم يتم تحليلها كأساس لترتيب الأولويات، ووضع الاستراتيجيات الوطنية ليتم إدارة تلك المخاطر بفاعلية للتخفيف أو الحد من آثارها وحسن الاستجابة لكل خطر، مع تحديد الجهات المسؤولة وآليات التنسيق حيث يتم تضمين تلك الاستراتيجيات ضمن الخطط التنموية. ويعزز السجل الثقة وسمعة سلطنة عُمان في مختلف توجهاتها المستقبلية نظرًا لمنهجه الذي يقدم صورة واضحة في التنبؤ، والتقييم والعوامل التي تزيد أو تخفف من المخاطر والرصد والإنذار المبكر مما يسهل إدارتها والتخفيف من آثارها وإيجاد واستخلاص فرص من بعضها.