هل يقـوض «مجلس السلام» مكانة الأمم المتحدة؟
23 فبراير 2026
ترجمة: بدر بن خميس الظفري
23 فبراير 2026
عقد مجلس السلام، وهو كيان أنشأه الرئيس دونالد ترامب، الخميس الماضي، اجتماعه الرسمي الأول في واشنطن العاصمة، في معهد دونالد جيه ترامب للسلام الذي أعيدت تسميته مؤخرًا. وخلال الفعالية بدأت المجاملات، إذ اقترح قاسم جومارت توكاييف، رئيس كازاخستان، أن يمنح المجلسُ «جائزةً خاصة للرئيس ترامب»، تقديرًا لجهوده المتميزة وإنجازاته في صنع السلام.
ومع أن الاقتراح بدا مُبالغًا فيه، ويدل على التملق والتزلف، إلا أنّ أحدًا لم يعترض عليه أو يبدِ أيّ استياءٍ منه. لم يكن توكاييف وحده في هذا الأمر، فهناك العديد من الشخصيات الأجنبية البارزة والمسؤولين الأمريكيين الذين أشادوا بترامب في الفعالية. كان من بين الحضور أيضا جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، الذي منح ترامب في ديسمبر جائزة الفيفا للسلام المستحدثة، خلال حفل أقيم في مركز كينيدي القريب، والذي أعاد ترامب تسميته باسمه أيضا.
لا تزال الأمور غامضة وغير واضحة بشأن مجلس السلام. فقد أسفر اجتماع يوم الخميس عن تعهدات ظاهرة بتقديم نحو سبعة مليارات دولار من تسع دول لإعادة إعمار غزة، بينما أشار ترامب إلى أن الولايات المتحدة ستجمع، بشكل منفصل، عشرة مليارات دولار من تلقاء نفسها للمجلس، على الرغم من عدم وضوح مصدر هذه الأموال وما إذا كان سيجيزها الكونجرس.
كما قُدّمت عروضٌ لإرسال آلاف العسكريين من دول من بينها إندونيسيا والمغرب لتشكيل «قوة استقرار دولية» لحفظ الأمن في القطاع.
ومع ذلك، لا تزال التفاصيل شحيحة حول أماكن نشر هذه القوة وكيفية تتبع جميع الأموال المخصصة لها وإنفاقها. عُرِضَ فيديو خلال الاجتماع يوضح صورًا مُولّدة بالذكاء الاصطناعي لناطحات سحاب ومنتجعات شاطئية فاخرة في غزة، مُقدّمًا رؤية مُتفائلة لتحويل القطاع إلى «بوابة إبراهيمية»، ومركزًا لشبكات تجارية تمتد عبر أوروبا والهند، وتربط أجزاء الشرق الأوسط.
لم يُسلّط الضوء كثيرًا على الواقع المرير في غزة، حيث ترفض حماس نزع سلاحها بالكامل، وتمنع إسرائيل وصول المنظمات الإنسانية، في الوقت الذي يعيش فيه المدنيون حالة من الترقب والقلق، فضلًا عن المسائل السياسية العالقة حول الصراع، بما في ذلك تضاؤل فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة. وكان الحديث عن ضرورة حل الدولتين نادرًا بين المسؤولين في اجتماع مجلس السلام.
في نوفمبر، أصدر مجلس الأمن قرارًا مدعومًا من الولايات المتحدة يُجيز إنشاء قوة دولية، وبارك تفويض مجلس السلام المعلن بالمساعدة في إعادة إعمار غزة. لكن عندما صدر ميثاق المجلس، لم يتضمن أي إشارة إلى غزة. وبدلًا من ذلك، يرى المحللون والدبلوماسيون مشروعًا أكثر طموحًا قيد التنفيذ، وهو أن ترامب يسعى إلى إنشاء كيان يسيطر عليه وحده، ويستطيع أن يحل محل عمل مجلس الأمن، أو كما ينص ميثاق المجلس نفسه: «الخروج عن المناهج والمؤسسات التي فشلت مرارًا وتكرارًا».
هذا هو «النظام العالمي الذي يُفضّله ترامب»، كما صرّح لي فيل غوردون، المنسق السابق لشؤون الشرق الأوسط في البيت الأبيض خلال إدارة أوباما، والمستشار السابق للأمن القومي لنائبة الرئيس كامالا هاريس. وأضاف: «إنه ليس نظامًا متعدد الأطراف حقيقيًّا يُتاح فيه للآخرين إبداء رأيهم، أو تُقيّد فيه الولايات المتحدة»، بل نظام «تكون فيه الولايات المتحدة، وترامب شخصيًّا، في قلب كل شيء».
يوم الخميس، أوضح ترامب طموحاته الأوسع، مُشيرًا إلى أن مجلس السلام يُمكنه «المضي قدمًا» لمعالجة «بؤر التوتر» الأخرى حول العالم. وقال إن الأمم المتحدة المُتعثرة ستُعاد «إلى عافيتها». كان هذا تصريحًا مُثيرًا للدهشة، نظرًا لعداء ترامب تجاه الأمم المتحدة؛ ففي غضون عام واحد، انسحبت إدارته من عشرات الوكالات التابعة للأمم المتحدة أو المرتبطة بها، ولا تزال الولايات المتحدة مَدينةً للأمم المتحدة، التي تُعاني من ضائقة مالية، بما يُقارب أربعة مليارات دولار من المستحقات المتأخرة. ويُعد هذا العجز أحد أسباب موجة التقشف القاسية التي تجتاح منظومة الأمم المتحدة حاليًّا.
ومع ذلك، تُشكل الأمم المتحدة مرجعًا واضحًا لمجلس السلام. شعار مجلس السلام الرخيص هو نسخة مقلدة بالكاد تُخفي شعار الأمم المتحدة، حيث تحوّل إكليل الزيتون الكئيب للسلام إلى رسم مزخرف بالذهب، وصُغّر شعار الأمم المتحدة الذي يصور خريطة العالم ليُصبح ما يشبه دائرة النفوذ التي تخيلها أنصار ترامب، مُظهرًا أمريكا الشمالية، والجزء الشمالي من أمريكا اللاتينية، وجرينلاند. وباستثناء الولايات المتحدة، فإن السلفادور، العضو المؤسس الوحيد الآخر في المجلس، هي الدولة الوحيدة التي يظهر شعارها ضمن الأراضي التي يغطيها الشعار. أما غزة، التي أُنشئ المجلس من أجل إدارتها وإعادة إعمارها، فهي غائبة تمامًا عن الأنظار.
أُطلِقَ مجلس السلام بشكل تجريبي في يناير في دافوس بسويسرا، عندما تنازل منظمو المنتدى الاقتصادي العالمي عن منصتهم للبيت الأبيض لإقامة حفل افتتاح باذخ.
جلس ترامب في وسط المنصة بينما تناوب وزير الخارجية ماركو روبيو، والمتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، وصهره جاريد كوشنر على الإشادة بالرئيس لإسهاماته في السلام العالمي، كما فعل الحضور مجددًا يوم الخميس. ثم انضم إليه نحو عشرين من قادة العالم وشخصيات وزارية رفيعة المستوى، ووقفوا حوله أثناء توقيعه على الميثاق التأسيسي للمجلس، الذي يكفل لترامب، بصفته الشخصية -وليس فقط بصفته رئيس الولايات المتحدة- رئاسة المجلس إلى الأبد.
تضم عضوية مجلس الإدارة الحالية مزيجًا متنوعًا. فهي تشمل دولًا بارزة لها استثمارات في تحقيق الاستقرار في غزة، مثل تركيا ومصر والأردن ودول الخليج. كما استقطب البيت الأبيض حكومات متورطة في مبادرات سلام أخرى يقالُ إنّ ترامب يقودها، مثل مبادرات أرمينيا وأذربيجان وباكستان وكوسوفو.
وقد ترى حكومات دول مشاركة، مثل فيتنام وكمبوديا وكازاخستان وإندونيسيا، في العضوية وسيلةً سهلة لتعزيز نفوذها الجيوسياسي. ثم هناك حلفاء ترامب الذين لا يبدو أن لهم مصلحة شخصية واضحة سوى رغبتهم في إرضاء الرئيس، مثل رئيس الأرجنتين، خافيير ميلي، وهو ليبرالي متشدد، ورئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، وهو أبرز قومي غير ليبرالي في أوروبا.
وجّه ترامب دعواتٍ إلى عشرات الدول للانضمام إلى مجلس السلام، لكنّ معظمها قوبل بالرفض أو النفور من قِبل حلفاء الولايات المتحدة التقليديين. وازدادت الشكوك الأوروبية بعد أن سعى ترامب إلى انضمام روسيا وبيلاروسيا إلى المشروع. ولم تُعلن روسيا قرارها بعد، بينما وافقت بيلاروسيا، على الرغم من أن مسؤولين بيلاروسيين صرّحوا بأنهم لم يتلقوا تأشيرات من الولايات المتحدة لحضور الاجتماع يوم الخميس. وفي يناير، وجّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا نداءً مشتركًا للدفاع عن الأمم المتحدة وتعزيزها في مواجهة مشروع ترامب. وقدّم البابا ليو الرابع عشر نداءً مماثلًا للأمم المتحدة برفضه دعوة ترامب.
أثناء اجتماع يوم الخميس، بدا مسؤول أوروبي حاضرًا في القاعة مستغربًا من سلسلة القادة الذين أعربوا عن إعجابهم بترامب، لا سيما بعد أن سخر الكثيرون من عدد من كبار السياسيين الأوروبيين لمحاولاتهم استمالة الرئيس الأمريكي خلال العام الماضي. قال لي المسؤول: «لا يمكن إلقاء اللوم على الأوروبيين وحدهم لمداهنتهم لمن تعرفه، فنحن لسنا الأسوأ».
تستمر عضوية مجلس الإدارة ثلاث سنوات، تنتهي بالتزامن مع انتهاء ولاية ترامب. يمكن للحكومة أن تدفع مليار دولار مقابل مقعد دائم، لكن من غير الواضح لمعظم الدبلوماسيين ما إذا كانت هذه التجربة ستستمر أو ستكون ذات أهمية بعد انتهاء ولاية ترامب. قلل رئيسان تحدثت إليهما عقب حفل دافوس من أهمية أي توقعات بإسهامات أو التزامات مالية. أما رئيسة كوسوفو، فيوسا عثماني، فقد وصفت مشاركة بلادها الصغيرة بأنها عمل تاريخي، وشكرت واشنطن على دورها القيادي في نضال كوسوفو من أجل الاستقلال عن صربيا. قالت لي: «لقد كانت يد العون من الولايات المتحدة الأمريكية هي التي أنقذتنا. والآن، بعد ستة وعشرين عامًا، نرد الجميل ونسهم في تعزيز السلام».
وأخبرني الرئيس الأرميني، فاهان خاتشاتوريان، أنه يأمل أن يُسهم المجلس في «تعزيز الثقة» في منظومة الأمم المتحدة من خلال دعم جهود صنع السلام. وأعرب عن أسفه لأن «مبادئ التعايش تُنتهك في كثير من الأحيان، والأمم المتحدة لا تستطيع منع هذه الانتهاكات»، مشيرًا إلى المشكلة المزمنة لمجلس الأمن عرقلة قرارات مهمة لمعالجة نزاعات مثل الحرب الروسية في أوكرانيا أو الحرب الإسرائيلية في غزة، بسبب بحق النقض (الفيتو)، الذي تتمتع به دول خمس.
لكن ترامب ومساعديه نادرًا ما يتحدثون عن المبادئ، ويبدو أنهم أكثر اهتمامًا بإنشاء ساحة لا يُعتد فيها إلا بحق النقض الأمريكي. كان من الممكن سماع العداء الأيديولوجي بينهما خلال مؤتمر أمني مهم عُقد في ميونيخ نهاية الأسبوع الماضي. فقد سخّر إلبريدج كولبي، وكيل وزارة الدفاع الأمريكية لشؤون السياسة، من «الشعارات والعبارات الرنانة» التي تُشكل الحديث عن القيم المشتركة والثناء على النظام القائم على القوانين. وانتقد روبيو الأمم المتحدة بشدة، قائلًا: «في أكثر القضايا إلحاحًا التي تواجهنا، لم تقدم الأمم المتحدة حلولا، ولم تقم بأي دور يُذكر».
وقال ثانت مينت-يو، المؤرخ البورمي البريطاني، الذي كان جده يو ثانت ثالث أمين عام للأمم المتحدة، إنه «على الرغم من كل إخفاقات الأمم المتحدة»، فإنها «كانت جزءًا أساسيًّا من ثمانين عامًا من السلام والازدهار غير المسبوقين في تاريخ البشرية». وحذر من أنه إذا اكتسب مجلس السلام زخمًا، فقد «يمهد الطريق لانهيار أوسع نطاقًا لهيكل الأمم المتحدة برمته الذي شهدناه منذ عام 1945».
هناك أسباب وجيهة للاعتقاد بأن مجلس السلام قد لا يكون أكثر من مجرد مشروع غرور لترامب، يتألف من أجزاء متنافرة وأهداف غامضة ستتلاشى وسط دراما رئاسته المتواصلة.
ولكن، في ظل قيام الولايات المتحدة بدور المُفسد في نظام دولي كانت فيه ركيزة أساسية، لا تبدو أي قوة عالمية أخرى حريصة على تعويض هذا النقص. يقول ثانت مينت-يو: «في الوقت الذي تتحدى فيه واشنطن مبادئ الأمم المتحدة، سواء من خلال مجلس السلام أو من خلال خفض المساعدات والتمويل وغير ذلك، لا تقول أي دولة أخرى: إما أن نعوض ماليًّا عن المساهمات الأمريكية المفقودة، أو أننا سنستثمر سياسيًّا بشكل جدي في تجديد الأمم المتحدة وتعزيزها».
بمجرد أن يراهن البيت الأبيض بكل هذا على نجاح مجلس السلام قد يكون للمجلس مستقبلٌ واعد، إذ صرّح ترامب لنظرائه يوم الخميس بأنه قد يكون «أهم يوم في مسيرتنا المهنية». وقال فيل جوردون، مستشار الأمن القومي السابق لهاريس: «على الرغم من غرابة الأمر، إلا أنه الخيار الوحيد المتاح».
لا يبشر هذا بالخير للأمم المتحدة، ولا لغزة، إذ لا يزال دور مجلس السلام غامضًا. فشخصياتٌ مثل رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير تشغل مناصبَ رئيسيةً في المجلس، لكن لا يوجد أي مسؤول فلسطيني في أعلى مستويات هيكله التنظيمي، وهو ما دفع بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس اللاتيني، إلى وصف المشروع برمته بأنه «عملية استعمارية».
وقد شُكّلت لجنةٌ تكنوقراطية فلسطينية معتمدة من الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن رئيسها، علي شعث، هُمّش بشكلٍ واضح خلال اجتماع الخميس، ويبدو أنه كان يعمل حتى الآن من القاهرة.
في غضون ذلك، قُسّمت غزة إلى منطقة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية وأخرى لا تزال حماس تسيطر عليها؛ ويعيش معظم سكان غزة في المنطقة الأخيرة، التي تتعرض باستمرار لغارات إسرائيلية دورية تستهدف مواقع يُزعم أنها تابعة لحماس.
وقد لقي مئات الفلسطينيين حتفهم منذ إبرام اتفاق وقف إطلاق النار الرسمي في أكتوبر.
يوم الخميس، أصرّ مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون على أن نزع سلاح حماس بالكامل شرط أساسي لإحراز أي تقدم إضافي. إلا أن الحركة المسلحة ترفض الاستسلام التام والتخلي عن مهمتها «المقاومة» في ظل بقاء القوات الإسرائيلية في غزة، وفي ظل اكتساب الفصائل المسلحة المنافسة، التي يدعم بعضها إسرائيل، مزيدًا من النفوذ في قطاع يزخر بالأسلحة الخفيفة. وقال مايكل حنا، خبير شؤون الشرق الأوسط ومدير برنامج الولايات المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية: «لم تُبذل جهود دبلوماسية عملية لمحاولة إيجاد حل لهذه القضية».
قال دانيال شابيرو، السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل والباحث البارز في المجلس الأطلسي، بأن الإسرائيليين، من جانبهم، يتوقعون على الأرجح فشل مجلس السلام، لا سيما وأنهم «يشككون بشدة في قدرة أي جهة أخرى على نزع سلاح حماس، باستثنائهم» - وهو أمر «يتطلب عملية عسكرية ضخمة ومدمرة للغاية». وقد يؤثر احتمال تصاعد العنف على تفكير المانحين العرب الأثرياء الذين حشدهم ترامب لتمويل جهود مجلس السلام، والذين قد يتراجعون عن دعمهم في نهاية المطاف.
وقال شابيرو: «ما لم تُنزع سلاح حماس، فمن المرجح أن نشهد جولة أخرى من هذا الصراع، ولن يدفع معظم المانحين لإعادة إعمار غزة لمجرد تدميرها مرة أخرى».
يمكن لإسرائيل أن تتعايش مع الوضع الراهن، لكن الفلسطينيين في غزة لا يستطيعون ذلك. وأخبرني حنا أنه إذا استمر الوضع «على هذه الحال دون إعادة إعمار، فسيحدث نزوح تدريجي بطيء». وحذر قائلًا: «في مواجهة واقع مرير حيث سُوّي المجتمع الغزي بالأرض، سيختار الناس في نهاية المطاف النزوح».
