هل تعزز شعبية ترامب بين الإسرائيليين فرص السلام؟
04 مارس 2026
نمرود روسلر - ألون يعقتر - ترجمة: نهى مصطفى
04 مارس 2026
عندما زار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إسرائيل في أكتوبر 2025، استقبله الإسرائيليون وقادتهم السياسيون بوصفه منقذًا، عقب وساطته في التوصل إلى اتفاق أنهى الحرب في غزة. وخلال إلقائه خطابًا أمام الكنيست، بثّت قنوات التلفزيون في أنحاء البلاد مشاهد الترحيب الحار من أعضاء البرلمان، إلى جانب لقطات مؤثرة لتحرير الرهائن الإسرائيليين الذين ما زالوا على قيد الحياة.
قدرة ترامب على كسر الجمود الذي طبع السياسة الإسرائيلية لعقود تنبع من مكانته الرفيعة بين الإسرائيليين اليهود. بإجبار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على قبول خارطة طريق سلام كاملة من 20 خطوة لم يضعها هو بنفسه، نجح ترامب في حشد الرأي العام الإسرائيلي، متجاوزًا الانقسامات الحزبية، لصالح التفاوض مع الفلسطينيين.
نحن (الكاتبان) نتولى إدارة «مؤشر السلام»، وهو استطلاع رأي يجرى بانتظام منذ عام 1994 لقياس مواقف الإسرائيليين من الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني وإمكانات حله.
في نوفمبر الماضي، أجرينا استطلاعًا حول خطة ترامب، وتبين أن الإسرائيليين اليهود، ولا سيما المنتمين إلى اليمين والوسط، أظهروا استعدادًا أكبر للنظر في مفاوضات السلام عندما علموا أن هذه المفاوضات تحظى بدعم ترامب. تبدو تداعيات «تأثير ترامب» واسعة النطاق.
خالف ترامب بالفعل كل افتراضات الباحثين وصناع السياسات حول الرأي العام الإسرائيلي والأدوار التقليدية للوسطاء الدوليين. والآن، لديه فرصة لتحدي التاريخ بتحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط، ولكن بشرط أن تتمكن واشنطن من تسخير نفوذه لحث الأطراف على تنفيذ الخطة.
فشل الرؤية السياسية الإسرائيلية فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو نتيجة تراكمات تاريخية. فقد أدى الانهيار العنيف لعملية السلام في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وسيطرة حماس على قطاع غزة عام 2007، والحروب المتكررة في غزة، والعرقلة المتعمدة للدبلوماسية من كلا الجانبين، إلى خلق جيل من الإسرائيليين استبطن الصراع مع الفلسطينيين كحالة مزمنة، لا كنزاع قابل للحل. ولا يوجد زعيم إسرائيلي يتحمل مسؤولية هذا الجمود أكثر من نتنياهو. أمضى نتنياهو حياته المهنية محاولًا إدارة الصراع مع الفلسطينيين، بدلًا من حله.
وكشف هجوم 7 أكتوبر 2023 على إسرائيل عن فشل هذه الاستراتيجية؟ وجد الإسرائيليون أنفسهم عرضة للخطر، بلا رؤية لكيفية إنهاء الصراع، وبلا قيادة قادرة على صياغة بديل متماسك للوضع الراهن أو حشد الرأي العام لأي خيار آخر غير الحرب.
أظهر استطلاع الرأي الفلسطيني الإسرائيلي المشترك، الذي أجريناه بالتعاون مع باحثي الرأي خليل الشقاقي وداليا شيندلين في يوليو 2024، عمق الاستسلام السياسي في أعقاب الهجمات: فقط 31% من الإسرائيليين اليهود وافقوا على وجود مخرج دبلوماسي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني عبر اتفاق سياسي، بينما اعتقد 63% أن هناك مخرجًا عسكريًا يتمثل في هزيمة الفلسطينيين بالقوة. وأعرب 90% عن عدم ثقتهم بالفلسطينيين، ورأى أكثر من 70% أن الصراع بطبيعته صراع محصلته صفر. ومع ذلك، فإن الرأي العام الإسرائيلي لا يرضى بالوضع الراهن.
تكشف استطلاعات الرأي باستمرار أن غالبية الإسرائيليين اليهود يعترفون بتكاليف الصراع: ففي أحدث استطلاع لمؤشر السلام الذي أجريناه في نوفمبر 2025، عارض 60% من المستطلَعين استمرار الوضع الراهن، وقال ما يقرب من 80% إن استمرار الصراع مع الفلسطينيين يضر بإسرائيل. وفي الوقت نفسه، لا يتفق الإسرائيليون على بديل. بعد فترة وجيزة من 7 أكتوبر 2023، أظهرت استطلاعات مؤشر السلام أن التأييد الشعبي للتفاوض مع السلطة الفلسطينية انهار إلى مستوى قياسي منخفض بلغ 25%، كما انخفض التأييد لحل الدولتين إلى 20% (في مارس من العام الماضي). لكن الحلول اليمينية لم تحظَ بشعبية أكبر؛ فضم الأراضي الفلسطينية بالقوة أو إعادة توطين اليهود في غزة لا يلقى قبولًا يذكر خارج أوساط اليمين؛ إذ تظهر استطلاعات مؤشر السلام للإسرائيليين اليهود أن التأييد لأي من هاتين السياستين يتراوح بين 30 و40% فقط، ويأتي حصرًا من ناخبي اليمين.
يبدو أن الظروف مواتية لقائد إسرائيلي جريء ليرسم مسارًا مختلفًا للمستقبل. إلا أن التزام نتنياهو الأيديولوجي بسياسة «التسويف»، أو إدارة الصراع بعمل عسكري دوري دون حله، بالإضافة إلى تفاقم وضعه القانوني واعتماده على شركاء ائتلافيين قوميين متطرفين، لا يترك له لا الحيز السياسي ولا الحافز الاستراتيجي لاتباع الدبلوماسية.
وفي الوقت نفسه، تتجنب المعارضة الضعيفة والمتشرذمة هذه القضية خشية الظهور بمظهر المتساهل أمام الناخبين المترددين. لا يزال الإسرائيليون وقادتهم عالقين في دوامة مفرغة من الخوف والإحباط واللامبالاة، عاجزين عن استحضار الإبداع اللازم للخروج منها. يرفض الإسرائيليون بأغلبية ساحقة الوضع الراهن لأنه يبدو غير قابل للاستمرار، ولا يثقون بالتفاوض مع الفلسطينيين لأنه يبدو محفوفًا بالمخاطر، ويعارضون ضم الأراضي الفلسطينية لأنه سيعزل إسرائيل دوليًا، إنهم يدركون خطورة الوضع لكنهم لا يستطيعون الاتفاق على مخرج.
يتطلب هذا الجمود النفسي والسياسي شخصية خارجية لحله، وهنا يأتي دور ترامب. يعتقد الإسرائيليون أنه شجاع، حازم، ملتزم التزامًا مطلقًا بإسرائيل، ويواجه باستمرار منتقدي إسرائيل الليبراليين. فمنذ ولايته الأولى، على سبيل المثال، أثبت ترامب التزامه بإسرائيل من خلال إلغاء القيود الأمريكية طويلة الأمد على تطلعات إسرائيل الإقليمية، بما في ذلك نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان.
هذه الصفات تلقى صدىً عميقًا لدى فئاتٍ عادةً ما ترفض المفاوضات رفضًا قاطعًا. دخل ترامب مفاوضات وقف إطلاق النار بمستوى من الشعبية في المجتمع اليهودي الإسرائيلي لم يسبق له مثيل بين رؤساء الولايات المتحدة في العصر الحديث. ووفقًا لاستطلاع «بيو للصورة العالمية» للولايات المتحدة لعام 2024، أعرب 73% من اليهود الإسرائيليين عن ثقتهم بترامب، وبلغت الآراء الإيجابية ذروتها عند 93% بين من يعرفون أنفسهم بأنهم من اليمين، والذين يشكلون الآن أكثر من 60% من الجمهور اليهودي. في المقابل، أظهرت استطلاعات رأي أجراها معهد الديمقراطية الإسرائيلي عامي 2021 و2016 على التوالي، أن 30% فقط من الإسرائيليين اليهود يعتقدون أن بايدن أولى أمن إسرائيل الأولوية، وأن 25% فقط اعتقدوا أن الرئيس باراك أوباما كان ودودًا تجاه إسرائيل خلال فترة رئاسته. وفي كلتا الحالتين، كان المستجيبون من اليمين معادون بشكل خاص.
سمحت هذه الثقة الكبيرة في ترامب للرئيس بتقديم خطة جاهزة لنتنياهو، تتضمن إنشاء حكومة انتقالية تكنوقراطية في غزة، ونزع سلاح حماس في نهاية المطاف، ونشر قوة استقرار دولية، وإعادة إعمار غزة، ونقل الإدارة المدنية في نهاية المطاف إلى سلطة فلسطينية. وعلى وجه الخصوص، فإن الثقة التي يحظى بها ترامب بين الإسرائيليين اليمينيين - قاعدة نتنياهو الانتخابية - تحد من قدرة رئيس الوزراء على الرفض، كما فعل مع الإدارات الأمريكية السابقة، وتجعل خطة ترامب أكثر قبولًا.
على عكس بايدن أو أوباما، أو أي رئيس أمريكي سابق آخر، لا يعمل ترامب ضمن النماذج التقليدية للوساطة الدولية، التي تفترض أن التغيير الحقيقي يجب أن ينبع في نهاية المطاف من داخل الأطراف المتنازعة نفسها، إما من خلال عمليات اجتماعية تصاعدية أو تحولات تنازلية يقودها قادة ذوو رؤية.
ووفقًا لهذه المناهج السائدة، لا يمكن لأطراف ثالثة أن تكون المحرك الرئيسي للتغيير. ينبغي أن يكونوا ميسرين يهيئون الظروف المواتية أو يساعدون الأطراف على التوصل إلى اتفاق، لكن لا يمكنهم فرض شروط هذا الاتفاق عليهم.
بتقديمه الخطة إلى نتنياهو وإجباره على الموافقة، جعل ترامب من الصعب للغاية على رئيس وزراء محاصر، مرتبط بائتلاف غير قابل للإدارة ، أن ينقلب على زعيم أجنبي يحظى بشعبية بين الإسرائيليين وغير مقيد بقيود السياسة الداخلية.
لا يلتزم ترامب بالنهج التاريخي للوساطة الأمريكية في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني؛ فعلى مدى عقود، اعتمدت واشنطن أسلوب دفع الطرفين إلى مفاوضات مباشرة عبر مزيج من الضغوط المدروسة والحوافز السياسية. وهو المسار الذي قاد بيل كلينتون إلى قمة كامب ديفيد عام 2000، وجورج دبليو بوش إلى قمة أنابوليس عام 2007، كما دفع باراك أوباما إلى تعيين السيناتور جورج ميتشل مبعوثًا خاصًا إلى الشرق الأوسط عام 2009.
وقد نجحت تلك الجهود في جمع القادة الإسرائيليين والفلسطينيين إلى طاولة التفاوض، لكنها نادرًا ما أثرت في الرأي العام الإسرائيلي اليهودي، ولم تتمكن من تعبئة التيارات المتشددة والدينية التي تشكل قاعدة اليمين السياسي في إسرائيل.
ويبدو أن استعداد ترامب لتحدي الأعراف الدبلوماسية قد خلق مسارًا نفسيًا مختصرًا للإسرائيليين الذين لا يثقون عادةً بالمفاوضات.
ويبدو أن الكثيرين ينظرون إلى خطة النقاط العشرين على أنها «خطة ترامب»، وبالتالي كضمانة للأمن والاستقرار وقابلية التنفيذ. هذا يفسر سبب انفتاح الإسرائيليين الذين يرفضون الدبلوماسية بشكل نظري، خاصة بعد 7 أكتوبر، عليها أكثر عندما يذكر اسم ترامب.
في استطلاع مؤشر السلام الأخير الذي أجريناه بعد شهر من إعلان خطة ترامب في أكتوبر 2025، ظل الدعم الإسرائيلي اليهودي الأساسي لمفاوضات السلام مع السلطة الفلسطينية منخفضًا عند 30% .
ولكن عندما عرض على المستطلَعين خيار التنفيذ الكامل لـ «خطة ترامب»، ارتفع الدعم للمفاوضات إلى 45%، ليعود إلى مستويات ما قبل الحرب. أما بين الناخبين الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم من اليمين المعتدل واليمين المتشدد، والذين يُعتبرون منذ فترة طويلة النواة الثابتة للمعارضة الإسرائيلية للمفاوضات، فقد زاد الدعم بنسبة 20 نقطة مئوية و14 نقطة مئوية على التوالي.
يشكل تلاقي اليأس الإسرائيلي والجمود السياسي مع الثقة بترامب فرصة نادرة؛ فالإسرائيليون يريدون تغيير الوضع القائم لكنهم لا يثقون بقيادتهم، بينما يرون في ترامب طرفًا قادرًا على التحرك. لذا يفترض بالإدارة الأمريكية استثمار هذا الواقع عبر تنفيذ خطة متكاملة تفضي إلى تسوية واضحة تعالج القضايا الجوهرية وتوفر ضمانات أمنية، مع انخراط أمريكي وإقليمي مباشر. ومع ذلك، سيظل نجاحها مرهونًا بإقناع القادة الإسرائيليين بجدواها السياسية، في ظل عقبات طالما أعاقت جهود السلام السابقة.
يتطلب كسب دعم اليمين للمراحل اللاحقة من الخطة أن يظهر ترامب تأييدًا واضحًا لإسرائيل ونتنياهو، مع الضغط على الحكومة الإسرائيلية للالتزام بسياسته، في سباق مع الزمن. فأي تراجع في اهتمامه أو انشغال بأولويات أخرى قد يعيد الإسرائيليين إلى دعم الوضع القائم أو تبني خيارات الضم الأحادي، كما أن من غير المرجح أن يحظى أي خليفة له بنفوذ مماثل على إسرائيل.
لا ينبغي لواشنطن إضاعة الوقت. يتعين على ترامب إنجاز أكبر قدر ممكن من الخطوات الدائمة خلال ولايته، بحيث تكون إدارته، بحلول عام 2029، قد أسست هيئة حكم فلسطينية فعالة في غزة، وضمنت أمن القطاع، وأطلقت مسار إعادة الإعمار الاقتصادي. كما يجب تأمين هذه الهيئة من محاولات تقويضها داخليًا، مثل حماس، ومن التدخل الإسرائيلي، مع نشر قوات أمريكية وإقليمية عند الحاجة. ولا تقتصر الجهود على غزة؛ إذ ينبغي استثمار نفوذه للضغط على إسرائيل لوقف الضم المتواصل والعنف في الضفة الغربية.
من المستبعد تنفيذ الخطة ذات البنود العشرين كاملة قبل نهاية ولاية ترامب، كما أن خلفه لن يحظى بالنفوذ نفسه لدى الرأي العام الإسرائيلي اليهودي. غير أن تحقيق تقدم ملموس خلال السنوات الثلاث المقبلة قد يمنح الخطة زخمًا يضمن استمرارها بعد عام 2029. وإذا أحسنت الإدارة استثمار الفرصة، فقد يمتد تأثير ترامب إلى ما بعد خروجه من المنصب. فمع أنه طالما أكد قدرته الفريدة على حل الصراع وإرساء الاستقرار في الشرق الأوسط، ورغم ما يبدو في ذلك من مبالغة، فإن تأثيره على الرأي العام الإسرائيلي يمنحه فرصة استثنائية للوفاء بتعهداته. ويبقى نجاحه مرهونًا بقدرته على توظيف هذا النفوذ توظيفًا بنّاءً.
