هل الإعلان تكلفة أم استثمار؟
04 مارس 2026
04 مارس 2026
أحلامنا في أقسام التسويق مترامية الأفق؛ نحلم بأن نضع علاماتنا التجارية على كل شاشة، أن تسرق أنظار المارة في الشوارع وكأنها عنوان المكان، أن تقتحم غرف المعيشة عبر التلفاز، أن تكون ألحانًا محفوظة تنطلق مع المذياع، ولربما كإشعارات تُبدّد صمت الهواتف. نريد أن تكون حملاتنا قصةً تُروى في أحاديث الأصدقاء، أن نحضر كتوصية صادقة بلسان المستهلك قبل أن يلمس المنتج رفّ المتجر. نحلم بأن نكون جزءًا من الذاكرة لا مجرد رسالة تمرّ بين الفواصل الإعلانية، أو لمحة سريعة يبتلعها ازدحام الشاشات. نراقب كل جديد في تكنولوجيا الإعلان، ونتطلع بغيرة مشروعة: متى يمكننا أن نصل إلى تلك المراحل؟ غير أن ما يُسمّى «بالتكلفة» يقضي على كل ذلك، فنعود أدراجنا نحمل خططًا خالية من أي اعتماد.
ففي كل مرة نحاول إقناع صانع القرار يُختزل النقاش في بند التكلفة. نبذل ما أوتينا من معرفة وخبرة ومهارات إقناع لنبرر أن التسويق ليس تكلفة تستنزف الأموال، بل استثمار تتراكم آثاره بثبات، ولا يمكن قياس نتائجه بربح مالي قريب، وإنما بما يرسخه على المدى البعيد من حضور وثقة وقيمة مستدامة في ذهن المستهلك. وأمام تبرير التكلفة نعود لنتقوقع داخل حدود الإمكانات المتاحة، ونعدّ أنفسنا محظوظين إن حُفظت الميزانية التسويقية على حالها بدل أن تُخفض، ناهيك إن تم إلغاؤها كليًا.
إن السيناريو المذكور أعلاه ليس تجربة فردية على الإطلاق، ولا ظاهرة محصورة في جغرافيا محددة، بل إنه ظاهرة كونية. فتشير نتائج The CMO Survey الصادر عن جامعة ديوك (إصدارات 2022- 2023) إلى أن ما يزيد على نصف مديري التسويق عالميًا يرون أن ضغوط الميزانية تؤثر مباشرة على قدرتهم على تنفيذ الاستراتيجيات. وكشف تقرير Gartner لعام 2023 أن 75% من مديري التسويق أفادوا بأن ميزانياتهم إما ثابتة أو منخفضة رغم تصاعد توقعات النمو فيما انخفض متوسط الإنفاق التسويقي إلى نحو 9% من الإيرادات بعد أن كان يتجاوز 11% في سنوات سابقة. كما أوضح تقرير الاتجاهات العالمية الصادر عن Deloitte لعام 2023 أن أكثر من 60% من القيادات التسويقية تعتبر تبرير الميزانية أمام الإدارة العليا أحد أكبر التحديات المؤسسية.
هذه الأرقام تعني ببساطة أن ما يقارب ستة من كل عشرة مديري تسويق حول العالم يواجهون السؤال ذاته: كيف يمكن أن نقنع مؤسساتنا بأن التسويق ليس تكلفة يجب ضبطها فقط، بل استثمار ينبغي تمكينه؟
ولعل أقوى ما يمكن لمديري التسويق الاستشهاد به هو نتائج التسويق في الأزمات الكبرى. ففي عام 2020 توقّع صندوق النقد الدولي في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي انكماش الاقتصاد العالمي بنحو -3% نتيجة جائحة كورونا، وهو أسوأ تراجع اقتصادي منذ عقود. ومع هذا الانكماش، تراجعت الإيرادات، وتقلبت الأسواق، وتصاعدت الضغوط على السيولة، فكان خفض المصروفات خيارًا سريعًا في كثير من المؤسسات، وغالبًا ما كانت ميزانيات الإعلان من أول البنود التي خضعت للمراجعة. والأمر ذاته تكرر خلال الأزمة المالية العالمية في 2008–2009 حين شهد الاقتصاد العالمي تباطؤًا حادًا وانكماشًا في عام 2009 في أول تراجع للناتج العالمي منذ الحرب العالمية الثانية بحسب بيانات صندوق النقد الدولي. في كلتا الحالتين انسحبت شركات كثيرة من المشهد الإعلاني بينما حافظت أخرى بجرأة على حضورها.
وأما النتائج فقد أنصفت التسويق أخيرًا؛ فبحسب تحليلات بيانات McKinsey & Company أظهرت المؤسسات التي واصلت الاستثمار في علاماتها خلال فترات الركود أنها تعافت بوتيرة أسرع وحققت أداءً أقوى بعد عودة النمو. وهنا ليس استمرار الإنفاق وحده من يصنع الفرق، بل إن الاستراتيجية في الحضور تحمي الموقع التنافسي.
وهنا نعود بالنقاش إلى جوهره: المسألة ليست في حجم الميزانية التي نطالب باعتمادها، بل في زاوية النظر إليها. فإذا كان التسويق يُسجَّل في الدفاتر المحاسبية كمصروف فإنه في الجانب الآخر يبني الثقة، والحضور الذهني، والقدرة على التسعير بأثر تراكمي ثابت.
وعندما تُبنى هذه الثقة فلا تقتصر فائدتها على زيادة المبيعات فقط، بل تمتد إلى حماية الربحية. فالعلامة القوية تمنح قدرة أعلى على التسعير، وتخفف حساسية العملاء للسعر، وتقلل الدخول في سباقات خصومات تستنزف الربحية.
تشير نماذج القياس المهنية المستخدمة عالميًا في قطاع الإعلان إلى أن نسبة كبيرة من أثر الإعلان تتحقق على المدى الطويل عبر تعزيز الوعي والتفضيل، وليس فقط عبر المبيعات اللحظية. كما تُظهر هذه التحليلات أن العائد على الاستثمار الإعلاني غالبًا ما يتراوح بين 1.2 و3 دولارات مقابل كل دولار يُنفق عند إدارته بكفاءة مع تفاوت واضح بحسب القطاع وجودة التنفيذ، وقد يصل في بعض الحالات إلى عدة أضعاف الاستثمار. أي أن الإعلان لا يحقق عائدًا فوريًا فحسب، بل إن جزءًا معتبرًا من هذا العائد يتراكم مع الزمن من خلال بناء الوعي، وتعزيز التفضيل، وترسيخ الحضور الذهني للعلامة التجارية بما ينعكس لاحقًا في صورة طلب مستدام وقدرة أعلى على التسعير.
وعندما ننظر إلى العلامات التجارية الأعلى قيمة في العالم نجد نمطًا واضحًا. فتصنيفات إنتر براند (Interbrand) تضع شركات مثل Apple و Amazon و Microsoft في صدارة العلامات الأعلى قيمة عالميًا، وهي في الوقت ذاته من بين الأعلى إنفاقًا على التسويق سنويًا وفق بيانات ستاتيستا ( Statista) وتقاريرها المالية. ولا يمكن اختزال العلاقة بين القيمة السوقية للعلامات التجارية وحجم الإنفاق على الإعلان في مجرد مصادفة محضة؛ فالاستثمار المنضبط في بناء العلامة يرتبط بقدرة أعلى على التسعير، ويحافظ على الربحية، وينعكس في النهاية على القيمة السوقية.
في المقابل قد يُحسّن خفض الإعلان رقمًا في تقرير هذا العام، لكنه قد يضع عوائد الأعوام التالية في وضع حرج؛ لأن تراجع الحصة الذهنية يتوافق بجدارة مع تراجع الحصة السوقية، ومع ضعف القدرة على التسعير تتحول المنافسة إلى حرب أسعار تستنزف القيمة.
القرار في النهاية يعكس رؤيةً استراتيجية، لا مجرد تكتيك لتقليل التكاليف. هل يُنظر إلى الإعلان كرقمٍ مجرّد يجب تقليصه، أم كأداة لبناء قيمة وطلبٍ مستقبليٍ مستدام؟ ويعيد السؤال صياغة نفسه بواقعيةٍ أقرب على طاولة صانع القرار: ما تكلفة أن نغيب عن أذهان العملاء؟
فاطمة الكلباني باحثة في التسويق
