ملفات إبستين .. صدمة رو خانا وحصانة النخبة
16 فبراير 2026
16 فبراير 2026
كانت المسيرة البرلمانية لرو خانا محاولة متواصلة للتوفيق بين ما قد يراه آخرون غير قابل للتوفيق؛ فهو يمثل شريحة من وادي السيليكون تضم مقري شركتي «إنفيديا» و«إنتل». وفاز بمقعده عام 2016 بدعم من كبار رموز التقنية مثل سوندار بيتشاي وإريك شميدت ومارك أندريسن. وهو نفسه أحد أغنى أعضاء مجلس النواب.
لكنه، في الوقت ذاته، ركيزة في «تكتل النواب التقدميين» في المجلس، وقد كان الرئيس المشارك لحملة بيرني ساندرز الرئاسية عام 2020، ويدعم مقترح ضريبة على الثروة في كاليفورنيا.
بالنسبة إلى خانا، لم تكن هناك مفارقة هنا، بل كيان سياسي واحد يحتاج إلى تذكيره بمصالحه المشتركة. قال لي في عام 2019: «علينا أن نضمن أن لكل أمريكي نصيبا في نجاح وادي السيليكون، وألا يتحول وادي السيليكون إلى جزيرة قائمة بذاتها». وأضاف: «وإلا فسنرى تمردا ضد بعض القوى التي أعتقد أنها مفيدة للمجتمع». والآن قد يكون خانا قد بلغ نهاية ما يمكن التوفيق بينه.
في يوليو الماضي، قدّم خانا، إلى جانب النائب توماس ماسي، الجمهوري من كنتاكي، «قانون شفافية ملفات إبستين». ثم انضم إليه لاحقا عدد من الوجوه البارزة في معسكر «ماغا» مثل لورين بويربرت ومارجوري تايلور غرين ونانسي ميس. ومعا تحدّوا الرئيس ترامب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون، واستخدموا «عريضة تفريغ» لفرض طرح المشروع على جدول أعمال المجلس، حيث أُقرّ بأغلبية كاسحة.
ومع نشر ملايين الملفات الآن، يبدو خانا مضطربًا مما تعلّمه ـ ومما لم يتعلّمه. فقد أُفرج عن نحو 3.5 مليون صفحة من رسائل البريد الإلكتروني والرسائل النصية وسجلات المحاكم، لكن الحكومة أعلنت أن مجموع الصفحات الموجودة يتجاوز ستة ملايين. وما اطّلع عليه الجمهور خضع أولا لمراجعة وحذف أجزاء منه على يد محامين من وزارة العدل التابعة لبام بوندي. أما تود بلانش، نائب المدعي العام المشرف على العملية، فقد كان سابقا أحد المحامين الشخصيين لترامب. قال لي خانا يوم الثلاثاء: «لا نزال لا نملك الشيء الأشد حساسية، وهو إفادات الناجين للـ F.B .I. بشأن من اعتدى عليهم جنسيا ومن ارتكب هذه الأفعال».
والنتيجة أننا نعرف الآن عن شبكة إبستين أكثر بكثير مما كنا نعرفه من قبل، لكننا لا نعرف الكثير أكثر عن الجرائم التي ارتكبها ـ أو عن الأشخاص الذين قد يكون ارتكبها معهم.
تقول وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي إن إبستين «أضرّ بأكثر من ألف ضحية». هل فعل ذلك حقا وحده، وبمساعدة جيسلين ماكسويل فقط؟ كثير مما نريد معرفته لم يكن ليُكتب في رسائل إلكترونية على يد إبستين أو أصدقائه. كتب إبستين إلى ستيف تيش، الملياردير المشارك في ملكية فريق «نيويورك جاينتس»: «أرسل لي رقما لأتصل به. لا أحب أن تكون لهذه المحادثات سجلات». (ويقول تيش: إن النساء اللواتي ناقشهن مع إبستين كنّ جميعا بالغات). هناك إحالات متكررة، حتى في الوثائق التي اطّلعنا عليها، إلى أسرار وتجارب لا يمكن مشاركتها، وأجدني أفكر باستمرار في رسالة عيد الميلاد الخمسين إلى إبستين، التي يبدو أنها موقعة باسم ترامب: «ليكن كل يوم سرا رائعا جديدا». ما هي تلك الأسرار تحديدا؟ (ترامب ينفي أنه كتب الرسالة).
لكن ثمة كثيرا مما تكشفه ملفات إبستين. فقد تجاوزت شبكة إبستين التصنيفات التي اعتدنا استخدامها لتقسيم الحياة الأمريكية. كان على علاقة ودّية مع نعوم تشومسكي وبيتر ثيل؛ ومع ستيف بانون وكاثرين روملر، المستشارة القانونية للبيت الأبيض في عهد باراك أوباما؛ ومع ديباك تشوبرا وهوارد لَتنِك. ليست هذه شبكة محكومة بالسياسة أو بالصناعة أو بالمكان.
لطالما حيّرني كيف تمكّن إبستين من إبقاء هذا العدد من الأنماط البشرية المختلفة قريبا منه، وكيف استطاع فعل ذلك حتى بعد أن صار مصدر خطر على من حوله. ومن هذه الزاوية، تُسهم الملفات في إيضاح الصورة.
يظهر إبستين وسيطا في المال، وفي ترتيب اللقاءات والتعارف، وفي تبادل المعلومات ـ وفي البشر أيضا. كان يمتلك موهبة التقاط ما يريده مراسلوه أكثر من أي شيء. الأغنياء يريدون أن يؤخذوا على محمل الجد، والأقل ثراء يريدون مظاهر الثراء، وكثير من الرجال أرادوا الجنس، والجميع أرادوا العلاقات.
قراءة هذه الملفات تعني مشاهدة إبستين وهو يضبط عروضه على رغبات مراسليه لحظة بلحظة. في سبتمبر 2013، يكتب إلى إيلون ماسك قائلا: إن «افتتاح الجمعية العامة يضم كثيرا من الأشخاص المثيرين للاهتمام الذين سيأتون إلى المنزل». ماسك لا يبدي اهتماما. يرد: «السفر إلى نيويورك لرؤية دبلوماسيي الأمم المتحدة لا يفعلون شيئا سيكون استخداما غير حكيم للوقت». يغيّر إبستين مساره فورا: «هل تظنني متخلفا؟» يرد بحدة. «لا أحد فوق 25، والجميع لطيفات جدا». (ويبدو أن ماسك تجاهل دعوة إبستين).
ما كان إبستين يقدمه دائما، في كل اتجاه، هو صلات تربطك ببقية شبكته. وتبدو مراسلات بريد إلكتروني عام 2014 مع روملر فاضحة على نحو خاص. تكتب: «معظم الفتيات لا يضطررن إلى القلق بشأن هذا الهراء»، في حديث يبدو أنها توازن فيه بين قبول ترشيحها لمنصب المدعية العامة من عدمه. ثم تأتي ملاحظة تبدو وكأنها تمزج بين مزاح إبستين بشأن معرفتهما المشتركة بانتهاكاته ـ إذ كان آنذاك مُدانا بجرائم جنسية ـ وبين تلويح بقائمة مبهرة من جهات الاتصال.
«فتيات؟» يرد إبستين. «انتبه، وإلا سأعود إلى عادة قديمة. هذا الأسبوع: ثيل، سمرز، بيل بيرنز، غوردون براون، ياغلاند (مجلس أوروبا ورئيس لجنة نوبل). رئيس منغوليا، هارديب بوري (الهند)، بوريس (غيتس). جابر (...). سلطان (...)، كوسلين (هارفارد)، ليون بلاك، وودي. أنتِ ضيفة مرحّب بك في أيٍّ منهم». (وجاء رد روملر الجاف: «لا يبدو أنك تضع جدولك وفق أولويات فعّالة جدًا»).
كان إبستين يلقي بالعروض باستمرار. هل يرغب بيتر ثيل في عشاء مع نعوم تشومسكي؟ هل يريد ستيف بانون لقاء سيباستيان كورتس، الذي كان آنذاك مستشار النمسا؟ هل تود أريان دو روتشيلد عشاء مع بيل غيتس؟ هل يرغب لاري سمرز في عشاء مع إيهود باراك؟ هل يود ستيف تيش التعرف إلى امرأة سأحجب اسمها، لكن إبستين يصفها بأنها «تاهيتية، تتحدث الفرنسية في الغالب، «إكزوتيكية»!
كان لدى إبستين مال ـ كثير منه جاء عبر الاحتيال على آخرين ـ لكن العلاقات كانت عملته الأكثر شمولا، واتساعها كان يغذّي نفسه بنفسه. كثيرون رأوا إبستين على حقيقته وابتعدوا عنه؛ لكن آخرين اعتبروا قربه من الأثرياء وأصحاب النفوذ دليلا على أن ما فعله ـ أيًّا كان ـ لا يمكن أن يكون سيئا إلى هذا الحد. ففي النهاية، انظر مع من كان يتعشى! الشبكة جعلت إبستين في آن واحد «شرعيًا» و«ذا قيمة». وقد مكّنته من إساءاته، ومنحته لبعض الوقت حصانة من تبعاتها.
يقدّم تحقيق «نيويورك تايمز» في علاقة إبستين ببنك «جي بي مورغان تشيس» صورة شديدة الوضوح لكيفية استخدامه شبكته لحماية نفسه من العواقب المحتملة. فقد أثارت أنماط سحبه للأموال وتحويلاته شكوكا داخلية في البنك بشأن الاتجار بالجنس. وبدا أن إدانته بتهمة استدراج قاصر تؤكد تلك المخاوف. لكن إبستين أثبت أنه ذو قيمة كبيرة لـ«جي بي مورغان» ـ إذ ربط البنك بسلطان أحمد بن سليم وسيرغي برين، وساعده على إيجاد طريقه إلى أعمال صناديق التحوط ـ إلى درجة أن المؤسسة تجاوزت شكوكها وأبقت عليه عميلا لسنوات. وفي النهاية قطع البنك علاقته به، لكن حتى اللحظة الأخيرة كان حلفاؤه داخل البنك يجادلون بأنه «لا يزال، على نحو واضح، محل احترام وثقة لدى بعض أغنى الناس في العالم». كيف يمكن أن يكونوا مخطئين؟
قال لي أناند غيريدهاراداس، مؤلف كتاب «الرابحون يحصدون كل شيء: خدعة النخبة في تغيير العالم»: «هؤلاء المليارديرات، وهذه النخب الفائقة، وهؤلاء المحامون الفائقون يعملون ضمن نظام مختلف تماما». وأضاف: «نظامهم يتعلّق بمدى امتلائك بالصلات داخل هذه الشبكة، وبمدى ارتفاع «سهمك» في هذا الوسط في يوم بعينه. ما اكتشفه إبستين هو كيف يلعب بهذه القواعد. اكتشف هشاشة هذه الشبكة كلها: أن هؤلاء الناس، في الحقيقة، ليسوا جادين كثيرا بشأن الخُلُق. بل إن الخُلُق قد يكون عبئًا على بعضهم، وقد يكون مصدر احتكاك غير ضروري».
بدأ خانا يتحدث عن «طبقة إبستين»، وهو المصطلح الذي يستخدمه للدلالة على «الأغنياء وأصحاب السلطة الذين يتصرفون ويفكرون كما لو أنهم فوق القانون، وربما فوق الأخلاق أيضا». في البداية، وجدتُ نفسي أتعثر قليلا أمام هذا النحت اللغوي لدى خانا. فما يجعل إبستين بغيضًا على نحو خاص هو اعتداؤه على الأطفال، وكمْ كان عدد الذين في شبكته يعرفون حقا هذا الوجه من حياته؟
لكن كلما قرأتُ الملفات أكثر، صار إنكار التضامن الطبقي الظاهر فيها أصعب. ميول إبستين لم تكن سرا. قال ترامب لمجلة «نيويورك» عام 2002: «يُقال إنه يحب النساء الجميلات بقدر ما أحب أنا، وكثيرات منهن أصغر سنًا». وقد اختار كثيرون، عن عمد، تجاهل الإشارات أو عدم تصديقها.
في 2008، أُدين إبستين بتهمة استدراج قاصر لممارسة الجنس. كتب بيتر ماندلسون، الذي كان حينها المفوض الأوروبي للتجارة: «أكنّ لك كل التقدير، وأشعر بالعجز والغضب الشديدين لما حدث». وكتب جِس ستالي، الذي كان حينها يرأس الخدمات المصرفية الخاصة في «جي بي مورغان»، إلى إبستين: «آمل أن تُبقي الجزيرة. قد نحتاج جميعا للعيش هناك». كان ذلك خلال الأزمة المالية. رد إبستين: «لا بأس، هناك دائما متسع لكم جميعا». (في 2023، رفع «جي بي مورغان» دعوى على ستالي بسبب ما قال إنه احتمال إخفاقه في تنبيه الشركة إلى مخالفات إبستين. وانتهت القضية بتسوية خارج المحكمة بمبلغ لم يُكشف عنه).
في 2018، نشر «ميامي هيرالد» تحقيقا صادما «حدّد نحو 80 امرأة يقلن إن إبستين تحرّش بهن أو أساء إليهن جنسيًا بطريقة أخرى بين عامي 2001 و2006». في اليوم التالي بعث لاري سمرز، وزير الخزانة الأميركي الأسبق، رسالة إلكترونية إلى إبستين: «لقد عدتَ إلى الصحافة»، كتب. ثم انتقلا إلى مناقشة أمور أخرى.
في 2019، أرسل ستيف بانون إلى إبستين رسالة نصية تضم رابطا لقصة في «ديلي بيست» بعنوان: «محكمة تأمر بالإفراج عن وثائق مختومة بشأن شبكة جنس مزعومة لجيفري إبستين». إبستين لا يرد ـ على الأقل عبر الرسائل النصية ـ فيعاود بانون المتابعة قائلا: «رجلي في إسرائيل ـ هل يمكن أن نوصله بـ«إرهود»؟؟؟».
قد لا تكون شبكة إبستين عرفت كل شيء، لكن كثيرين فيها عرفوا ما يكفي. وسواء صدّقوا إنكاراته أو لم يكترثوا بجرائمه، فقد وُجد تضامن ـ أو على الأقل منطق تبادل منفعة ـ حمى إبستين ومكّنه من إساءاته.
قرب نهاية حديثنا، طرح غيريدهاراداس فكرة لا أكفّ عن التفكير فيها. كان النفوذ والمكانة يُمنحان يوما بملكية الأرض، أو باللقب، أو بالعائلة. لكن النفوذ اليوم «يتكوّن من موقعك وعدد صلاتك، وكثافة هذه الصلات وجودتها وربحيتها داخل الشبكة».
كيف يغيّر ذلك سلوك نخب اليوم؟ تابع غيريدهاراداس: «أتساءل فقط إن كانت الشجاعة قيمة تضررت في عصر الشبكات، لأن الشجاعة تعني قطع الروابط. وكلما ازدادت قيمة الروابط ـ وكلما أصبحت الروابط الأكثر عددا أكثر قيمة على نحو أُسّي ـ ازدادت كلفة قطع ذلك الرابط على نحو أُسّي أيضا، أي إحراق ذلك الجسر».
يجدر التشديد على أن شبكة إبستين، على اتساعها، ظلت ضيقة إذا ما قورنت بمجمل الحياة الأمريكية والعالمية. لقد مُنحنا نافذة على شريحة بعينها من النخبة العالمية ـ الشريحة التي اختارت أن ترتبط على نحو وثيق بجيفري إبستين. نحن لا نرى كيف تصرّف كثيرون، كثيرون جدا، ممن بقوا بعيدين عنه، لأنهم ببساطة غير موجودين في هذه الملفات.
ومع ذلك، حتى بالنسبة لأولئك الذين ظنّوا أنهم يعرفون عن قرب آليات عالم الأثرياء وأعرافه، جاءت هذه الملفات صادمة. بالنسبة إلى خانا، أرغمته على مواجهة احتمال وجود حدود لما كان يعدّه مشروعه هو، وفق فهمه له.
قال لي: «بالتأكيد لا أريد مشاعل وشوكا». وأضاف: «لا أريد المشاعل والشوك حتى ضد من هم مليارديرات». لكن، كما قال، «كنتُ أظن سابقا: لِنكتفِ برؤية إيجابية ـ رعاية صحية للجميع على غرار (ميديكير للجميع)، ورعاية أطفال، وخطة مارشال لأميركا». ثم أردف: «أنا الآن أقرب إلى الاعتقاد بأن لا بد من قدر من المساءلة. أنت بحاجة إلى ثقة الناس في مشروع ديمقراطي. وما أدركه هو أن مساءلة النخبة، ووجود معنى ما للعدالة، أمرٌ أساسي لبناء الثقة اللازمة للرؤية الأوسع».
