معجم جديد لجغرافيا سياسية جديدة

21 نوفمبر 2022
21 نوفمبر 2022

ترجمة أحمد شافعي -

وبختني طفلة أخيرا ـ هي في الحقيقة طالبة دكتوراه شابة ذكية ـ لأني ذكرت «الغرب» خلال نقاش حول الحرب الروسية الأوكرانية.

قالت إن «الغرب» مفهوم عفا عليه الزمن ولم يعد له معنى يذكر في الجغرافيا السياسية اليوم. وكانت على حق. فـ«الغرب» شاخ حتى الإنهاك. وهو يفتقر إلى الملامح والمصداقية. ونحن بحاجة إلى بنية جديدة لوصف الأفكار والكيانات التي يمكن أن تجمع النظام الدولي. وسأصوت لصالح كلمة روبس «ROPE » المؤلفة من الحروف الأولى من عبارة «المجتمعات القائمة على قواعد، المتبنية لعمليات». وإنني أطالب بملكية علامة الاصطلاح التجارية فورا.

«الغرب» حاضر معنا منذ بعض الوقت. وهو لفظ مشتق من كلمة لاتينية معناها المغيب أو الغروب، وهو مقابل كلمة لاتينية أخرى معناها مشرق الشمس. وقد اكتسبتْ هذه التفرقة أهمية مؤسسية مع انقسام الكنيسة الكاثوليكية إلى كنيسة رومانية غربية وكنيسة أرثوذكسية شرقية. اتخذت علامتا البوصلة هاتان سمة أيديولوجية مع ارتباط الغرب بأفكار من قبيل الديمقراطية ورأسمالية السوق، وتلطيخ الشرق ببصمة الاستبداد والمفاهيم المشابهة. (وإن لكتابة التاريخ لمزايا).

ترسخ ذلك الانقسام خلال الحرب الباردة، حين مثَّلت الولايات المتحدة وحلفاؤها «الكتلةَ الغربية» المجسدة في الناتو وتحالفات الولايات المتحدة في آسيا، ومثلت الديمقراطية والرأسمالية أو لمزيد من الدقة مناهضة الشيوعية. و«الكتلة الشرقية» كانت تتألف من الاتحاد السوفييتي وحلفائه في حلف وارسو. وكان يشار إلى الجماعتين أحيانا بالعالمين الأول والثاني على الترتيب، وجمع غيرهما من البلاد في «العالم الثالث» الذي قيل إنه بقي على الحياد بين الكتلتين وكانت تعبر عنه «حركة عدم الانحياز».

كان «الغرب» دائما دالا غبيا مربكا يفتقر إلى الدقة. فلم يكن دقيقا من الناحية الجغرافية، إذ كان يحتوي بلادا أكثر مشرقية من الاتحاد السوفييتي (على الأقل بمقياس خريطة إسقاط مركاتور). وبعض تلك البلاد نفسها كانت «آسيوية» وغريبة عن التقاليد الاجتماعية التي نشأ منها المصطلح أصلا.

وقد تجلى فقر معجمنا منذ أن انتهت الحرب الباردة. فقد دخلنا «عالم ما بعد الحرب الباردة» وكافحنا للوصول إلى مبدأ تنظيمي أفضل. فظهر مصطلح «لحظة الأحادية القطبية» ليعيش دقيقته ثم تلاشى.

بعد الاعتراف بدور الفاعلين المارقين ـ من الإرهابيين أو «محور الشر» المزعوم الذي تحالف مع الفاعلين غير الدوليين ـ رجعنا إلى التركيز على تنافس القوى العظمى الذي وإن يكن شبيها بالحرب الباردة إلا أنه مختلف اختلافا أساسيا، وها هنا مكمن مشكلتنا.

في هذه النقطة، تفصل الخطوط المحددة القاسمة بين البلاد الديمقراطية والاستبدادية. وبرغم مناقشة هذا الخط الفاصل لبعض الوقت فإنه بات أشدَّ حدة في غداة غزو روسيا لأوكرانيا. ومما يتسق تماما مع هذا التفكير، تحذير الرئيس الأمريكي جو بايدن بقوله «إننا منخرطون من جديد في معركة كبيرة من أجل الحرية. معركة بين الديمقراطية والاستبداد. بين الحرية والقمع».

وثمة أصوات مماثلة في أوربا، فبوصلة الاتحاد الأوربي الاستراتيجية بالنسبة لريتشارد بانجز ـ الزميل المخضرم لبرنامج الديمقراطية والصراع والحكم في كارنيجي الأوربي ـ يجب أن تتأطر حول «أنظمة الحكم المتنافسة»، وهذا دليل على أن هذا «الانقسام أكثر مركزية في هيكلة النظام الدولي». ووصف الاتحاد الأوربي للصين بـ«المنافس المنهجي» لبنة أخرى في هذا السور.

لقد سعى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسن إلى مأسسة ذلك النهج حينما استضاف مجموعة السبعة في عام 2021. فقد دعا قادة أستراليا والهند وكوريا الجنوبية إلى قمة المجموعة، بهدف تحويل منتدى القوة الصناعية الرائدة إلى محفل للبلاد الديمقراطية (د 10). (وكانت لدونالد ترامب فكرة مماثلة حينما استضاف مجموعة السبعة قبل سنة، برغم أن رغبته في احتواء روسيا كشفت عدم تماسك خطته).

والبعض يناصر مجموعة (ت 12) أي عصبة البلاد الديمقراطية الرقمية، وهو تحالف للقوى التكنولوجية -ومن هنا حرف التاء- الرائدة ـ أستراليا وكندا وفنلندا وفرنسا وألمانيا والهند وإسرائيل واليابان وكوريا الجنوبية والسويد والمملكة المتحدة والولايات المتحدة ـ لمجابهة طموحات الصين الرقمية، وحماية قيادة الغرب التكنولوجية وضمان أن تصوغ البلاد الديمقراطية الليبرالية وقيمها التكنولوجيات الناشئة. وبما أن هذا قائم على مبادئ (د10)، فربما يكون من الأفضل اعتباره تطبيقا لذلك لتصميم.

لكن نهجا قائما على القيم يكون نهجا إشكاليا لو أن الهدف منه هو حشد أكبر تحالف ممكن ضد قوى المراجعة [الراغبة في تعديل النظام الدولي بمراجعة أسسه وتغييرها]. فثمة بلاد قد تدعم النظام الدولي والإقليمي القائم وإن تكن الشكوك محيطة بمؤهلاتها الديمقراطية أو لم تكن الدوافع القيمية كافية لها.

وهي لا تعتبر انتشار الاستبدادية خطرا مثلما تعتبره بلاد من قبيل الولايات المتحدة. وهي قد تخشى إقرار حملة لنشر وفرض قيم من قبيل تلك التي أطلقت حرب العراق وما أعقبها من خراب. وثمة بلاد أخرى غير مهيأة أصلا للتضحية بمكاسب اقتصادية ملموسة تجنيها من انفتاح السوق الصينية لها في مقابل بعض المخاوف الأيدولوجية المجردة.

يشير هذا إلى أن أفضل منطق لإقامة تحالف دولي يحمي الوضع القائم من قوى التعديل هو ببساطة: منع هذه البلاد من إعادة رسم الحدود من طرف واحد أو بالقوة. يرفض إلبردج كولبي، وكيل وزارة الدفاع الأمريكية السابق، الحجج القائلة بأن الولايات المتحدة بحاجة إلى «جعل العالم ديمقراطيا أو ليبراليا لتزدهر هي بوصفها جمهورية حرة، ولا هي بحاجة إلى السيطرة على العالم من أجل أن تصبح بلدا آمنا». غير أنها بحاجة إلى أن تمنع الصين من السيطرة على آسيا، فهي أكثر المناطق دينامية في العالم. وإذن فالهدف الذي يتوحد عليه عمل متعدد الأطراف هو منع الصين من الحصول على سبل السيطرة على تلك المنطقة الحيوية.

يركز كولبي على الدفاع بوصفه وسيلة لعمل ذلك: ولكونه مسؤولا في البنتاجون فإنه يميل إلى مثل ذلك التفكير (أو لعل مثل هذا التفكير هو ما يؤهل أمرا للبنتاجون). غير أن ثمة مجموعة واسعة من الأدوات.

من هذه الأدوات مفهوم اليابان الخاص بـ«منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة المنفتحة»، وهذا تطبيق لمنطق كولبي المناهض للهيمنة. منذ صياغة هذا المفهوم، تتراجع طوكيو باطراد عن الخطوط الأشد عنفا في تلك السياسة ـ وكانت في البداية استراتيجية فأصبحت الآن رؤية ـ وتخلت عن عنصرها القيمي لتقليل أهدافها وتعظيم جاذبيتها. وتؤكد اليابان على احتوائية الفكرة اجتنابا لتهمة أن (فوليب) [والكلمة مؤلفة من الحروف الأولى لعبارة ترجمتها هي «منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة المنفتحة»] هو مفهوم معاد للصين في الغرض والغاية.

وفي حين أن فكرة (فوليب) اكتسبت رواجا، لم نستطع أن نصل إلى بيان بالبلاد التي تدعم المفهوم. فهل يصبح فوليب نظيرا لـ«الغرب»؟ ونقول «الفوليبيين» مثلما تقول الغربيين؟

ماذا عن (روبس)؟ وهي المجتمعات القائمة على قواعد، المتبنية لعمليات، وهذا وصف يوجز العناصر المحورية في هذه الذهنية. فتركيزها يصب على النظام بمعناه الحرفي ـ أي القواعد والإجراءات ـ لا على مضمون إرشادات صنع القرار. ومن خلال افتراض أن هذه العمليات سوف تعكس قيما نرتاح إليها ـ وهذا وصف للوضع القائم ـ ففي هذا اجتناب للجدل الأيديولوجي.

إن روبس ليس مصطلحا دقيقا ويسيرا على الألسن وحسب، ولكنه يصلح أيضا للاستعمال الاستعاري [فكلمة روبس ROPES تعني «الحِبال»]. فنتشبث بالحبال، وتدعم الحبال النظام الدولي، وتربط الحبال الحكومات متماثلة التفكير بما يزيد العالم قوة. ويجب أن يرضي هذا طلبة الدكتوراه طوال اللسان.

براد جلوسرمان نائب مدير وأستاذ زائر في مركز Rule-Making Strategies بجامعة تاما، وزميل مخضرم (غير مقيم) في منتدى الباسيفيك.

عن يابان تايمز ترجمة خاصة بجريدة $