ما الذي ينتظر المواليد ليشهدوه من هذا العالم؟
10 يناير 2026
10 يناير 2026
لعل أجمل ما في الكتابة أنها تمنح الأفكار جسدًا من الكلمات، وعبر هذا الجسد من الكلمات تتوالى سلسلة متصلة من الإمكانيات، الكتابة في جوهرها نوع من الخلق اللغوي، والأفكار في سديمها العقلي مجرد ممكنات واحتمالات لا تأخذ صورتها النهائية بغير التجسد، اللفظي أساسًا، والكتابي من بعده، هكذا فإن مجرد كتابة خواطرنا البسيطة وأفكارنا يعطينا صورة واضحة عن عالمنا الداخلي، هذا العالم الذي يمكن بكل بساطه أن يبتلعه العالم الخارجي.
انفجارات كراكاس الأسبوع الماضي جعلت أجراس الإنذار تقرع في العالم كله، حدث يثير حشدًا من التساؤلات، هل هذا هو العالم الذي تبشر به الإدارة الأمريكية الحالية للقرن الحالي؟ عالم القوة الغاشمة التي لا تضع اعتبارًا للقانون الدولي أو الشرعية الدولية؟ أليس هذا شبيهًا بالنهج الإسرائيلي في الشرق الأوسط؟ صحيح أن نيكولاس مدورو لا يجد الكثير من المدافعين عنه بما فيهم أعضاء حكومته الذين تخلوا عنه مقابل البقاء، لكن كما أشار اليخاندرو فيلاسكو أستاذ التاريخ في جامعة نيويورك الأسبوع الماضي في مقاله على الجارديان فإن سجن مدورو لا يعني ذهاب النظام الذي كان يرأسه، وهو النظام الذي سمح له بالتلاعب بالانتخابات وتصفية المعارضين داخل السجون والذين تؤكد المنظمات الدولية أن أعدادهم بالآلاف، هذا غير سبعة ملايين فنزويلي اضطروا للهجرة بسبب سوء الإدارة والفساد والأوضاع الاقتصادية المتردية، فضلًا عن تهمة التجارة بالمخدرات التي يحاكم بسببها، وكل ذلك في فنزويلا البلاد التي تعتبر صاحبة أكبر احتياطي عالمي من النفط، وأول بلد صدر النفط لأغراض طبية، قبل اكتشاف استخداماته في الطاقة، منذ عام ١٥٩٣م.
هل نقول إن هذا درس لبقية الدول؟ لكن أي درس بالتحديد؟ أهو درس النظم المعتمدة والمتكلة على قوتها العسكرية وقدرتها على السيطرة والتحكم بالشعوب واحتجاجاتها؟ أم هو درس غطرسة القوة التي يسيطر عليها الجشع والطمع حتى تحتكر المنافع والمصالح لذاتها وجماعتها حتى لو شكل ذلك تهديدًا محققًا للنظام والمصلحة العامة؟ أم هو درس للمسار السياسي المتوقع لخطاب القومية المتعاظم الذي يدوس على الدول الأصغر فقط لأن مصالحه تقوده مهما جر ذلك من خطر على النظام الدولي الذي ينهض عليه؟ ألا تستشعر الدوائر الأمريكية الخطر من هجومها على المنظومة الدولية والشرعية الدولية؟ أم أن الإدارة الأمريكية الحالية تحسب أن صعودها العالمي وسيطرتها العالمية قائمة على قوتها العسكرية والمالية وليست على نظام عالمي؟ وحين ينهار النظام العالمي الذي تأسس تدريجيًا عبر قرون منذ الحضارات القديمة وصولًا إلى عصر الاستعمار ثم إلى عصور الهيمنة والاستعمار الجديد، هل تستطيع أمريكا وأوروبا وروسيا والصين وكل القوى الكبرى مجتمعة إعادته من جديد؟
لا شك أنها أسئلة مقلقة، تقلق السياسيين وراسمي السياسات أكثر، وما حدث لا شك سيجعل الدول المصنفة كأعداء للولايات المتحدة تزيد من إنفاقها على العسكرة والأمن أكثر من ذي قبل، كما أن ما حدث يمنح إسرائيل في منطقتنا صكًا بالمزيد من الأفعال التخريبية في دول الجوار واحتلال مناطق منها كما تفعل اليوم في لبنان وسوريا دون أي اعتبار للشرعية الدولية، وباختصار شديد فإن هذا هو العالم الذي يعدنا به القوميون المتطرفون، وهو لا يختلف عن العالم الذي كان يعدنا به القوميون المتطرفون في القرن الماضي، من هتلر إلى موسوليني، وكما يبدو أن النازية والفاشية بدلت ثيابها وحصلت على الجنسية الأمريكية هذه المرة، بل ووصلت من جديد إلى سدة الحكم بنفس الطريقة الانتخابية، ببساطة عبر تأجيج المخاوف القومية، والزعم بإنشاء وطن قومي «عظيم».
أين العظمة في الأمر؟ وأين العظمة فيما فعلته الولايات المتحدة في كراكاس الأسبوع الماضي؟ هل هو عبر عملية أدت لأكثر من ٨٠ قتيلًا غير الجرحى من أجل اختطاف رئيس دولة وزوجته من قصرهما الرئاسي وزجهما في السجن؟ أم هو ما يبشر به ترامب شركات النفط الأمريكية من مستقبل السيطرة على النفط الفنزويلي؟ وهي الشركات التي خرجت من فنزويلا إبّان حكم تشافيز بعد مطالبته بزيادة حصة الدولة من الأرباح ؟.
لكن أي عظمة في هذا التهافت الجشع على ثروات الدول الأخرى؟ أليست هذه هي نفسها الإمبريالية الكلاسيكية والنهج البريطاني وغيرها من دول الاستعمار التي نهبت دول العالم لمصالحها الخاصة؟ أم أن هذا يقول أن الهيمنة الأمريكية لم تعد تغطي مصاريفها وهامش أرباحها، وأن الاحتكارات الأمريكية الدولية للسلع المختلفة من النفط والتقنية الحديثة نزولًا لم تعد تشبع جشع الإمبراطورية الأمريكية، لذلك فهي ستتولى الأمر بنفسها، وأين الشعوب من هذه المعادلة؟ أم لا شعوب هناك، هم مجرد «حيوانات» حسب التعبير المتطرف الذي يستخدمه الصهاينة لوصف العرب في فلسطين؟
ومتى يحدث كل هذا؟ هل من المعقول أن يعود خطاب الانغلاق والتطرف والعنصرية ليتسيد في عصر الفضاءات الرقمية المفتوحة والانترنت والتجارة المفتوحة؟ أهذا هو الواقع؟ لكن ألا يعني هذا أن الجنس البشري ينكص على ذاته وينغلق على ضيقه وتتعاظم مخاوفه من أخيه الإنسان في هذا العصر، أهذا هو العصر الذي بشر به فلاسفة الأنوار الأوائل ومن تلاهم؟ هل هذه هي الحضارة التي شهدنا فيها تحرير العبيد؟ أم علينا ألا ننسى أن هذه هي الحضارة التي استعبدتنا جميعًا نساءًا ورجالًا وأطفالًا بغض النظر عن الجنس واللون تحت آلات إنتاجها ونظمها وفواتيرها التي لا تعرف الشفقة ولا الرحمة، والتي كي نخفف من آثارها على الضعفاء أنشأنا فيها المؤسسات الخيرية، وهي المؤسسات التي تشتكي اليوم علنًا من التأثيرات المرتقبة على الجنس البشري جراء الحروب والنزاعات التي لا تتوقف.
ماذا سيحدث للطفل السوداني المولود مؤخرًا وسط الحرب الأهلية؟ أي مستقبل ينتظره؟ وماذا ينتظر الطفل الفلسطيني حديث الولادة بعد أن أحرقت إسرائيل حضانات المواليد في غزة من قبل بمن فيها؟ وما الذي ينتظر المولود الحديث حتى في بلادنا هذه، التي تحتفل مؤسساتنا الحكومية فيها بأنها آمنة ومطمئنة، كي يشهده من مستقبل هذا العالم؟ من يفكر في كل هذه العيون الوليدة وما عليها أن تراه في مستقبلها؟ ألا يبدو المستقبل العالمي قاتمًا شديد القتامة؟ أم أن هذه مجرد تهيؤات مزاج متعكر من طول انتظاره لبارقة الأمل؟
إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني
