ترامب وتبعات ما يحدث في فنزويلا

10 يناير 2026
10 يناير 2026

بمقاييس العمليات العسكرية كان اختطاف الولايات المتحدة لنيكولاس مادورو سَلِسًا، لكن حكاية دونالد ترامب الفنزويلية في بداياتها فقط؛ فبعدما أطاح زعيمَها يضع الآن على عاتقه وبحماس المسئولية عن تبعات ذلك.

قال بعد ساعات لاحقًا: «سنتولى إدارة البلد إلى أن يحين ذلك الوقت الذي يمكننا فيه إجراء انتقال آمن وسليم وحكيم» بعبارة أخرى اعتنق ترامب فكرة «تغيير النظام» وما يحدث في فنزويلا من الآن فصاعدا سيُنسب إليه.

كان ترامب يُلَمِّح إلى (نيَّة) القبض على مادورو منذ شهور، والصدمة هي في استعداده «لإدارة» بلد يتمتع بالسيادة ويبلغ تعداد سكانه 30 مليون نسمة تقريبا. آخر مرة حاولت فيها الولايات المتحدة ذلك كانت بعد غزو العراق في عام 2003. وتحولت المحاولة إلى مستنقع من نمط حرب فيتنام.

استغل ترامب ذلك كثيرا في وعده بعدم تكرار حروب جورج بوش الدائمة في العراق وأفغانستان وسواهما، وتمسك بهذا الموقف الذي يحظى بتأييد معظم الأمريكيين وليس فقط قاعدة حركة «ماغا».

لكن مع تقدم الفترة الثانية لرئاسته بدأ ترامب يستطيب المزيد من عمليات التوسع الإمبريالي. جاءت غارة الصباح الباكر يوم السبت 3 يناير في كاراكاس بعد أسبوع تقريبا من الضربات الجوية الأمريكية على شمال غرب نيجيريا يوم عيد الميلاد والتي قال ترامب: إن الهدف منها حماية المسيحيين. كما أعقبت أيضا قصف الولايات المتحدة للمواقع النووية الإيرانية تحت الأرض في الصيف الماضي. ومرة أخرى هدد ترامب بضرب إيران. وأعلن في تدوينة له في الساعات الأولى من فجر الجمعة قبل الماضية إنهم على أتم الجاهزية العسكرية للقيام بذلك.

لكن تغيير الأنظمة يعني تخليًا عن سياسته المُعلنة. وكما هي الحال مع العراق مبرراتُ ترامب للاستيلاء على فنزويلا متعددة ومتغيرة. ففي حالة العراق تحدَّث بوش عن أسبابٍ تنوعت بين الاستيلاء على أسلحة الدمار الشامل وروابط صدام المزعومة بالقاعدة ونشر الديموقراطية في الشرق الأوسط وضرب محور الشر.

أما فيما يخص فنزويلا فقد تحدث ترامب عن الحرب على إرهاب المخدرات ومكافحة حرب العصابات في شوارع أمريكا واستعادة ما وصفه مناطق امتياز ونفط أمريكا. وكانت فنزويلا قد أمَّمت عمليات نفطها الأجنبية في أوائل هذا القرن. كما يمكن أن يُضاف إلى تلك الأسباب بُغض وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو للنظام الشيوعي الكوبي. (روبيو أبواه هاجرا من كوبا إلى الولايات المتحدة في عام 1956 ( المترجم).

تحصل كوبا على الكثير من احتياجاتها النفطية من فنزويلا.

ولديها قوة شبه نظامية منتشرة هناك تضم آلاف «المستشارين» أما احتياطيات فنزويلا النفطية التي تبلغ 300 بليون برميل فتُعَدُّ الأكبر في العالم. وبالنسبة لنظام الحكم في كوبا يمكن أن تكون هذه اللحظة «وجودية». وهنا يقفز سؤالان؛ أولهما هل ستستمر شهية ترامب للمغامرات العسكرية؟ لقد سبق له أن روّج لخطط (مماثلة) حول كندا وبنما وجرينلاند وقطاع غزة. وفي يوم السبت أشار بشكل غير مباشر إلى أنه يضع المكسيك أيضا نصب عينيه. وقال عن الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم: إنها «امرأة طيبة. لكن كارتيلات (المخدرات) تدير المكسيك. هي لا تدير المكسيك. يجب فعل شيء بشأن المكسيك.»

في الواقع المكسيك وليست فنزويلا هي التي تمدّ الولايات المتحدة بكل ما يصلها من مادة الفينتانيل المخدرة تقريبا.

وحذر ترامب يوم السبت قبل الماضي رئيس كولومبيا اليساري جوستافو بيترو بأن ينتبه إلى العواقب. فكولومبيا وليست فنزويلا هي مصدر معظم الكوكايين في أمريكا. السؤال الثاني: هو كيف يخطط ترامب لحكم فنزويلا؟ فإذا كان جادا في إدارتها سيلزم وجودُ قوات أمريكية على أراضيها. وحتى إذا كان ترامب يعتقد أن بمقدوره إدارتها عن بُعد سيتدخل الواقع ويفرض نفسه. ففنزويلا مليئة بالأسلحة والمليشيات وأنصار الشافيزية (نسبة إلى الرئيس الفنزويلي السابق هوغو شافيز). وإذا أرادت روسيا أو الصين أو أي خصم آخر إغراق ترامب في مستنقعه الخاص به فهذه هي الفرصة المواتية. في مؤتمره الصحفي بمنتجع «مارا لا جو» يوم السبت 3 يناير لم يُبدِ ترامب أية خشية من حجم وتعقيد المهمة التي وضعها لنفسه. لقد كان يصر على أن الأولوية ستكون لاستعادة البنية التحتية لفنزويلا حتى يمكنها الشروع في ضخ النفط بكامل قدرتها الإنتاجية، ثم استخدام إيرادات التوسع في التدفقات النفطية لتعويض شركات النفط الأمريكية وتمويل إعادة بناء فنزويلا. ولم يحدد ترامب الكيفية التي يمكن بها للشركات الأمريكية تحقيق ذلك دون حماية عسكرية قوية من الولايات المتحدة.

في كلا الحالين قادةُ الدول في النصف الغربي من العالم وما وراءه لن ينعموا بنوم هادئ من الآن فصاعدا. فترامب يميل باطراد إلى استخدام القوة العسكرية الجبارة التي في متناوله. وعواقب تجاهله لكل من القانون الدولي والدستور الأمريكي ستستغرق وقتا لكي تظهر. وأيضا التفاصيل الدقيقة لكيفية تخطيطه لإدارة فنزويلا.

بصرف النظر عن مآلات الأمور، لقد أصبح النظام العالمي الجديد لترامب حقيقة واقعة الآن. إنه لا يتشكل من قواعد واضحة ولا يحترم الحلفاء ويحتفي بقانون الغاب ويتعلق دائما تقريبا بالمال؛ فهنالك ثروة كبيرة تحت أرض فنزويلا، وترامب تعهَّد الآن باستخراجها. 

إدوارد لوس محرر شئون الولايات المتحدة وكاتب رأي بصحيفة الفاينانشال تايمز