مؤامرة الكورونا على قريتنا
سامي عادل البدري
(ونفسٍ وما سوّاها. فألهمها فجورها وتقواها.) الآيتان ٧ و٨ من سورة الشمس
لاشك أن جائحة الكورونا هي الحدث الأهم. شغلتنا الجائحة في كل الأصقاع غير مستثنية أحد في عالمنا هذا الذي صار الاتصال ونقل الأخبار بين جهاته المختلفة سهلاً ككبسة زر، فاستحق فعلاً أن نطلق عليه قرية صغيرة. اختلفنا في ردات فعلنا أمام هذا الفيروس، ويشم الكثير منا إلى يومنا هذا، سواء كنا من الشرق أو من الغرب، رائحة مؤامرة ما تفوح من كثير من جوانب الموضوع، ابتداءا من ظهور الفيروس وانتهاءا إلى عملية تصنيع اللقاحات.
ورد في الأثر: (إذا فسد الزمان وأهله، فإن سوء الظن من حسن الفطن). يقصد في هذا القول العربي القديم الذي لم تتفق المصادر على مصدره، أنك في زمن الفساد عليك أن تترك براءتك وتتولى الحذر. لكن يبدو أن الإنسان يميل للشك، وكثيراً ما يسارع، ما أن يلوح أمامه شيء غامض، إلى توقع وجود مؤامرة ما.
نتفق على أننا نولد أبرياء، لكن يا ترى هل يولد معنا بعض الشك بصورة فطرية؟
للإجابة على هذا علينا الاطلاع على أبحاث عالم النفس (بول بلوم Paul Bloom) التي يلخصها في كتابه: (أنهم مجرد رضع: في أصل الخير والشر). ربما لم نكن نحتاج لـ(بلوم) ليخبرنا أن الأطفال حتى وهم رضع، يبكون حين يبكي الآخرين، ويبدو عليهم التألم والتوتر حين يبدي شخص آخر أمامهم علامات الألم، ويحبون تقديم الطعام للآخرين الذي يبدو أنهم جائعون. وما أن يبدأ الطفل بالمشي حتى نراه يحاول مساعدة من يتلكأ في عمل شيء ما، وهو يقدم تلك المساعدة مجاناً. هذا يعني أننا فطرياً نحب مساعدة الآخرين، ونتعاطف معهم. ربما كنا نستطيع التكهن بكل هذا بدون الاستعانة بـ(بلوم) وتجاربه المطولة في مختبره النفسي في جامعة (ييل).
لكن (بول بلوم) يركز علي شيء غريب يحدث بين عمر التسعة أشهر والثلاث سنين، وهو (القلق من الغرباء) حيث يستغرب الطفل ممن يراه لأول مرة. يفضل الطفل عائلته، خصوصاً أمه، ودائرة المقربين الذين ألفهم، ويستغرب من الغريب كأنه يشك في أنه يضمر له شراً. نجده حتى وأمه تطمأنه وتقول له أن لا يخف، وبأن هذا ضيف مرحب به، نجده يتقهقر ملتصقاً بأمه وجلاً حذراً متفحصاً.
تختفي هذه الفطرة عادة بعمر الثالثة، لكن بعض الدراسات تخبرنا بأنها لا تختفي في بعض المجتمعات المنعزلة المغلقة.
ولو أردنا تقديم دليل عن عدم اختفائها في المجتمعات المنعزلة، سنجد دليلاً حديثاً على هذا الأمر، يشبه حالنا اليوم أمام جائحة الكورونا.
ففي عام 2014 حدثت جائحة لفيروس الايبولا في غابات غرب أفريقيا. حينها تدخلت منظمة الصحة العالمية لمساعدة الحكومات هناك من اجل توفير اللقاح خصوصاً، فانتشرت بسرعة الشكوك بنوايا منظمة الصحة العالمية ورفضت المساعدات من قبل الأهالي، بل تضخم الأمر حين حدثت جريمة قتل كان ضحيتها عامل من عمال الصحة العالمية. فألقي القبض على بعض الأفراد وبينت التحقيقات أن الناس هناك غير واثقين بنوايا العاملين خصوصاً الغربيين منهم، ويتهمونهم بأنهم هم من يقومون بنشر الفايروس!
لنرجع لـ(بول بلوم) الذي يقول بأن فطرة الخوف من الغرباء تضمحل لدينا نحن أفراد المجتمعات الحديثة، لأننا كلما كبرنا أكثر نرى أناس أكثر، من أشكال مختلفة، ثم ندخل الروضة فالمدرسة. وأن هذا التعرض للبشر المختلفون عنا يجعلنا نكبر من دائرة من نعتبرهم جديرون بالثقة.
وما دمنا نتحدث عن هذا العالم فلنكمل معه إحدى تجاربه الظريفة. فقد أراد أن يسمي انفعال الطفل الفطري تجاه الغريب، فتحير بين أن يطلق عليه القلق أم الخوف، ثم قال ربما كراهية أو حتى اشمئزاز. فقرر الذهاب بعيداً بفكرته، فأختار دراسة مشاعر الاشمئزاز، وقام بصياغة أسئلة يقيس فيها درجة مشاعر الاشمئزاز لدى البالغين. فكان يسألهم عن التفاصيل: هل تشمئز من رائحة التعرق؟ من رائحة البراز؟ هل تشمئز لو وجدت جثة قطة ميتة متفسخة؟ هل تقوم بدفنها؟ ووضع تدرج ما، حتى أنه كان يسأل عن أشياء ربما لا تبدو مشمئزة لكثير منا مثل: هل تشمئز لو أنك كنت واقفاً في الباص، فنهض احدهم ونزل، ثم ذهبت وجلست في مقعده فوجدت ان المقعد دافئ؟
وحين صنف أخيراً عينه لأناس سريعي الاشمئزاز وأناس لا يشمئزون بسهولة، عاد وقام بقياس مشاعر العنصرية لديهم تجاه الغرباء، فوجد أن من يشمئز سريعاً من أي شيء هو الأكثر عنصرية.
ألا تدعو تلك الدراسة للتفكير؟
دعونا نعود لموضوعنا الأساس، فكل ما أريد قوله هو أننا جميعاً، على ما يبدو، نملك استعداداً فطرياً لأن نشك، ونصدق بوجود مؤامرة، بل حتى أن نكون عنصريين بعض الشيء. ذلك كان الاستنتاج الذي وصلت إليه أبحاث (بلوم).
دعونا هنا نلتفت إلى مصدر آخر من مصادر علم النفس الحديث، لنجد عالم النفس (دانييل فريمان) صاحب نظرية (هرم الشكوك)، حيث قام بتصنيف درجة الشك في هرم، تزداد فيه درجة الشك كلما صعدت من القاعدة باتجاه القمة، ويتحول شيئاً فشيئاً من الطبيعي إلى المرضي.
في أسفل الهرم تتواجد أفكار طبيعية قد تتمثل في الاعتقاد بأن العالم يمكن أن يكون مكاناً خطراً، أو أن نشعر بالخوف من أن نكون مرفوضين من قبل الآخرين. لكن عند صعودنا قليلاً في الهرم تزداد الشكوك لتتمثل في وسط الهرم بشكوك من قبيل أن الآخرين قد يسخرون منا. ولو وصلنا إلى قمة الهرم فسوف نجد أفكاراً مرضية حقاً، مثل الإيمان القاطع بوجود مؤامرة علينا، وبأن الجميع متفقين على ايذائنا، وذلك هو التوهم المرضي حقاً الذي يستوجب حينها زيارة الطبيب النفسي وأخذ العلاج.
ويتغير موقعنا في هذا الهرم وفقاً لوضعنا وظروفنا، فنحن نميل للصعود قليلاً باتجاه أعلى الهرم حين نكون في مواقف غريبة وجديدة علينا. فأنت حين تسافر لدولة لا تعرف لغتها مثلاً، سينتابك بعض الشك بأن من يضحك أمامك مع صديقه قد يقصدك في تعليقاته التي لا تفهمها. هنا قد تنظر إليهما شزراً فيتنبهان إليك، وربما حينها حقاً سيتكلمان عنك ساخرين وتدخل أنت في حلقة مفرغة من الشكوك. لكنك لو تتعلم لغة ذلك المجتمع، وتفهم عادات شعبه، فأنك سوف تنزل قليلاً نحو قاع هرم الشكوك وتطمئن، كما كنت مطمئناً بين أفراد عائلتك.
ولنربط الآن كل ما قلناه لنصل لاستنتاجنا الأخير حول نظريات المؤامرة فيما يخص جائحة الكورونا، فنقول بأننا وجدنا أنفسنا أمام موقف جديد وغريب وخطر لم نألفه، فاستيقظت شكوكنا. أو لنصوغ الجملة بمصطلحات نظريات علم النفس، فاستيقظت فينا فطرة الخوف من الغرباء وصعدنا للأعلى في هرم الشكوك.
أما الحل الأكيد فهو بدراسة هذا الفيروس علمياً وفهم بعض مفاهيم علم الأوبئة وغيرها، فالعلاج يكمن بالمعرفة.
وأخيراً لكي نختم المقالة التي أخشى أنها طالت، أقول بأني أظن بأن البراءة التي ولدنا بها لا تكفي لكي نكون أناس خير، ففي فطرتنا يوجد إلى جانب البراءة بعض الشر. وقد كشفت جائحة الكورونا الكثير من عيوبنا، وعلينا التأمل بكل ذلك. ورغم أن أحد أهم أساليب الوقاية من الكورونا يكمن في التباعد الاجتماعي، فقد كانت هذه المقالة دعوة للتقارب ولمعرفة الآخر. فالخير يكمن في المعرفة، والسعادة تتضاعف حين نشاركها.
* طبيب نفسي من العراق
