مأثرة المحكمة الجنائية الدولية في عصر الإفلات من العقاب

15 ديسمبر 2025
15 ديسمبر 2025

ترجمة: أحمد شافعي

كان نجاحًا نادرًا للمحاكم الدولية التي تكافح في مقاومة المد المتصاعد من خروج المسؤولين على القانون.

أعني ما حدث الأسبوع الماضي حينما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية حكمًا بالسجن لعشرين عاما بحق علي محمد علي عبدالرحمن، قائد ميلشيا الجنجويد سيئة السمعة المدعومة من الحكومة التي ارتكبت إبادة جماعية في منطقة دارفور بالسودان في الفترة من 2003 إلى 2005؛ فقد رأت المحكمة أنه مذنب في سبع وعشرين تهمة بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

برغم تورط مئات المقاتلين، فإن عبد الرحمن المعروف بالكوشيب هو أول من يدان في أعمال دارفور الوحشية التي تشهد الآن مرة أخرى عنفًا مريعًا في حرب السودان الأهلية.

وقد وجهت المحكمة الجنائية الدولية اتهامات بالإبادة الجماعية وجرائم الحرب إلى عمر البشير، رئيس السودان آنذاك. ويواجه أحمد هارون، الوزير السابق، اتهامات مماثلة. لكن كلا الرجلين أفلت من الاعتقال.

حينما حاورت عمر البشير في الخرطوم سنة 2011 ـ وقد أطيح به بعد ذلك في انتفاضة شعبية سنة 2019 استولى الجيش بعده على السلطة ثم اندلعت الحرب الأهلية ـ سخر من مزاعم الإبادة الجماعية.

وقال البشير إن حكومته وحلفاءه من الميلشيات العربية حاربت المتمردين وليس شعب دارفور. وأضاف أن الغرب يفرض معايير مزدوجة، وأصر على أنه لم يقترف أي خطأ.

وفي حديث عام 2008، قال هارون، وكان مسماه الوظيفي للمفارقة هو «وزير الشؤون الإنسانية»، مثل ذلك تقريبا، إذ قال لي «إنني لست نادمًا على شيء»، ورفض مذكرة التوقيف التي تزعم أنه متواطئ في موت ما يصل إلى عشرين ألفا في دارفور قائلا: إن للمذكرة دوافع سياسية. وقال هارون: إن «ما فعلته كان مشروعا، كان ضمن مسؤوليتي، كان واجبا عليّ».

وهذه المزاعم المتغطرسة بعدم خرق أي قانون، وبعدم وجود قضية تستحق الرد عليها، وبأن كل ما تم هو «الواجب»، تكمن جميعا في لب مشكلة معاصرة هي حصانة المسؤولين الرسميين من العقاب.

فسواء كانوا مذنبين أم غير ذلك، لم يعتقد البشير أو هارون أنهما يمكن أن يواجها العدالة الدولية يومًا، وإلى اليوم ثبت أنهما كانا على حق.

وهما في هذا الاعتقاد لا يختلفان عن بنيامين نتنياهو في إسرائيل، ووزير دفاع الولايات المتحدة بيت هيجسيث وفلاديمير بوتين في روسيا.

هذا الثلاثي متهم من المحكمة الجنائية الدولية ومراقبي حقوق الإنسان التابعين للأمم المتحدة بارتكاب أعمال وحشية. وثمة مزاعم بأن كل واحد فيهم أشرف بدم بارد على أعمال قتل أو إساءة معاملة أو اختطاف جماعي لمدنيين غير مقاتلين.

والثلاثة ينكرون ارتكابهم أي خطأ إنكارًا صريحًا.

والجميع يزعمون أن أعمالهم مبررة، بغض النظر عما يمكن أن يقوله القانون أو الرأي العام أو اللياقة الأخلاقية. وكلهم يعتقدون بصلف أنهم فوق القانون.

يقاتل نتنياهو على جبهات عدة لإنقاذ مسيرته المهنية ولاجتناب السجن؛ فسمعته الشخصية، شأن غزة نفسها، حطام. ويريد رئيس وزراء إسرائيل باسم «المصلحة الوطنية» إيقاف محاكمته المطولة أمام دائرة بالقدس في اتهامات بالاحتيال والرشوة. ويزعم أنه يفضل إثبات براءته، لكنه في بادرة شهامة وإيثار للمصلحة العامة، وطلبا لمداواة البلد من انقساماته، لا يمانع في القبول بعفو.

يا للوقاحة! فطالما استغل نتنياهو نفسه هذه الانقسامات نفسها استغلالًا انتهازيًا في التشبث بالسلطة. وفي صلف بالغ، يقاوم أيضا إجراء تحقيق كامل مستقل في إخفاقات حكومته الأمنية الكارثية السابقة على هجمات حماس في السابع من أكتوبر سنة 2023. ويتهمه السياسي المعارض أفيجدور ليبرمان وآخرون بتدبير عملية «غسيل سمعة» للنجاة بنفسه.

لكن سعي نتنياهو الوضيع للتهرب من المثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بشأن غزة ـ حيث حكومته متهمة بارتكاب إبادة جماعية ـ هو الأكثر إبرازا للضرر المميت لإفلات المسؤولين من العقاب. فبدلا من الدفاع عن نفسه أمام المحكمة، يختبئ نتنياهو وراء ثياب دونالد ترامب في واشنطن أو يتوارى في بيته هربا من الاعتقال. وفي غزة، في هذه الأثناء، يستمر الأطفال الجياع في المعاناة بأوامر منه.

ولو أن هيجسيث، جندي البنتاجون الجديد، استبدل بسرواله الضيق للغاية زيًا أوسع، فلعله يشعر بقدر أقل من الدموية.

فقد أقنع نفسه بطريقة ما بأن قتل عشرات من البشر غير محددي الهوية على قوارب في البحر الكاريبي، لمجرد الاشتباه في تهريبهم المخدرات، أمر مرغوب وقانوني، وليس عملًا وحشيًا غير مسموح به.

ثمة تبريرات واهية كثيرة مطروحة؛ إذ تقول الولايات المتحدة إنها حصلت على «معلومات» تثبت مزاعمها (وإن لم تحصل عليها من بريطانيا التي تستاء من القتل غير القانوني وترفض المساعدة فيه). وتذهب إلى أن الضحايا ـ الذين يعتبرون منتمين إلى «منظمات إرهابية أجنبية» ـ أهداف مشروعة. وللقضاة والمحامين أن يقولوا ما يشاءون. ففي نظر هيجسيث، سفاح ترامب المتأنق، لا قيمة إلا لرأي رجل واحد.

يعتقد هو وترامب أن بوسعهما أن يفعلا ما يحلو لهما وأن أحدا لن يحاسبهما. وحينما ظهر فيديو للناجين من ضربة أمريكية وهم يتعرضون للقتل العمدي في ضربة ثانية، بدأ أعضاء في الكونجرس يطرحون أسئلة متأخرة. ولا يلتزم البنتاجون بالصراحة. ومن يبالي؟ الرئيس نفسه لا يبالي. فقد أعلن دونالد ترامب في الأسبوع الماضي أن أي شيء يفعله هيجسيث «هو مقبول عندي».

وهكذا يكون شكل الحصانة من العقاب. وهذه هي نهاية سيادة القانون أمام أعيننا. وهذه هي أقوى دولة في العالم تقول إنها لم تعد تحترم القواعد الأساسية التي تحافظ ـ لأهميتها البالغة مهما كان عوارها ـ على تماسك المجتمع الإنساني.

وقبالة ساحل فنزويلا، تبدو القوات الأمريكية ـ التي تقتل كيف تشاء وتستولي على حاويات النفط ـ أشبه بالقراصنة الصوماليين في القرن الأفريقي أو بالمتمردين الحوثيين في اليمن إذ يطلقون الصواريخ عشوائيا على السفن في البحر الأحمر. فالحصانة من العقاب تنشر الفوضى.

ولا عجب في أن بوتين ـ وهو جبار آخر هارب من المحكمة الجنائية الدولية ـ يرى أنه هو الآخر يمكن أن يفلت بالقتل. بل إن ترامب في خطة سلامه سيئة السمعة المؤلفة من ثمان وعشرين نقطة طلب الحصانة من المقاضاة للزعيم الروسي. وهو أيضا يحاول تدمير المحكمة الجنائية الدولية بالعقوبات.

فأي مثال تضربه الولايات المتحدة الآن؟ كيف يمكن أن تستمر بريطانيا وأوروبا في التظاهر بأن الولايات المتحدة حليف أو حتى صديق مماثل التفكير؟

إن قوات دونالد ترامب الخارجة على القانون، القاتلة، ممارسة النهب في الخارج كما في الداخل، هي ميلشيا الجنجويد الجديدة. وشأن علي الكوشيب، لا بد من يوم يمثل فيه ترامب ونتنياهو وبوتين وهيجسيث وكل القتلة الباسمين الآخرين للحساب أمام القضاء.

سيمون تيسدال من كتاب الرأي في صحيفة ذي جارديان