لقد أخطأ ترامب خطأ فادحا بشأن إيران

23 مارس 2026
23 مارس 2026

فيل كلاي

ترجمة: أحمد شافعي

عندي مشكلات كثيرة مع الحرب التي خدمت فيها قبل عقدين من الزمن، فقد كانت حرب العراق سيئة التخطيط، متغطرسة، شاب البؤس قيادتها على أعلى المستويات. لكني أعلم لماذا شاركت فيها. فما الذي يتصور جنودنا الآن أننا نحاول تحقيقه في إيران؟

لقد تضاربت تبريرات الحرب تضاربا مذهلا. فلعل الحرب تتعلق بتغيير النظام، أو بالبرنامج النووي الإيراني، أو بأهداف عسكرية ضيقة تتمثل في إضعاف القدرات الصاروخية البالستية وقدرات المسيرات، أو ربما كانت تتعلق بأن إسرائيل أوشكت على مهاجمة إيران فكان يمكن أن نتعرض لخطر، أو لأن الولايات المتحدة كانت عرضة لتهديد ملح من إيران، أو لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، أو لأي سبب آخر.

ولعلها ليست بحرب أصلا. فلعلها «نزهة ترمي إلى تجنيبنا الحرب»، أو لعلها غزوة، أو لعلها محض «نزهة بسيطة». فقد لا يكون في أمريكا الرئيس ترامب إلا جنسان من البشر، أما مغامراتنا العسكرية فلها أن تختار لنفسها الهوية التي تشاء.

لعل ما نريده هو «استسلام غير مشروط»، ولكن «الاستسلام غير المشروط» أمر قد لا يوجد إلا في ذهن الرئيس، بغض النظر عما لو كان أعداؤنا قد استسلموا بالفعل. ولعل الحرب «محصورة إلى حد كبير»، أو لعله يجب على الأمريكيين في المنطقة أن يرحلوا عنها. وقد تشارك وقد لا تشارك في الحرب قوات برية.

ومع ذلك، فقد شاهدت فيديو نشره البيت الأبيض تظهر فيه مجموعة من أهداف لعبة البولنج الغاضبة الملوحة بالبنادق المكتوب عليها «مسؤولو النظام الإيراني» إذ تضربها كرة بولنج ملونة بألوان العلم الأمريكي تتحول إلى طائرة، ويعقبها تصوير قتال حقيقي لغارات جوية أمريكية، فأدركت أن ثمة منطقا واحدا لهذه الحرب يظل واضحا ومتسقا: وهو ابتهاج الإدارة بعروض العنف والسيطرة.

ومقطع الفيديو هذا محض واحد من مقاطع ترويجية كثيرة نشرها البيت الأبيض عبر حسابات مواقع التواصل الاجتماعي احتفاء بالحرب من خلال خلط صور الموت والدمار بلقطات من ألعاب فيديو أو لقطات من مباريات رياضية. لقد أعلن الرئيس أن مسؤولين عسكريين أخبروه بأن «إغراق [السفن] أمتع كثيرا» من الاستيلاء عليها، وقال وزير الدفاع بيت هيجسيث مبتهجا «إننا نضربهم وهم ضعفاء، وذلك بالضبط ما يجب أن يكون». وأعلن ستيفن ميلر مساعد ترامب أن حرب إيران قد أظهرت جيشا «لا يقاتل مغلول الأيدي».

وفي مؤتمر صحفي آخر ازداد هيجسيث في إيضاح هذا الاستعراض الذكوري العسكري فقال إنه «ما من قواعد غبية للاشتباك، وما من مستنقع إقامة دولة، وما من ممارسة لإقامة الديمقراطية، وما من حرب صائبة سياسيا».

يبحث أولئك الرجال الذين يريدون إرجاع أمريكا إلى سابق عظمتها عن قطيعة واضحة مع الحرب العالمية على الإرهاب. ولقد بدأت تلك الحرب بخطاب جليل عن الديمقراطية والحرية لكنها أفضت إلى سنين من الحرب الأهلية والفوضى وتضخم في صفوف الجماعات الإرهابية وأزمة لاجئين، كما أفضت في أفغانستان إلى فشل ومذلة تامين. وما لا يدركه أولئك الرجال في ما يبدو، أو ما لا يبدو أنهم يكترثون لأمره، فهو أن استعمالهم لغة القوة الغاشمة يمثل قطيعة أساسية مع التقاليد الأمريكية المتعلقة بالحرب والتي ترجع إلى عهد الثورة.

والحديث المتباهي عن الحرب قديم قدم الحرب ذاتها. فقد تباهى ملك أشوري بقوله إن «عجلات مركبتي الحربية تلطخت بالتراب والدم. وبأجسام مقاتليهم ملأت السهل كالعشب». أما آباء أمريكا المؤسسون فقد أكدوا مبادئ مطلقة تجعل هذا الموقف بعيدا عن التخيل. فلو أنكم لا تؤمنون فقط بأن كل الناس سواسية ولكنكم تؤمنون أيضا بأن الحكومات تستمد سلطاتها من رضا المحكومين، فلا يمكن تبرير الحرب بأنها محض استعراض للسلطة والهيمنة.

وفي خطابه أمام القوات، استعرض جورج واشنطن صورة العنف لا باعتبارها مشهدا ممتعا وإنما بوصفها أهوالا يجب احتمالها، بدءا بـ«المرتزقة الذين يقاتلون من أجل الطموح غير المشروع والنهب والدمار» وحتى من يريدون إبقاء أمريكا الثورية «في البؤس والعبودية»، ولما بلغته أنباء وحشية البريطانيين، كتب واشنطن أن «قسوتهم المفرطة تنال من قضيتهم بدلا من أن تنفعها، وهذا، إلى جانب صبرنا، يضمن لنا ولاء كل الصالحين».

وبالمثل، استعمل أبراهام لينكولن بحذر مكانة الرئاسة الرفيعة خلال الحرب الأهلية ليوضح حزم الغرض الأخلاقي الذي يتجاوز نجاح الأهداف العسكرية ويرمي إلى مصالحة تامة مع الجنوب. وبدلا من الخطاب الرنان، يشير لينكولن في خطاب تنصيبه الثاني إلى أن الرب «كتب على كل من الشمال والجنوب هذه الحرب الرهيبة» عقابا مشتركا على شر العبودية، ويعلن أنهم لا بد أن يستمروا «دونما ضغينة تجاه أحد، وبمحبة للجميع، وبثبات على الحق بما يهبنا الله من رؤية للحق».

وفي جيتسبرج، صور الحرب باعتبارها اختبارا لتأسيسنا الوطني «القائم على الحرية، والمكرس لمبدأ التساوي بين جميع الناس». وهكذا عبر الحروب الجيدة والرديئة، وسواء أكان الرئيس هو وودرو ويلسن إذ يدخل الحرب العالمية الأولى لأنه «لا بد من تأمين العالم للديمقراطية» أو كان الرئيس هو جورج دبليو بوش في غزوه «من أجل نزع سلاح العراق، وتحرير شعبه، والدفاع عن العالم في مواجهة الخطر»، كان القادة الأمريكيون يسعون إلى تبرير حروبنا بأهداف تتماشى مع فلسفتنا السياسية التأسيسية.

وليس هذا محض كلام يقال، وإنما هو رؤية أساسية للسلطة ولعلاقتها بالعنف إذ تتحول إلى استراتيجية. فلو أن الحرب هي السياسة لكن بوسائل أخرى، ولو أن كل الحكومات تقوم على الرأي، مثلما تشير (الأوراق الفيدرالستية) [وهي 85 مقالة كتبها ثلاثة آباء مؤسسين لدعم الدستور الأمريكي ـ المترجم]، فالنتيجة النهائية للحروب لا تكون فقط مسألة النجاح العسكري وإنما الأثر بعيد المدى لاستعمال العنف على الشعوب المتحاربة. ولقد نبه المنظر العسكري كارل فون كلوزفيتش قبل قرنين من الزمن إلى أن «القرار النهائي لحرب كاملة لا يعد دائما قرارا مطلقا، إذ كثيرا ما تراه الدولة المهزومة شرا عابرا يمكن إصلاحه بمرور الوقت من خلال التحالفات السياسية».

لقد أراد جورج واشنطن أن يضمن ولاء الصالحين لأنه لم يشأ ببساطة أن يسيطر على البريطانيين، وإنما كان يريد تأسيس أمة. وألقى لينكولن خطاب تنصيبه الثاني الرصين بدلا من خطاب طنان على غرار خطابات هيجسيث يستنزل الموت مطرا على المتمردين، وذلك لأنه كان يريد العلاج للأمة. وانتصارنا في الحرب العالمية الثاني لم يتحقق فقط بالقنبلة الذرية ولكنه تحقق أيضا بخطة مارشال وبالتزام دام عقودا بتسخير الرجال والموارد لإقامة الديمقراطية في اليابان وألمانيا.

وحتى حروب أمريكا الفاشلة كانت لها أهدافها المثالية، من قبيل حربي فيتنام والعراق، وكانت هزائمنا في الغالب تتعلق بالعجز عن الفهم التام لما للشعوب البلاد الأخرى من مشاعر ومثل خاصة بهم قد لا تكون انعكاسات لرغباتنا، فهم لا يريدون ما نريد لهم أن يريدوه، ولا يكرهون ما نريد لهم أن يكرهوه.

وحينما تكلم ستيفن ميلر عن قواتنا التي لا تقاتل مغلولة الأيدي، كان يشير إلى أسطورة شائعة في أوساط المحافظين عن حرب فيتنام، مفادها أننا كان يمكن أن ننتصر لو أننا تحلينا بقدر أقل من ضبط النفس. لقد أسقطنا ملايين الأطنان من القنابل وتسببنا في وفاة أكثر من مئة ألف مدني، لكننا لو اتبعنا سياسة الأرض المحروقة وقتلنا مليونا من البشر، ربما كان الفيتناميون أحبونا ورضوا بمن نفرض عليهم من الحكام. ولكن كل من يأخذ مثلنا التأسيسية مأخذ الجد يعلم أن هذا ضرب كريه من الحماقة.

ومع ذلك، يبدو أن ذلك الموقف هو ما يوجه الإدارة الحالية. فقد قال ميلر للمذيع جيك تابر في (سي إن إن) عقب اختطافنا الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو «إننا نعيش في العالم، في العالم الحقيقي، يا جيك، وهو عالم تحكمه القوة». وهذه رؤية للعالم يبدو أنها الموجهة لكل من سياسته الخارحية ولتعامله مع خصومه السياسيين على المستوى المحلي، وحسبكم أن تتأملوا استعراض الإدارة الكريه للقوة في مينيابوليس الذي انتهى بعار مقتل مواطنين أمريكيين.

وهذا تحديدا هو شكل العالم الذي قال فرانكلين ديلانو روزفلت للأمريكيين إننا لا بد أن نسلّح حلفاءنا في أوروبا كي نتفاداه ممثلا في «حقبة كريهة جديدة يدار فيها العالم كله، ومنه نصف الكرة الأرضية الذي نعيش فيه، بالتهديد باستعمال القوة».

قد يفضي الاعتماد على القوة الغاشمة إلى العمى. وفي أحد التعليقات واضحة الدلالة زعم وزير الدفاع هيجسيث أننا وقد سيطرنا على المجالين الجوي والبحري الإيرانيين فإننا «نسيطر على مصيرهم» وإن «شروط هذه الحرب سوف تتحدد عن طريقنا في كل خطوة». ويجدر برجل خاض حرب العراق شأن هيجسيث أن يكون أكثر وعيا. فالعدو دائما يكون له رأي، وحتى بعد حملة منتصرة، قد يكون أثر الحرب على الشعب معقدا، وغير مرغوب فيه، وكارثي العواقب في بعض الأحيان.

ولو أننا نرى الأمم المعادية لا باعتبارها مجموعة متراكمة من أعداء ألعاب الفيديو الواجب إخضاعهم بقوة نيراننا الهائلة ومنشوراتنا الساخرة على الإنترنت، وإنما بوصفها بلادا مركبة مليئة بالبشر، فإن هذا يبدو واضحا. ولكن هذا العجز هو بالذات ما يفسر العجز غير القابل للتفسير لدى إدارة ترامب عن استشراف العواقب المحتملة الواضحة للعمل العسكري في إيران.

في فبراير، أشار وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت إلى أن «أجندة ترامب للسيطرة على الطاقة» تعني أن أمريكا لا يجب أن تقلق من اضطرابات سوق النفط في حال اندلاع حرب مع إيران. والآن يحاول الرئيس أن يزعم أن أسعار الوقود المرتفعة خير لأمريكا، مع حثه ناقلات النفط على «إبداء بعض الشجاعة» والإبحار في مضيق هرمز، وإيران التي تستطيع سفنها عبور المضيق تبيع من النفط أكثر مما كانت تبيع قبل الحرب.

بعد أن وسعت إيران الحرب بضرب أهداف في الشرق الأوسط، اعترف هيجسيث قائلا «لا يمكنني القول إننا تنبأنا بالضرورة بأنهم سيتصرفون على هذا النحو» وذهب روبرت بيب ـ خبير حملات القصف الاستراتيجية ـ إلى أن القوة الجوية بدون قوات برية لم تؤد قط إلى نتيجة إيجابية في تغيير نظام حاكم. غير أن إدارة ترامب حثت الشعب الإيراني على انتهاز الفرصة والسيطرة على البلد، وبدا أنها فوجئت تماما حينما قام النظام الإيراني، بدلا من «الحديث الحاد» بانتخاب قائد جديد متشدد، في حين هدد رئيس الأمن في النظام الإيراني ـ الذي لقي مصرعه بعد ذلك ـ بتحويل مضيق هرمز إلى «مضيق الهزيمة والمعاناة على مثيري الحروب».

دون غرض أخلاقي أو سياسي واضح، لا يبقى لدينا إلا ما يصفه المحلل العسكري فرانز ستيفان جادي بمفارقة «استراتيجية الضرب» التي نتخلى فيها عن البراعة التكتيكية ونستبدل بها التصميم الاستراتيجي الشامل. إذ يكتب أن هذه النزعة «تترسخ بقوة الثقافة السياسية التي تستوجب استعراضا تليفزيونيا للقوة العسكرية».

والحقيقة أنني لا أجد تسلية. وبرغم أن مثلي تضررت وتأذت، وبخاصة بسبب الحرب التي شاركت فيها بعد فترة وجيزة من أول مهمة شارك فيها هيجسيث، فإنني لا أزال على إيماني بمبادئ الدستور الذي أقسمت عليه قبل عشرين سنة. فهي مبادئ مطلقة، لا وطنية، ويجب أن تكون مانعة لنزعة الغطرسة الأمريكية إلى الظن بأننا قادرون على السيطرة على الآخرين بقوة محضة من البأس العسكري.

ومثلما أدرك جورج واشنطن تمام الإدراك، تمثل الحرب «طاعونا للإنسانية» حتى حينما تمضي على ما يرام وتكون الأهداف التي نضربها جميعا أهدافا عسكرية. فقد يكون البحار الإيراني المبتدئ على متن سفينة قبالة سواحل سريلانكا مجندا. بل إنه قد يكون كارها للنظام الذي قتل آلافا من إخوانه الإيرانيين في الوطن، ولكنه يشعر بالعجز عن إسقاطه. وهو شأن أي مواطن أمريكي نال من الخالق حقوقا مطلقة.

في بعض الظروف، قد ينتهي هذا المجند إلى أن يكون هدفا عسكريا مشروعا، ولكنه سيكون هدفا لا يجب استهدافه إلا للضرورة في حرب ذات مبرر أخلاقي واضح، وليس شخصا تقتله لأن تفجير السفن «ممتع». وهذه ليست حربا نظيفة بحال. فقد عمد هيجسيث ـ الذي ناصر المتهمين بارتكاب جرائم حرب وتحامل على «قواعد الاشتباك الغبية» ـ إلى تقليص قرابة 90% ممن يعملون في البنتاجون من أجل ضمان عدم إلحاقنا أضرارا غير مقصودة بالمدنيين. فلا يجب أن نندهش من أن مؤشرات البنتاجون الأولية توضح أننا في أول أيام هذه الحرب الاختيارية قد ضربنا مدرسة فقتلنا أطفالا قتلا جماعيا. كما لا يجب أن نندهش إن ساعدت مثل هذه الأفعال في تعزيز الدعم للنظام الإيراني الذي طالما كانت أكبر نقاط ضعفه هي احتقار الشعب الإيراني له.

لقد خذلتنا سياسية أمريكا العسكرية في العقود الماضية، لكن لا أعتقد أن الحل هو القطيعة الحادة مع التقاليد الأمريكية على طريقة إدارة ترامب. فلا أزال أومن بالمعتقد المحافظ بأن المثل العليا التي نجدها في تاريخنا يمكن أن تهدينا. ولقد كان كبار قادتنا في أزمنة الحرب يرون أننا لا يجب أن نخوض حربا إلا للضرورة القصوى، وإننا يجب أن نوضح أهدافا أخلاقية وسياسية واضحة تهدي استراتيجيتنا، وإننا يجب أن نتعامل مع إراقة الدماء بالجدية الجديرة بها.

والقوة لا تنبع من فوهة البندقية، والقسوة ليست القوة، والسياسة القائمة على هذه الأفكار تعد بالخراب والأوهام المتعلقة بحدود قوتنا والتنكر لوعد تأسيسنا.

فيل كلاي روائي من قدامى المحاربين في حرب العراق ضمن قوات المارينز.

خدمة نيويورك تايمز