لا تيأسوا من النظام العالمي.. أمريكا قادرة على ترميمه

09 يونيو 2026
09 يونيو 2026

لا يكاد الأمريكيون يتفقون هذه الأيام على شيء في السياسة والعلاقات الدولية، غير أن توافقًا متزايدًا بدأ يتشكل حول فكرتين أساسيتين: الأولى أن النظام العالمي الليبرالي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، واستند إلى تحالفات تقودها الولايات المتحدة، ومؤسسات متعددة الأطراف، وتجارة مفتوحة نسبيا، ودفاع عن قواعد مثل سيادة الدول وعدم الاعتداء وحرية الملاحة قد انتهى فعليا. والثانية أن إعادة تشكيل هذا النظام من جذوره أصبحت أمرا لا مفر منه؛ لأن الدور الأمريكي في الحفاظ عليه صار عبئا غير قابل للاستمرار.

هذه القراءة تبدو مغرية، لكنها خطرة؛ فهي تفترض أن النظام القديم مات، وأن موته لن يترك فراغا مؤلما. صحيح أن دونالد ترامب لا يؤمن بنظام عالمي تقوده الولايات المتحدة ويستند إلى القواعد، وصحيح أن سياساته تلحق ضررا كبيرا بهذا النظام، لكن الاستنتاج بأن القيادة الأمريكية المسؤولة لم تعد ممكنة بعد ترامب سابق لأوانه. وسيكون أشد خطأ الاعتقاد بأن العالم لن يفتقد النظام الذي قادته الولايات المتحدة إذا اختفى. وباستعارة عبارة ونستون تشرشل عن الديمقراطية يمكن القول: إن النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة ربما كان أسوأ الأنظمة الممكنة باستثناء كل البدائل الأخرى التي جربها العالم.

قد يشكك كثيرون -وربما بحق- في مدى وجود نظام ليبرالي قائم على القواعد أصلا؛ فالقواعد كثيرا ما جرى تطويعها أو كسرها أو تجاهلها، وفي أحيان كثيرة من قبل الولايات المتحدة نفسها. وقد أقر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس عام 2026 بأن فكرة النظام القائم على القواعد كانت دائما «زائفة جزئيا»؛ لأن القوى الكبرى كانت تستثني نفسها حين يناسبها ذلك، ولأن قواعد التجارة والقانون الدولي طبقت بصورة غير متكافئة، لكنه أقر أيضا بأن هذا النظام كان صحيحا جزئيا؛ فقد وفرت الهيمنة الأمريكية على مدى ثمانية عقود منافع عامة للعالم، وممرات بحرية مفتوحة، ونظاما ماليا مستقرا، وأمنا جماعيا، وأطرا لتسوية النزاعات. والأهم أن الولايات المتحدة تبنت على نحو غير مسبوق بين القوى الكبرى فكرة أن مصلحتها الوطنية تتحقق حين تكون دول أخرى أكثر أمنا وازدهارا وحرية. وهذه الرؤية منحت دولا كثيرة مصلحة في دعم القيادة الأمريكية والنظام الذي جاءت به.

لقد شاب النظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية حروبا ومظالم وعدم مساواة ونفاق. لكنه في الوقت نفسه وفّر الأساس لأكثر فترات التاريخ الحديث استقرارا وأمنا وازدهارا. وقد حدث ذلك؛ لأن كل رئيس أمريكي قبل ترامب آمن بهذا النظام، ودافع عنه، وامتلك دعما شعبيا كافيا للاستمرار فيه. لذلك ينبغي للرئيس الأمريكي الذي يأتي بعد ترامب أن يسعى إلى تحديث هذا النظام وتحسينه وإقناع الأمريكيين بقيمته، لا إلى القبول بزواله أو المساهمة في هدمه.

ثمة مزحة شهيرة في فيلم «حياة برايان» لمونتي بايثون حين يسأل ريج عضو جماعة مقاومة يهودية في زمن الرومان، رفاقه: «ماذا فعل الرومان لنا؟». فيبدأون بتعداد قنوات المياه، والصرف الصحي، والطرق، والري، والطب، والتعليم، والنظام العام، وحتى النبيذ. فلا يجد إلا أن يقول: «باستثناء الصرف الصحي والطب والتعليم ماذا فعل الرومان لنا؟». يمكن إطلاق نكتة مشابهة على منتقدي القيادة الأمريكية الذين يتجاهلون فوائدها: باستثناء منع حرب بين القوى الكبرى للمرة الأولى في التاريخ، وفتح الممرات البحرية، والحد من الانتشار النووي، وتعزيز ازدهار غير مسبوق، ودفع الديمقراطية، ومنح الولايات المتحدة مزايا التفوق العالمي؛ ماذا فعل النظام الذي قادته أمريكا للأمريكيين؟

هذا لا يعني تجاهل صراعات العقود الثمانية الماضية ومظالمها ونفاقها، لكنه يضع تلك المرحلة في سياقها التاريخي؛ ففي الثمانين عاما التي سبقت عام 1945 خاضت القوى الكبرى حروبا متكررة ومدمرة، وقتلت الحربان العالميتان وحدهما نحو مائة مليون إنسان. وبالمقارنة تبدو السنوات الثمانون الماضية أفضل بكثير. ويرجع «السلام الطويل» بعد الحرب العالمية الثانية جزئيا إلى الردع النووي، وإلى حقيقة أن التكنولوجيا العسكرية الحديثة تجعل الحرب بين القوى الكبرى كارثية، لكنه يرجع أيضا إلى الوجود العسكري الأمريكي، والتحالفات، والاتفاقيات الدفاعية التي ردعت العدوان الإقليمي وحروب القوى الكبرى التي كانت مألوفة في السابق.

وينطبق الأمر نفسه على منع الانتشار النووي؛ فقد حذر جون كينيدي عام 1963 من احتمال ظهور 15 إلى 25 دولة نووية بحلول سبعينيات القرن الماضي، وكان ذلك احتمالا واقعيا، لكن ذلك لم يحدث؛ لا لأن المعرفة أو المواد النووية كانت غير متاحة، وإنما لأن الولايات المتحدة قدمت ضمانات أمنية لكثير من الدول التي كان يمكن أن تفكر في الخيار النووي، وأنشأت مؤسسات تمنع الخصوم المحتملين من الوصول إلى هذه القدرات. لم يكن النظام مثاليا؛ فقد طورت خمس دول أسلحة نووية بعد تحذير كينيدي، لكنه ردع دولا أخرى أو حفزها على عدم السير في هذا الطريق. وربما لا يقود انتشار الأسلحة النووية بالضرورة إلى استخدامها أو وقوع حوادث أو تهديدات إرهابية، لكنه رهان لا يستحق المجازفة.

كما ساعد النظام الدولي الليبرالي، عبر الضمانات الأمنية الأمريكية في أوروبا وآسيا، والممرات البحرية المفتوحة، ومؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية في تحقيق أكبر توسع في الازدهار العالمي في التاريخ. قد يقول المنتقدون: إن هذا النظام خدم الولايات المتحدة والدول الصناعية المتقدمة أساسا، وإن ثماره توزعت بصورة غير عادلة، لكن الناتج المحلي الإجمالي العالمي زاد منذ عام 1945 بأكثر من عشرة أضعاف، وتضاعفت متوسطات الدخل ثلاث مرات، وانخفضت نسبة البشر الذين يعيشون في فقر مدقع من قرابة 60 بالمائة عام 1950 إلى نحو عشرة بالمائة عام 2025. وانتُشل أكثر من مليار إنسان من الفقر، واتسعت الطبقة الوسطى العالمية لتضم أكثر من نصف سكان العالم، وارتفع متوسط العمر المتوقع من 46 عاما عام 1950 إلى 73 عاما عام 2024. لا يمكن نسب كل ذلك إلى النظام الأمريكي وحده، لكنه وفر شروطا استثنائية لحدوثه.

وساعدت القيادة الأمريكية أيضا في أكبر توسع عرفه العالم في الحرية الفردية والديمقراطية. ففي عام 1945 كان معظم سكان العالم يعيشون تحت أنظمة سلطوية، وبحلول التسعينيات أصبح أكثر من نصف دول العالم ديمقراطيا، وبحلول عام 2016 بلغت النسبة ست دول من كل عشر. وحتى مع التراجع الديمقراطي في العقد الماضي يبقى العالم أكثر ديمقراطية من أي مرحلة سابقة. لقد استخدمت الولايات المتحدة قوتها أحيانا بأنانية، لكنها قدمت نموذجا ومساحة لتعزيز المجتمعات المفتوحة، وسيادة القانون وحقوق الإنسان.

قد يسلّم بعض منتقدي النظام الأمريكي بأنه خدم العالم، لكنهم يرون أنه استنزف موارد الولايات المتحدة. وقد بنى ترامب حملته عام 2024 على سردية الضعف الأمريكي والتراجع العالمي، وبدا أن كثيرا من الناخبين صدقوه، إلا أن هذه الفرضية لا تصمد أمام التدقيق؛ فقد تفوق النمو الاقتصادي الأمريكي في العقدين الماضيين على نمو الدول الغنية الأخرى، وكان الاقتصاد الذي ورثه ترامب موضع وصف مجلة «الإيكونوميست» بأنه «موضع حسد العالم». وأصبح الناتج المحلي الأمريكي أعلى بأكثر من 40 بالمائة من اقتصاد الاتحاد الأوروبي، وأكثر من سبعة أضعاف الاقتصاد الياباني. كما تراجعت التوقعات التي كانت تقول: إن الصين ستتجاوز الولايات المتحدة قريبا، بعدما انتهت مرحلة النمو الصيني ذي الرقمين وظهرت تحديات ديموغرافية وضعف في الاستهلاك وتضخم في سوق العقارات. أما الاقتصاد الروسي فقد أضعفته العقوبات وضوابط التصدير وأكثر من أربع سنوات من الحرب إلى حد كبير. ورغم مشكلات أمريكا الحقيقية، مثل اتساع عدم المساواة وارتفاع الدين؛ فإنها لا تزال تمثل 26 بالمائة من الناتج المحلي العالمي، وهي أعلى حصة لها منذ نحو عقدين.

وتؤكد مقاييس أخرى قوة واشنطن؛ فالقوة العسكرية الأمريكية تتفوق على أي دولة أخرى، وميزانيتها الدفاعية تزيد على ثلاثة أضعاف ميزانية الصين، وتتجاوز مجموع أكبر عشرة منفقين عسكريين بعدها. وتتصدر الولايات المتحدة إنتاج النفط والغاز عالميا، وتهيمن شركاتها التكنولوجية على الأسواق، وتتفوق في الذكاء الاصطناعي. كما يستخدم الدولار في قرابة 90 بالمائة من معاملات الصرف الأجنبي، ويشكل نحو 60 بالمائة من الاحتياطيات العالمية، ما يمنح واشنطن قدرة واسعة على فرض العقوبات، وتجميد الأصول، وتمويل العجز. لذلك فإن فكرة أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على القيادة العالمية، أو أن هذه القيادة لم تخدمها لا تسندها الوقائع.

ومع ذلك تعرّض النظام الذي تقوده الولايات المتحدة لانتقادات متزايدة من اليمين واليسار. فاليمين الذي كان أمميا في السابق، ثم أصبح خاضعا لنفوذ الترامبية وشعار «أمريكا أولا» يرى أن نخب السياسة الخارجية أهدرت الدم والمال سعيا إلى هيمنة أمريكية دائمة على العالم. ويرى ترامب العالم بمنطق صفري، ويعامل التحالفات بوصفها أدوات يستغل بها الحلفاء الولايات المتحدة، لا بوصفها مضاعفا للقوة. أما على اليسار فثمة نقد يرى أن تاريخ هذا النظام كان تاريخ هيمنة غير ضرورية، وإنفاق دفاعي مفرط، وتدخلات عسكرية فاشلة، ونفاق، وإهمال لحقوق الإنسان. وكثير من التقدميين يقرون بالتحديات التي يطرحها خصوم أمريكا، لكنهم يحمّلون السياسات الأمريكية قدرا كبيرا من المسؤولية، ويرون أن الإنفاق الدفاعي شجع الحلفاء على الاتكال على واشنطن، وجاء على حساب العمال الأمريكيين، وأن القواعد الأمريكية في الخارج وفرت أهدافا لأعداء الولايات المتحدة بقدر ما ردعتهم.

تختلف هاتان المدرستان في أشياء كثيرة، لكنهما تلتقيان عند فكرة أن النظام الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة لم يعد يخدم مصلحتها. كما تتعاملان مع فوائد القيادة الأمريكية بوصفها أمرا مسلما به، وتتجاهلان الأخطار التي ستظهر إذا تخلت واشنطن عنها. وسيكون الخطر الأكبر في عالم بلا الولايات المتحدة القوية والملتزمة بالحلفاء والقواعد هو انخفاض كلفة العدوان وارتفاع احتمال الصراعات الكبرى. وكما أظهرت الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022؛ فإن الغزو الإقليمي المباشر لم يختف، وسيكون من السذاجة الاعتقاد أن الدول الطموحة أو القلقة لن تستغل تراجع القوة العسكرية الأمريكية والتزاماتها الأمنية.

إذا أصبح الالتزام الدفاعي الأمريكي في أوروبا مشروطا، وجرى تقليص القوات الأمريكية فستكون القارة أقل أمنا، وقد تعتقد روسيا أنها قادرة على عدوان جديد يتجاوز أوكرانيا. وإذا ضعفت الالتزامات الأمريكية في المحيطين الهندي والهادئ فقد يفشل الردع في اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان. وكانت حرب ترامب الاختيارية في إيران متهورة، لكن انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، وترك خصومها لموازينهم الخاصة لا يضمنان السلام، ولا يعفيان أمريكا من العواقب.

وستكون المنافع العامة الحيوية، مثل الممرات البحرية المفتوحة، معرضة للخطر؛ فمنذ الحرب العالمية الثانية تبنت الولايات المتحدة مبدأ حرية الملاحة، وبنت قوة بحرية لإنفاذه. وقد ذكّر إغلاق إيران مضيق هرمز في فبراير 2026 ردا على الهجمات الأمريكية العالم بأهمية هذا الدور؛ إذ ارتفعت أسعار الوقود والسلع بسرعة، وصعدت أسعار البنزين في أمريكا بنسبة 50 بالمائة خلال أسابيع، واضطرت بعض الدول الآسيوية إلى تقليص أسبوع العمل بسبب نقص الوقود، وواجه مزارعون في أفريقيا ومناطق أخرى نقص الأسمدة، وهدد التضخم وأسعار الفائدة الاقتصاد العالمي. وإذا تخلت الولايات المتحدة عن حرية الملاحة أو عن وسائل إنفاذها فستصبح ممرات مثل مضيق ملقا وبحر الصين الجنوبي وقناة السويس عرضة للهيمنة أو الصراع. والانخفاض بنسبة واحد بالمائة في الناتج الأمريكي -وهو احتمال وارد عند إغلاق ممر بحري رئيس- سيكلف الأمريكيين أكثر من 300 مليار دولار في عام واحد، أما ضربة مماثلة للاقتصاد العالمي فستكلف أكثر من 10 تريليونات دولار.

كما لا يمكن افتراض أن كابوس كينيدي بشأن الانتشار النووي سيبقى تحت السيطرة؛ فالشكوك المتزايدة حول الالتزامات الأمنية الأمريكية قد تكون مهدت بالفعل لموجة جديدة. أكثر من 75 بالمائة من الكوريين الجنوبيين يؤيدون تطوير ترسانة مستقلة، وبولندا طرحت الفكرة، وألمانيا تسعى إلى تعاون نووي مع فرنسا وبريطانيا، والسعودية قالت منذ عام 2018: إنها ستطور سلاحا نوويا إذا فعلت إيران ذلك، وتركيا ودول أخرى في المنطقة قد تفكر في الأمر نفسه، وحتى اليابان بدأت تناقش الحاجة إلى رادع مستقل. وسوء إدارة ترامب للحرب في إيران لا يغير حقيقة أن الجمهورية الإسلامية ربما كانت ستنتج سلاحا نوويا منذ زمن لولا القدرة الأمريكية على منعها.

يميل منتقدو النظام الأمريكي إلى التقليل من هذه المخاطر آملين أن يملأ آخرون الفراغ إذا تراجعت واشنطن. ويظن بعضهم أن الاعتراف بمناطق نفوذ القوى الكبرى قد يمنع الصراع، غير أن الحقيقة أن لا بديل لما تقدمه الولايات المتحدة. ومن خلال التعامل مع السلام النسبي والازدهار والاستقرار بوصفها أمورا مضمونة، والتركيز على تكاليف القيادة الأمريكية وحدها يقترح هؤلاء رهانا ضخما على أن دروس القرن الماضي لم تعد صالحة.

لا توجد ضمانة بأن النظام الذي تقوده الولايات المتحدة سينجو من ترامب الذي يضرب ركائزه الأساسية، ويهدم المؤسسات والمبادئ والثقة التي يعتمد عليها. كما أن ترامب يعكس مواقف أمريكية بقدر ما يصنعها، وبعد انتخابه مرتين لا يمكن اعتبار الترامبية ظاهرة عابرة. ومن حق حلفاء واشنطن أن يستعدوا لعالم قد لا تعود فيه القيادة الأمريكية المسؤولة، لكن هذا المستقبل ليس قدرا؛ فبدلا من التسليم بأن النظام مات ينبغي للرئيس المقبل أن يذكّر الأمريكيين بقيمته، ويعترف بنواقصه، ويعرض رؤية جديدة للقيادة الأمريكية. على الولايات المتحدة بعد ترامب أن تصلح النظام الذي تقوده، لا أن تنسحب من مسؤوليات الحفاظ عليه.

الخطوة الأولى هي صفقة جديدة مع الحلفاء. ولمعالجة المخاوف المشروعة من أن نظام التحالفات القديم حمّل الولايات المتحدة أعباء غير عادلة يجب أن يقدم الحلفاء مساهمات أكبر؛ لمواجهة التهديدات المتنامية، ولجعل التحالفات قابلة للاستمرار سياسيا في واشنطن. وهذا المسار بدأ بالفعل، ومن المرجح أن يستمر؛ لأن الحلفاء يدركون الآن أن العودة إلى سياسة خارجية ترامبية يمكن أن تحدث بعد انتخابات واحدة.

كما ينبغي تحديث نظام التحالفات لمواجهة تحديات الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين: التنافس مع الصين وروسيا، وتزايد التعاون بينهما وبين إيران وكوريا الشمالية، وظهور الذكاء الاصطناعي العام، والحاجة إلى سلاسل إمداد أكثر صلابة وقاعدة صناعية دفاعية أقوى، وآثار تغير المناخ. ويمكن توسيع مجموعة السبع لتضم شركاء مثل أستراليا وكوريا الجنوبية، ومنحها تفويضا يشمل ضوابط التصدير المرتبطة بالأمن القومي، والقيود على الاستثمارات الخارجية، والرد الجماعي على الإكراه الاقتصادي. ورئيس أمريكي يعيد الالتزام بالضمانات الأمنية الصارمة، ويتعامل مع الحلفاء باحترام سيجد ترحيبا واسعا.

وسيتعين على الرئيس المقبل أيضا احترام القواعد والمؤسسات التي يدمرها ترامب. قد تكون فكرة التزام القادة الأمريكيين السابقين بالقواعد صحيحة جزئيا، لكن لم يقترب أي رئيس منهم من مستوى الخروج على القانون داخليا ودوليا الذي يظهره ترامب. ومن الطبيعي أن تستخدم القوى الكبرى النظام الدولي لمصلحتها، ولن يكون أي نظام متعدد الأطراف قادرا على ضمان احترام شامل لكل القواعد، لكن التخلي الكامل عن المؤسسات والقانون والأعراف في عالم تحكمه القوة وصفة للظلم وتجدد الصراع بين القوى الكبرى.

وسيحتاج النظام المتجدد إلى معالجة الاختلالات الاقتصادية التي أضعفت الدعم للنظام القديم. لا يمكن العودة إلى عالم يقدم العولمة والتجارة الحرة بوصفهما طريقا مضمونا للازدهار للجميع من دون الاعتراف بآثارهما السلبية مثل الاختلالات التجارية مع الصين وتراجع وظائف التصنيع في بعض المجتمعات الأمريكية، لكن التصحيح المفرط خلال العقد الماضي، وخاصة في ولاية ترامب الثانية، حوّل التجارة إلى كلمة محرمة، ورفع الرسوم الجمركية، وأضر بتدفقات التجارة، وزاد الأسعار على المستهلكين، وفشل في إعادة وظائف التصنيع، وخفض دخل المزارعين، وخلق عدم يقين اقتصادي من دون أن يغير العجز التجاري كثيرا. وسيكون على الرئيس المقبل أن يشرح للأمريكيين أن الرسوم الجمركية ضريبة تقع غالبا عليهم، وأن التكنولوجيا والإنتاجية مسؤولتان أكثر من التجارة عن تراجع وظائف التصنيع، وأن الأسر الأقل دخلا تستفيد كثيرا من الواردات الأرخص، وأن فتح الأسواق يمكن أن يخلق وظائف جيدة بينما تقود الحمائية وحروب الرسوم إلى ركود شبيه بثلاثينيات القرن الماضي.

وإذا تعذر إصلاح منظمة التجارة العالمية ومؤسسات أخرى ينبغي تطوير شراكات مرنة ومتداخلة بين الدول المتقاربة في الرؤية. ويمكن لهذه المجموعات استخدام وزنها الجماعي لمعالجة هشاشة سلاسل الإمداد، والممارسات التجارية الصينية الافتراسية، والإكراه الاقتصادي. وسيكون ذلك أكثر منطقية من إقامة حواجز داخل هذه المجموعات تسمح للصين باللعب على تناقضاتها. كما ينبغي للولايات المتحدة دراسة اتفاقيات ثنائية وإقليمية تخفض الحواجز التجارية والاستثمارية، وتتضمن معايير قابلة للإنفاذ بشأن حقوق العمال، ودعم الدولة، وحماية البيئة. ومن خلال زيادة الصادرات، وخفض تكلفة الواردات يمكن لهذه الاتفاقيات أن ترفع مستويات المعيشة، وتوفر إيرادات لمساعدة العمال على الانتقال والتدريب ورفع المهارات والاستثمار في المجتمعات المتضررة من التجارة. وربط هذه الاستثمارات بالاتفاقيات نفسها سيعزز الدعم السياسي الداخلي لها.

وعلى الإدارة المقبلة أن تدرك إحباط الرأي العام الأمريكي من أعباء القيادة العالمية والحروب الطويلة عبر قدر أكبر من التواضع والحذر في استخدام القوة العسكرية، والسماح للكونجرس بأداء دوره الدستوري. فقد كانت مشكلات النظام السابق ناتجة غالبا عن الإفراط والتجاوز، لا عن الوجود العسكري العالمي في ذاته. تحتاج الولايات المتحدة إلى ردع الصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا، لكنها لم تكن بحاجة إلى إنفاق 4 تريليونات دولار خلال 20 عاما لتحويل أفغانستان والعراق إلى ديمقراطيات موالية لها. وكانت بحاجة إلى تحالف عالمي لإنقاذ أوكرانيا وتعزيز مبدأ عدم الاعتداء، لكنها لم تكن بحاجة إلى حرب أحادية لتغيير النظام في إيران بينما كانت البدائل الدبلوماسية متاحة. التخلي عن القدرة على الدفاع عن النظام الدولي وصفة لكارثة سيندم عليها الأمريكيون.

قد يرى بعض الأمريكيين أن القيادة العالمية مفيدة من حيث الجوهر، لكنها لم تعد ممكنة سياسيا بسبب التعب من أعبائها وضعف نتائجها. وهذا ما بدا أن انتخاب ترامب للمرة الثانية يشير إليه، لكن نتائج سياساته الأحادية والصفقاتية والخالية من القيم بدأت ترتد عليه؛ فهو الرئيس الأقل شعبية في هذه المرحلة من ولايته، وتظهر الاستطلاعات أن دعم الأمريكيين للتحالفات والانخراط الدولي بلغ مستويات مرتفعة. ففي استطلاع جالوب في فبراير 2026 رأى 64 بالمائة من الأمريكيين أن على الولايات المتحدة أداء دور كبير أو قيادي في حل المشكلات الدولية، ورأت النسبة نفسها أن من المهم أن تكون القوة العسكرية العظمى الأولى. كما وجد استطلاع «إن بي آر/ إبسوس» أن 61 بالمائة يعتقدون أن على الولايات المتحدة أن تكون القائد الأخلاقي للعالم رغم أن 39 بالمائة فقط يرون أنها كذلك فعلا. وأظهر مسح مجلس شيكاجو أن ثمانية من كل عشرة أمريكيين يرون أن التجارة الدولية تفيد الولايات المتحدة.

قد يقول المنتقدون: إن الضرر سيكون كبيرا إلى درجة تمنع الحلفاء -وقد خُدعوا مرتين- من تصديق أي التزامات أمريكية جديدة، لكن الحلفاء، حتى بعد ما جرى منذ يناير 2025 -وربما بسببه- سيرحبون على الأرجح بشكل جديد من القيادة الأمريكية. خصوم واشنطن وحدهم لن يرحبوا بذلك.

بعد الحرب العالمية الثانية واجه القادة الأمريكيون شكوكا مشابهة حول دور بلادهم في العالم. وبعد فيتنام ووترجيت اعتقد كثيرون أن الولايات المتحدة فقدت القوة والإرادة والسلطة الأخلاقية لأداء دور عالمي صحي. لكن القادة الأمريكيين أدركوا في الحالتين أن السلام والازدهار والأمن العالمي تتطلب وجود أمريكا قوية وفاعلة وملتزمة بالمؤسسات والقواعد والأعراف، وأقنعوا مواطنيهم بذلك، فكانت النتائج غير مسبوقة. وبينما يفكر الأمريكيون اليوم في دورهم المستقبلي -وحتى وهم يقرون بالحاجة إلى التغيير- ينبغي لهم أن يتذكروا ذلك السجل.

فيليب هـ. جوردون هو دبلوماسي أمريكي بارز وباحث في العلاقات الدولية، شغل منصب مستشار الأمن القومي لنائبة الرئيس في إدارة بايدن، ومنسق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط في إدارة أوباما

عن مجلة فورين أفيرز، خدمة تربيون