متى تنتهي الحرب؟
17 أكتوبر 2026
17 أكتوبر 2026
لا يزال عصر الحروب الأمريكية مستمرًا، ها نصل الربع الأخير من العام ولا إشارة في الأفق على نهاية آخر حرب، هذه التي شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران؛ بالعكس ها ذي تندلع في مكان آخر. وها تنفتح جبهة حرب جديدة بين الحوثيين في اليمن والسعودية. ليس هذا فحسب؛ فلا يمكن أن لا نرى ما يحدث في القرن الأفريقي: في السودان والصومال وأثيوبيا واريتريا. فإذا أضفنا البلدان المتأثرة بالحرب الأولى سنرى أن المنطقة متضررة برمتها، وأن الحرب لم تستثن أي بلد، حتى صارت الحرب هي القاعدة. فأين أفضت بنا أمريكا؟
بدأت المواجهات الأمريكية المباشرة مع بداية القرن، منذ الحرب الأمريكية على أفغانستان ٢٠٠١م، وبعدها حرب احتلال العراق في مارس ٢٠٠٣م. آنذاك كانت المنطقة أكثر استقرارًا وأقل توترًا، وبقية الخلافات محدودة ولم تتطور لنزاعات بعد، ويمكن احتواؤها، لكن كانت تلك اللحظة هي التي آذنت بمرحلة ما زلنا نعيش فصولها إلى اليوم، وإن تخللتها فترات هدوء نسبي.
لكن نار الحروب الأمريكية ما تكاد تهدأ حتى تندلع من جديد في مكان آخر، حتى أضحى المشهد اليوم هو مشهد المواجهات المندلعة على مصراعيها، السياسي منها قبل العسكري.
الحرب قائمة على مضيق هرمز، والآن تندلع على باب المندب، وكل هذا يشي بأن المستقبل القريب مهدد بالتفجير، وأن كل الخطط والرؤى المستقبلية أضحت في مهب رياح الحرب، فهل من مخرج؟ أم نحن في دوامة أمريكية لا آخر لها، ومتاهة سياسية أفضت لمواجهات عسكرية؟
الحروب مستمرة ولا نصر فيها، ولا نهاية لها بغير اتفاق سياسي، وريثما يحدث ذاك الاتفاق السياسي المنتظر يموت الناس في الميادين وتضيق حياتهم وينزح الآلاف هربًا بأرواحهم من بلد لآخر، ويكثر اللاجئون في كل مكان يحسبون أنه آمن، ريثما تصله الحرب، وتتواصل الاضطرابات والخسائر، بانتظار اعتراف المنهزم بهزيمته، وهو ما لا يحدث؛ فالواقع أن لا منتصر في أي حرب، مهما ادعى المنتصر ذلك، وحتى لو تمكن من الادعاء بأنه أحرز النصر. لأن النصر هو المستحيل بعينه.
اندلعت حرب اليمن في سبتمبر ٢٠١٤م حين اجتاح الحوثيون صنعاء، وتوسعت الحرب مع التدخل العسكري لدول التحالف بقيادة السعودية في العام التالي ٢٠١٥م. واليوم مر على اضطراب الأوضاع اليمنية عقد وأكثر، لم ينتصر أحد في حرب اليمن، وتمزقت البلاد، وسقط الضحايا، وعم الخراب، وانتشرت الفوضى، ونزح الناس في كل حدب وصوب، وانهار النظام، فهل هذا المشهد الممزق أفضل أم حكومة موحدة يمكن الوصول معها لمعاهدات واتفاقيات؟ بل إن حكومة فاسدة وبلدًا مستقرًا أفضل من بلد بلا نظام، يتناهشه الفرقاء وأمراء الحروب.
منذ سقطت بغداد كان هذا المستقبل واضحًا ويهدد الجميع. ولا يمكن أن نفصل الجوار الجغرافي عما حوله؛ فبعد انهيار النظام العراقي بدأت الأنظمة في الشام تتداعى. وحتى البلدان المستقرة كالأردن مثلًا، تعرضت لضغط متوالية هجرات غير مسبوقة، من العراق فسوريا، هذا غير الفلسطينيين الذين تحولوا إلى مواطنين أردنيين، وهلم جرا.
المحصلة أن الاضطراب الذي تسببت به أمريكا مستمر، ولا أدري إن كان هذا هو التصور نفسه الذي كانت تبشرنا به كوندليزا رايس بالشرق الأوسط الجديد، لكن الواقع أن الشرق الأوسط يعيش اليوم وسط هذا الكابوس نفسه، وهذا الكابوس لا يمكنه أن يتوقف بنفسه عند حد، بل هو يهدد كل بلدان المنطقة بلا استثناء. وكما انتقل اضطراب الأوضاع العراقية إلى الشام وتركيا ولبنان، فإن الاضطراب اليمني لا يمكن كذلك أن يبقى مع مرور الوقت في حدود اليمن وحدها. ولا شك أنه سينتشر ويؤثر في البلدان المجاورة، وها هو اليوم يرتد على السعودية، ويؤثر قطعًا على عمان.
باندلاع الحرب الجارية بين الحوثيين والسعودية انهارت كل اتفاقيات السلام والهدنة السابقة التي كان آخرها في عام ٢٠٢٣م، وها تعود الأوضاع إلى نقطة الصفر، والسبب واضح؛ فهذا امتداد طبيعي للحرب على إيران، ولا يمكن فصل ما يحدث في إيران عما يحدث في دول الخليج العربية واليمن، ولا فصل كل ذلك عن بقية الاضطرابات في المنطقة بأسرها، بما فيها النزاعات والمواجهات الأفريقية القريبة أو الأبعد في ليبيا، وحرب إسرائيل في فلسطين وسوريا ولبنان؛ فكلها أحداث مترابطة، بشكل أو بآخر.
نجحت أمريكا في جعل الحرب هي واقع الشرق الأوسط، وأصبحت الحرب هي القاعدة في هذه المنطقة خلال العقود الماضية، لكن ما هذه الحالة الحربية الأمريكية بالتحديد؟ ذلك أن الحرب دليل يأس، والذهاب للحرب بحد ذاته فعل انتحار، فهل تنتحر أمريكا وهي تحسب أنها تهيمن؟ وهل على منطقتنا أن تمضي خلفها وعلى نهجها في طريقها الانتحاري هذا؟
الحرب نار مشتعلة، وكما كان زهير بن أبي سلمى يقول: «وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجم»؛ فقد علمنا الحرب وذقناها، وكأن الحرب فرض قدري على كل جيل من أجيالنا. فحتى متى سنظل هكذا في حرب مستمرة؟ أليس على هذه المتوالية الحربية الأمريكية أن تتوقف قبل أن تفجر ما تبقى لنا من بلدان؟ وعلى من تقع مسؤولية إيقاف كل هذه الحروب؟ أليست على القادة؟
الطريقة الأمريكية في القيادة والتحكم والسيطرة أوصلتنا لوقوع أحداث غير مسبوقة، واستمرار هذا النهج لن تكون نتائجه مفيدة لأحد، فليست الحروب اليوم مسألة قوة عسكرية تحتكر القوة، بل هي القدرة على إحداث الضرر، وهذا ما يمكن أن تقوم به بكل سهولة جماعة مسلحة، ناهيك بالأنظمة، وما مشهد عودة طالبان للحكم في أفغانستان ببعيد بعد الحرب والاحتلال الأمريكي الذي استمر عقدين كاملين، منذ ٢٠٠١ حتى ٢٠٢١م.
فلسفة الحرب هي القتل والدمار إلى الحد الذي ينهار فيه الخصم، لكن عن أي قتل ودمار نتحدث إذا كانت هذه القوة «العظمى» عجزت عن إحداث التغيير «المزعوم» في كل الحروب التي خاضتها؟ من أفغانستان للعراق؟ غير ضرباتها الخاطفة هنا وهناك، بما فيها اليمن، ومن قبلها السودان، فهل تنجح أمريكا في حربها القائمة مع إيران؟ لا يبدو ذلك، وهل تنجح دولنا بنفس الطريقة في احتواء جماعة أنصار الله؟
على قادتنا وسياسيينا أن يتذكروا أن اندلاع الحروب سهل لكن إطفاءها هو العملية الأصعب، وهذا ما يعلمه عن النيران كل إطفائي في أي مكان في العالم، لكن هذا العمل الصعب لا بد منه وإلا التهمت النيران الأخضر واليابس، لذلك لا بد من الاجتماع والاتفاق السياسي ليس على الشجب والتنديد فقط، بل على العمل للسلام والاستقرار، وإذا عجزت الرؤى عن الاتفاق على السلام فلا فائدة من أي رؤية أو رؤى أخرى، لأنها عمياء.
هذه الحرب المندلعة ستتواصل ما دامت الحرب الأمريكية على إيران، وما دامت اليمن منقسمة، والسودان، والصومال، واريتريا، وكما في سابقاتها لا تنحسم في الميدان بل بالاتفاق، وبدون ذلك ستبقى الحرب تطل برأسها المشؤوم القبيح كل فينة وأخرى.
إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني
